سأعرض صفحاً عن الأسباب التي حدت بالمرحوم الدكتور "عبد السلام العجيلي" الالتحاق بجيش الإنقاذ لأنها ـ بنظري ـ أصبحت ملازمة لسيرته الحياتية، والحديث عنها يصبح من مكرور القول ومُعاده، كما أن جملته التي تتصدر كتابه (جيش الإنقاذ صور منه.. كلمات عنه) والتي يقول فيها: «اهتمامي كإنسان عربي، بالقضية الفلسطينية ... بدأ منذ أول وعيّ السياسي».
ولن أتحدث عن حماسة أعضاء مجلس النواب السوري ـ وقتذاك ـ /1947/م وتوقيع أكثر من ثلاثين منهم على التطوع في الجيش المذكور، ولن يلتحق في حقيقة الأمر عدا ثلاثة منهم ("العجيلي" و"أكرم الحوراني" و"غالب عياشي" من "إدلب")، ولن أذكر عدد المتطوعين من الأطباء السوريين سوى عن الثلاثة الملتحقين بفوج "اليرموك" الثاني ـ من جيش الإنقاذ ـ الذي تولى قيادته "أديب الشيشكلي"، والأطباء الثلاثة هم: ("العجيلي"، "فيصل الركبي" و"شوقي الأتاسي")، الذي استشهد في مغتصبة "همشما رهايردن"، إنما سأقتصر في حديثي ـ وبعجالة عن جليليّات "العجيلي"، وأعني بها القرى التي قام بها جيش الإنقاذ بمرابطة ومناوشة، ومحاصرة للمغتصبات الصهيونية بدءاً من أول كانون الثاني وحتى نهاية حرب الـ/1948/م في الهدنة الأولى من حزيران من العام نفسه؛
من الحيوان من يكسب من العقل أكثر من الإنسان، مثل الحمام الذي تدرجه من مرحلة إلى مرحلة، ثم إنك تسيبه من مسيرة عشرين يوماً فيرجع إلى وكره في يوم واحد ومن بني آدم من تعلمه كلمة واحدة تؤول إلى صلاحه ونجاة روحه ألف مرة فلا يفهم
وفي تتبعنا لخط مسير الفوج الثاني الذي دونه "العجيلي" في (فلسطينياته) و(جيش الإنقاذ) و(السيف والتابوت)، فالمهمة الموكلة لهذا الفوج حددت عملياته في الجليل المحادد لجنوب لبنان، أمّا الفوج الأول ـ "اليرموك" ـ بقيادة "القاوقجي" فحددت مهمته في وسط فلسطين، ولأن "العجيلي" ـ ليس كغيره من المتطوعين ـ فقد أغنى المكتبة العربية بأروع القصص الاستشرافية (نبوءة الشيخ "سليمان")، والتي ولدت فكرتها في قرية "بيت جَن"، ومن وحي حرب /1948/، ومن نكسة /1967/م ولدت فريدة قصصه: (فارس مدينة القنيطرة) ومن آلية الحركة والتسلح في جيش الإنقاذ جاءت قصصه الجليليّة: (بنادق لواء "الجليل")، و(الجد والأب والابن)، التي تؤرخ لمسار القضية الفلسطينية عبر ثلاثة أجيال، ولأن مساحة البحث لا تتسع لإيجاز مسيرة التحرك، وتلخيص فحوى القصص الذي يشوه أسلوب "العجيلي" ويغتاله ـ وهو ما لا نفعله ـ فإننا سنقتصد على مرور الفوج على القرى الفلسطينية إلى أن نصل إلى "بيت جَن"، التي نبغت فكرة القصة النبوءة (نبوءات الشيخ "سليمان")، وللأمانة التاريخية سنسوق قطفاً جنياً من سرديات أحداثها - فيما بعد -.
القرى الجليليّة الفلسطينية:
اقتضت الضرورة العسكرية أن يعبر فوج "اليرموك" الثاني إلى "جليل" فلسطين، من الحدود اللبنانية ـ عبر "الناقورة" ـ ويمشط القوات الصهيونية في المغتصبات هناك، ثم يلتقي الفوج السوري الأول في "تل أبيب"، هذا ما خُطط، لكن واقع الحال غير ذلك، فلا العتاد كافٍ لمتابعة مثل تلك المهمة، ولا الوسائط متوفرة، ولا الحماية الجوية موجودة، حيث كانت حركة الفوج مرصودة من الطائرات الإنكليزية، أمّا مسير الفوج ومروره على القرى فكان كالتالي:
"فسوطة" هي أول قرية تستقبل الفوج وفيها يتم التجمع في (10/1/1948)م أما المحطة الثانية فهي: "سحماتا"، وتم الانتقال من "فسوطة" و"طريبخة" إليها. ثم "بيت جَن"، وهي المحطة الثانية بعد "فسوطة" و"طربيخة"، وفيها مكثَ عناصر الفوج حوالي يوم ونصف، ثم تمركزت قيادة الفوج في "سبلان"، وتمركز بعض مقاتلي الفوج في قمة جبل "سبلان"، على أن يتم الهجوم على مغتصبة "جب يوسف"، إلا أن الأمر تغيّر وتقرر أن يتم الهجوم على قلعة "جدين"، وهي مسقط رأس "ريموندا الطويل"، أم زوجة "ياسر عرفات".
