كان التفوق حليفها منذ السنة الأولى حتى السنة الثالثة في كلية الآداب في جامعة "حلب"، ولا ندري إن كان سيحالفها في نتائج السنة الرابعة لهذه السنة، امتازت بتفوقها الصامت الهادئ حتى لا تكاد تميزها من شدة تواضعها والتزامها الأخلاقي والديني، لكنك إن بحثت عنها تجدها دائماً بين جوقة من الفتيات يتناقشن ويتحاورن في أمور الدراسة في القاعات..
التقى esyria بالطالبة المتفوقة "عائشة سيف" وبدأنا الحديث معها عن حياتها وسيرتها فقالت:
شعوري هو شعور الحامدة لله، المغتبطة بعطاياه وهذا التكريم يحفزني على العمل والمثابرة في طريق العلم إلى ما شاء الله
«اسمي "عائشة محمد عادل سيف"، من أسرة تتكون من عشرة أفراد، بين أب وأم وأفراد، من مدينة حلب، ولكني ولدت في مدينة الثورة، حيث كان عمل والدي في مؤسسة استصلاح الأراضي مديراً للحسابات، وفيها درست المرحلة الابتدائية في مدرسة قرب سد الفرات تحمل اسمه، وهي مدرسة نموذجية بهيئتها التدريسية وصفوفها المنظمة، انتقلت بعدها للدراسة في مدينة "حلب" في المدرسة الشرعية التي درست فيها المرحلتين،الإعدادية والثانوية . ثم دخلت الجامعة، وها أنا ذا في السنة الرابعة».
ومن ثم سألناها ما الذي جعلك تواظبين على التفوق، وما الدافع لذلك؟ وما سر نجاحك وتفوقك الدراسي في كلية الآداب ؟
فأجابت: « في الحقيقة لم يكن تفوقي في كلية الآداب أمراً جديداَ بالنسبة لي، فقد كانت لي تجارب سابقة في مختلف مراحل دراستي، إذ كانت نسبة علاماتي دائماً مرتفعة بفضل الله، وكنت أكرم من معلماتي اللاتي أكنّ لهن كل تقدير واحترام. وإن كان للتفوق من سر فهو توفيق رب العالمين أولاً (وما توفيقي إلا بالله)، ورعاية الوالدين الكريمين ودعاؤهما ثانياً.
أما الدافع إلى التفوق فهو حبي الشديد للغة العربية، لغة القرآن الكريم، وهناك عوامل تساعد في تحقيق التفوق في هذا المجال :
1_ قراءة القرآن الكريم، والتمكن من ضبطه الصحيح بالشكل، ولا أظن أحداً أحرز تقدماً في مجال اللغة العربية من دون أن يقرأ هذا الكتاب العظيم أو بعضاً منه .
2_قراءة الأحاديث النبوية الشريفة التي هي قمة الفصاحة .
3_ حضور المحاضرات والإصغاء إلى كل كلمة ينطق بها المُحاضِر .
4_ ملء أوقات الفراغ بمطالعة المحاضرات .
5_ (وفي أثناء الامتحان) التدقيق في السؤال كلمة كلمة، ووضع بعض الأفكار على المسوّدة لئلا تضيع في أثناء الإجابة على المبيضة، ولاسيما حين يضيق الوقت، ويتشتت الطالب».
ومن ثم سألناها: إلى من تعزين هذا النجاح والتفوق، أو من وراء هذا التفوق ؟
«أعزو هذا التفوق إلى فضل رب العالمين سبحانه ـ كما ذكرت آنفاً ـ ثم إلى والدي الكريمين اللذين كانا يحضّاننا دائماً على طلب العلم منذ نعومة أظفارنا، لا لأجل نيل العلامات، وإنما لجمع المعلومات، وانطلاقاً من قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، فالإتقان أمر مطلوب في كل الشؤون؛ الدنيوية والأخروية . ثم إلى كل من علمني حرفاً ؛ بدءاً من المرحلة الابتدائية، التي هي مرحلة تأسيس، إلى اليوم . ولا أنسى أن أتوجه بجزيل الشكر إلى الدكاترة الذين يجهدون في إيصال المعلومة إلى الطلاب، ويجيبون عن أسئلتهم بكل رحابة صدر فهم سَدَنَة هذه اللغة الجميلة التي تتعرض دائماً لهجمات واعتداءات، صريحة أو مبطنة، وهي صامدة، وستبقى، ما دام هناك أمثال هؤلاء العلماء الأفاضل».