ومع صعوبة التنقل، وقساوة الطقس نظم "العجيلي" قصيدة مع أحد رفاقه "أحمد حسين"، رئيس حزب (مصر الفتاة)، الذي التحق بهم بداية الأمر، ثم غادرهم إلى غير رجعة، مدعياً بأنه سينظم حملة تطوعية تهاجم اليهود المغتصبين من الجنوب، ومن القصيدة نقتطف:
أيا أستاذ مالك لم تشرِّف/ هجرت فراشنا ورحلت عنّا
قضينا ليلتنا نرجوك لكن/ أظنك قد سكنت بيت جَنا
إلى (حرفيش) أرسلنا رسولاً/ عن الأستاذ، قالوا، ليس عنا
دمشق الشام أعيتنا سؤالاً/ وبالمذياع يوسف قد صرعنا
فهل نستطيع يا أستاذ صبراً/ فقد برد الطعام ونحن جعنا
وعدا هذه القصيدة كتب قصة بعنوان (الأم)، ضمن فيها أشواقه وحنينه لوالدته، وصوّر لواعج الانتظار لأمه المتلهفة لعودته إليها سالماً، كما كتب وصوفات لبعض المقاتلين، منهم تحت عنوان لكل من هؤلاء قصة ومنهم ("حسني"، "عمر"، "حسن" و"فؤاد")، كما نظم في "عبد الحميد السراج" قصيدة بعيد حلق ذقنه ومنها:
حلق الذقن وأضحى أمردا/ ضابطٌ في الجيش لا يخشى الورى
جار بالموسى علها حانقاً/ لو تفدّى كانت النفس الفدى
يا بو حمدو واللحى قد أخصبت/ كيف دون الصحب خنت الموعدا
في ذرى حرفيش أطلقنا اللحى/ وحلفنا لا نخليها سدى
قبل أن نبلغ ثارا أحمراً/ وتروى الأرض من قتلى العدا
ولا تفارقه بالرغم من الظروف القاسية الدعابة والسخرية من ذقن فؤاد يقول عنها:
ما ترى ذقن فؤاد أينعت/ كشقيق الروح يعلوه الندا
كلما جاء غداء جائعاً/ أكلت شعراتها نصف الغدا
فترى الرز في أطرافها/ كلجين بات يعلو عسجدا
وفي "عكّـا" وبعد نجاته وإفلاته من حاجز تفتيش أردني ـ انكليزي مشترك، يلتقي في أحد حوانيت "عكا" ("عبد الكريم الكرمي") "أبو سلمى" ومن ذاك الوقت تتوطد العلاقة بينهما، وفي عام /1968/م، وبينما هما في أحد شوارع "دمشق"، يتوقف "أبو سلمى" عند نعوة "عبد الله بن حسن الخالد المعجل"، و"عبد الله" هو حفيد الشيخ "خالد المعجل" شيخ قرية "الغويرية"، وزعيم عشيرة "القديرية"، الذي التقاه في قريته في فلسطين مع "أديب الشيشكلي" قائد الفوج آنذاك، وكان لخالد موقف رجولي، وشجاعة منقطعة النظير عندما هوجمت القرية، وبقي ثابت الجنان، وواعده "أديب الشيشكلي" زيارته في "دمشق" إذا أراد حاجة، وعندما تولى رئاسة الأركان، راجعه الشيخ "خالد" طلباً للسلاح فكان الرد جافاً، وأنه ليس للدفاع عن فلسطين، وقد كتب عنه "العجيلي" قصته (أينما كان)، يحيي فيها "خالد المعجل"، الذي انقطعت عنه الأخبار، ولم يعرف مكان أولاده وأحفاده إلا عام /1968/م.