4_ ما طموحك الدراسي ؟
«إلى الآن ليس في ذهني طموح معين، وكل ما أتمناه أن أقدم خدمة حقيقية لهذه اللغة، وأن يتاح لي المجال اللغوي الذي أجد فيه نفسي وأميل إليه، فالإنسان حين يميل إلى موضوع ما يقدم فيه أضعاف ما يقدمه في موضوع آخر لا يميل إليه والأمر متروك للمقادير».
5_ ما شعورك وأنت مكرمة بجائزة الباسل ثلاث مرات ؟
«شعوري هو شعور الحامدة لله، المغتبطة بعطاياه وهذا التكريم يحفزني على العمل والمثابرة في طريق العلم إلى ما شاء الله».
6_ نصيحة تقدميها للطلاب في كلية الآداب :
«إن كان للنصح قيمة، فنصيحتي إلى الطلاب في هذه الكلية ألا يتعاملوا مع مقرراتهم بجفاء، وأن يتابعوا حضور المحاضرات باستمرار لئلا تتراكم فيجدوها فيما بعد عبئاً ثقيلاً . وإذا كان لدى الطالب ضعف في ناحية ما، فليس عيباً أن يعود إلى المراجع الأولية لذلك، وهذا أفضل من أن يفاجأ غداً بأحد طلابه يصحح له خطأ قد وقع فيه .
ـ أما الطلاب في الأولى فأنصح لهم بتدارك الأمر منذ الآن معظم الطلاب يتساهلون في البداية، لكنهم لا يلبثون أن يستيقظوا في نهاية المطاف على كابوس مرعب اسمه (المعدّل) ويصطدمون بواقع الحياة العمليّة ... وهنا أذكر بالحديث الشريف: ( اغتنم خمساً قبل خمس ... ) وهو موجود في الأربعين النووية، هذه المجموعة التي لوحا ولنا الالتزام بحديث واحد منها لكنا بخير .
ـ أما عن المواد التي اعتدنا أن نسميها بالمواد الجافة، فيمكن ترطيبها بشيء من الصبر والتكرار، وإذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون».
كلمة أخيرة:
« أود أن أشير إلى نقطة مهمة. وهي أن الأولوية لا تعني دائماً الأفضلية، فهناك الكثيرون ممن هم أفضل مني، لكن الظروف لم تمكنهم من تحصيل مثل هذه الدرجات، ولكن عليهم ألا ييأسوا، فالحياة لم تتوقف عند هذا الأمر، بوابات الحياة كثيرة، وعليهم أن يبحثوا عن المناسب منها ليلِجوه. وثمة مثقفون ومبدعون قابعون في المكتبات هنا وهناك، عاكفون على القراءة والدرس، تضاهي ثقافتهم الذاتية ثقافة الكثرة الساحقة من حاملي الشهادات .
ولا شك أن لدى كل طالب علم معوقات، قد تكون قليلة أو كثيرة، فالنجاح لا يقدم على طبق من ذهب . ومن ضمن هذه المعوقات التي تواجهنا الدوام الطويل ولا سيما إذا تخلله الفجوات الكبيرة .
من ذلك أيضاً العودة إلى المراجع في المكتبات وما تتطلبه من جهد ووقت، وغير ذلك من الأمور، ولكن هذا كله يهون في سبيل اللغة العربية .
وأخيراً: أشكر لكم اهتمامكم، وأتمنى لموقعكم المزيد من التقدم والنجاح، وآمل أن يكون له دور فعال في إزالة العقبات من طريق الطلاب، فهي كثيرة ولا تكاد تنتهي».
وبعد ان انتهينا من لقاء الطالبة المتفوقة "عائشة" اقتربنا من شخصية "عائشة" أكثر بالاقتراب من صديقاتها اللاتي صحبنها خلال أربع سنوات
فالتقينا أولاً بصديقتها المقربة جداً في السنة الرابعة "هبة سلو" فقالت عنها:
«"عائشة" من الفتيات المميزات اللواتي مررن بي في حياتي، فهي نشيطة ومثابرة وصاحبة إرادة قوية . لديها جَلَد عظيم على المثابرة .
التواضع من أهم صفاتها فهي خلال معرفتي بها لم تظهر لنا الفارق العلمي بل على العكس كانت تشجعنا لنُقبل على الدراسة وكثيراً ما كانت تساعدنا في الأمور التي تصعب علينا .
وهي فتاة حساسة مرهفة الشعور، لديها إحساس عالٍ بالمسؤولية وهي تستحق بجدارة صفة الباحثة لامتلاكها بصيرة نافذة وذكاءً حادً وهي من أعز صديقاتي وممن أفخر بصداقتهن أينما ذهبت أتمنى لها بصدق مستقبلاً مشرقاً ناجحاً لأنها فتاة طيبة تستحق كل الخير».
ومن ثم التقينا بصديقة أخرى لها في السنة الرابعة " نجوى ضبيط" فقالت عنها:
«عائشة سيف كانت من التلميذات المثاليات خلال الفترة التي عرفتها فيها مجدة ونشيطة ونالت هذه المكانة المتفوقة عن جدارة فلم تكن تضيع الوقت أبداً حتى أوقات الفراغ القصير ( بين المحاضرة والأخرى ) بالإضافة إلى روحها السمحة والمتواضعة .
ولم تكن تضنّ علينا بأي سؤال نقصدها فيه بل تشرح وتطيل وكأن من واجبها أن توصل الفكرة إلينا ولم تشعرنا في وقت من الأوقات بأنها متفوقة علينا أو لها فضل علينا بل على العكس تماماً، لذلك أتمنى لها التفوق أكثر فأكثر وأعتبر نفسي من المحظوظات لأنني أعرف شخصية مثل شخصية عائشة سيف».
والتقينا أيضاً بصديقتها " أحلام حصرومي" فقالت عنها:
«أعرفها منذ بداية السنة الأولى كانت تحضر جميع المحاضرات وتداوم لساعات طويلة ولعل هذا الأمر و الذي جعلنا نتفاجأ بها في نهاية العام الدراسي حين تظهر النتائج وتكون قد أحرزت المرتبة الأولى وهذا التفوق لم يغير من شخصيتها فهي ما زالت متواضعة كما عهدناها ومحبة للآخرين وهي ذات شخصية متديّنة فقد درست في الإعدادية والثانوية الشرعية وكانت فيهما متفوقة أيضاً ولا يمكن أن نغفل شخصيتها، في ذات حضور متميّز في مناقشة حلقات البحث، ولا تردّ سائلاً وتحبّ أن تفيد غيرها من علمها، وقد كانت مادة النحو في كل السنوات الأربع مادتها المفضلة رغم تميزها وتفوقها في جميع المواد لذلك فهي محبوبة ومحترمة من قبل جميع الذين يعرفونها والذين سمعوا عنه».
وفي لقاء مع الدكتور "محمود الجاسم" قال عن طالبته المجدة "عائشة":
«إن الأخت الفاضلة الطالبة "عائشة سيف" من الطلبة النادرين الذين عرفتهم في هذه الحياة، ذكية، لماحة، محبّة للنحو، موهوبة في حب العلم .
هادئة، صامتة في تفوقها، لا تثير ضجيجاً، كانت إذا سألت أصابت وأفادت، وإذا شاركت أغنت إنها لا تبحث عن لفت الأنظار في تفوقها، بل تجعل رزانتها وانتظامها في التفوق النادر ميزة تترسخ في وجدان أساتذتها وزملائها.
أرجو من الله سبحانه أن يفوقها في كل ما هو خير .
وأن يكثر من أمثالها خلقاً وعلماً وأتوقع لها أن تكون ذات شأن في المستقبل».