نعود إلى "بيت جَن" وقدومهم إليها، ودخول "العجيلي" إلى بيت الشيخ "سلمان" بطل قصة (نبوءة الشيخ "سلمان")، وبمجرد مشاهدته لصورة "جورج السادس"، وقرينته الملكة "اليزابيت" أسرع لقذفها على الأرض، فتكسر زجاج الإطار، وألقاها أرضاً محتجاً على الشيخ، كيف يحتوي بيته على صورة ملك أعداء العرب الإنكليز، ومع شعوره بتسرعه، وعدم احترامه لحرمة الضيافة، ومحاولته تخفيف غضب الشيخ الذي كظم غيظه، وذلك بإلقاء قصيدة للشاعر "أحمد شوقي" يثني فيها على الموحدين من "آل معروف" (الدروز)، على أنهم دارة وقراة ضيف إلا أن الشيخ يقرأ عليهم بعض الأشعار يقول فيها:
سيطلق سيف الحق فيكم بجهلكم/ ويحصدكم كالزرع من غير راحم
تقادون رغماً لا يُجاب مقالكم/ حُفاة أسارى في أكف الضراعم
ثم يتلو عليه من كتاب يقول إنه من تأليف ("هادي المستجيبين"، قائم الزمان "حمزة")، ومما تلاه نورد: «من الحيوان من يكسب من العقل أكثر من الإنسان، مثل الحمام الذي تدرجه من مرحلة إلى مرحلة، ثم إنك تسيبه من مسيرة عشرين يوماً فيرجع إلى وكره في يوم واحد ومن بني آدم من تعلمه كلمة واحدة تؤول إلى صلاحه ونجاة روحه ألف مرة فلا يفهم».
ثم يتوجه الشيخ للراوي قائلاً: «أجئتم تنقذون فلسطين؟.. أهلاً وسهلاً بكم!.. هل تظنون أن تطهر هذه الأرض بمئة أو مئتين من المتطوعين، وبعض البنادق والرشاشات؟ في قديم الزمان كان يموت الأنبياء وتسبى الشعوب، وكانت تهدم الهياكل وتسيل الدماء أنهار حين يدنس حجر من هذه الأرض... فمن أنتم حتى تطهر بموتكم، وحدكم، فلسطين؟ الطيبون وحدهم هم الذين يموتون هنا، وليس فيكم من الطيبين ما يكفي لتطهير هذه الأرض من الدنس الذي فيها، ولذلك قلت لك إنك ستعود سالماً، أنت وأمثالك ستعودون سالمين، من فشلكم هنا ستكسبون قوة وسيصبح لكم سلطان، ومع أنكم لستم طيبين فأنتم غير خبثاء، لذلك فإنكم ستموتون في بلادكم في سبيل فلسطين... ستموتون إن لم يكن بالجسد فبالروح، ثم لا يكفي هذا لإنقاذ فلسطين!! موت جماعة واحدة لن يطهر الأرض... بعدكم سيأتي رجال هم دونكم، أناس لم يخوضوا الحرب فلم يفشلوا فيها، إنهم دونكم في العمل، ولكنهم مثلكم في حب القوة والسلطان، وفوقكم في الغرور، هؤلاء سيموتون أيضاً، من لم يمت بجسده فبروحه، في سبيل هذه الأرض، وذلك لن يكفي جماعات إثر جماعات، تتعاقب ثم تنقرض على هذا السبيل».
يجيء الطيبون في البدء وسيذهبون، على الأقل طيبة، ثم يأتي الخبثاء، نعم إن الخبثاء لا بد قادمون، أولئك الذين يبيعون أرضهم وملتهم ويتظاهرون بأنهم يضحون في سبيل الأرض والملة، ويأتي بعد ذلك الخونة الكاذبون، ثم خونة صادقون لا يبيعون الأرض، بل يتنصلون منها، كل هؤلاء سيأتي بدوره، من ينفض يده من فلسطين لأنها وقعت في حفرة أعمق من أن تلحقها يده المنقذة.
ومن يبيع آلامها وأطفالها بفلس أو بضحكة امرأة، ويأتي من دمه ولحمه من يتنصل من فلسطين لأنها تنغص نومه أو كفقر جيبه، بعد كل هؤلاء يأتي الآخرون، إذا كان من قبلهم قد قبض ثمن الذي باعه من تراب الأرض المقدسة أو من دم أهلها.
فإن هؤلاء سيدفعون فوق الأرض ثمناً لخلاصهم منها، ومن أهلها حينذاك فقط بعد أن يموت الناس ويحترق التراب، ويحكم الفاشل، ثم العاجز، ثم الخائن، ثم الفاجر تهتز جنبات الأرض، وتحبل الأمة بالألم لتلد المنقذ المطهر... أمّا (بنادق لواء "الجليل") فلها بحث آخر.
المراجع:
جيش الانقاذ صور منه... كلمات عنه ـ دار الكلمات ـ "حلب" /2005/م.
السيف والتابوت ـ وزارة الثقافة ـ دمشق /1974/م.
قناديل "إشبيلية" ـ مجموعة قصصية ـ دار "الشرق" ـ "بيروت".
