تمتاز آثار محافظة "حماة" بتنوعها التاريخي عموماً ولو أن خصوصيتها الأثرية تكمن في جملتين من الآثار، الأولى تعود إلى الفترة الآرامية والجملة الثانية تعود إلى المرحلة الأيوبية والزنكية على اعتبار أن "حماة" كانت آخر معاقل الأيوبيين، فاندثرت ممالك الأيوبيين في كل بقاع الشام، ولم يتبق لهم سوى مملكة "حماة" بين أيديهم في نهاية حكمهم.
يقول الكاتب "ماركوس هاتشتاين" في كتابه "الفنون والهندسة الإسلامية": «قضى المغول -الإلخانات- على السلالات الفرعية في "دمشق وحلب" عام 1260 م ثم أنهى المماليك حكم الأيوبيين في "حمص" عام 1262 م، بقي للأيوبيين فرع حكم في "حماه" حتى سنة 1341 م».
قضى المغول -الإلخانات- على السلالات الفرعية في "دمشق وحلب" عام 1260 م ثم أنهى المماليك حكم الأيوبيين في "حمص" عام 1262 م، بقي للأيوبيين فرع حكم في "حماه" حتى سنة 1341 م
وظلت مملكة "حماة" الأيوبية قائمة إلى أن تنازل الملك "الأفضل ابن أبي الفداء" عن مملكة "حماه" الأيوبية، ولعل أبرز المعالم الأيوبية المتبقية في "حماة" هو جامع بناه "نور الدين زنكي" على أطراف حي "الطوافرة" في منطقة "باب الناعورة" وحمل هذا الجامع اسمه فسمي جامع "النوري".
يقول عنه الباحث التاريخي "أحمد الصابوني" في كتابه "تاريخ حماة": «في محلة باب الناعورة، جاء "نور الدين" رحمه الله إلى هذه البلاد بعد الزلزلة الكبرى فجدد ما تهدم وكانت له اليد الطولى في إعمار المساجد والتكايا والمدارس وما به من خدمة الدين فبنى هذا الجامع ووقف له أوقافاً كثيرة، وكان له باب شاهق من جهة الغرب، وله باب آخر من جهة الشرق باق حتى اليوم وبين هذين البابين تاريخ بناء الجامع محفور بخط جميل وحروف ضخمة».
وقد نقشت هذه الكتابة على مساحة كبيرة جداً، كما أن كلماتها التي ما تزال إلى اليوم واضحة وكبيرة قد احتاجت إلى مهارة وزمن لكتابتها، وقد جاء في الكتابة المنقوشة على هذا الحجر: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله محمد رسول الله، أمر بعمل هذا الجامع المبارك مولانا الملك العادل العالم العارف الزاهد المجاهد "نور الدين" ركن الإسلام والمسلمين محيي العدل في العالمين نصير الحق بالبراهين قسيم الدولة القاهرة عز الملة الزاهرة بحير الأمة الباهرة حافظ الثغور غياث الجمهور قاهر المتمردين قاتل الكفرة والمشركين منصف المظلومين من الظالمين، أبو القاسم محمود بن زنكي بن آقسنقر ناصر أمير المؤمنين في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة».
وقد ذكر المؤرخ "راشد الكيلاني" جامع "النوري" فقال عنه: «بناه السلطان "نور الدين محمود الزنكي" عام /549/ هجري /1163/ ميلادي، وهو أهم آبدة معمارية من العهد الزنكي، كان له باب شاهق من الجهة الغربية لكنه هدم، وآخر من الجهة الشمالية مازال قائماً وتحته كتابة تؤرخ بناءه بخطّ جميل وحروف ضخمة محفورة حفراً بتاريخ /558/ هجري».
ويضيف "الكيلاني": «يقع هذا الجامع في محلة "باب الناعورة" في مكان قديم اسمه "دير قزما"، على نهر العاصي، وقد بنى "الملك المظفر" قصره المعروف بقصر السعادة قرب هذا الموقع، ويتكون الحرم من ثلاثة أروقة، ذات أقواس محمولة على دعائم مربعة وفيه منبر جميل من خشب الأبنوس، منذ عهد "نور الدين محمود الزنكي"، يُعدُّ آية في فن النجارة، وقد بنى نور الدين بجوار جامعه، بيمارستاناً عام /1164/ ميلادي».
وقد احتفظت مديرية آثار "حماة" بمنبر جامع "النوري" في متحفها في مدينة "حماة" كونه تحفة الفريدة من ناحية النقوش الإسلامية التي تعبر بطريقة كتابتها وزخارفها عن فن الزخرفة الأيوبي بكل معالمه، وفي الجامع حالياً نسخة جديدة من هذا المنبر تشبه إلى حد كبير النسخة الأصلية
وقد جاء في الكتابة التي علقت إلى جانب "المنبر" الأصلي في متحف "حماة": «منبر خشبي من جامع "نور الدين زنكي" الذي بني عام /1162/ ميلادي. لهذا المنبر عمودان خشبيان في قاعدة الدرج ودربزينان على الجانبين لهما طراز المشربيات، كل منهما يتضمن كتابة نسخية تحيي ذكرى واهب هذا المنبر "أبو القاسم نور الدين محمد بن زنكي بن أقسنقر" في عام /559/ هجري، /1163/ ميلادي، الجانب الأيسر الأصلي من الدرابزان معروض حالياً على الجدار تحت رقم /660/، جانبا هذا المنبر مزخرفان بحشوات مجمعة مكونة من أشكال نجمية ومضلعات. وقد انتشر هذا النوع من الزخرفة في سورية والعراق بدءاً من القرن /11/ وما بعده، يوجد حول قبة المنبر آيات قرآنية من سورة الفرقان "السورة رقم /61/) وهي:
وفي ترجمة أعدتها الآنسة "جمانة الياسين" عن بحث من إعداد السيد "غالب الصواف" جاء: «جامع النوري، بني من قبل "نور الدين زنكي" عام /558/ هجري /1163/ ميلادي على ضفة العاصي الغربية على أنقاض معبد قديم يسمى "دير قزما" ويحوي حرمه منبراً أثرياً من خشب الأبنوس المنقوش وتعد زخرفته آية في الروعة والإبداع وهو محفوظ في متحف "حماة"، وتوجد على جداره ثلاثة كتابات أثرية هامة، أولها باليونانية وتشيد بعظمة سكان مدينة "حماة" وإبانهم وصلابتهم ضد الحكام المتسلطين الرومان والثانية بالعربية تدل على اسم الباني وتاريخ البناء، والثالثة بالعربية أيضاً تظهر أنه كان مركزاً تقام به الحلقات العلمية، مئذنته مرتفعة مربعة الشكل تتناوب في بنائها الحجارة السوداء والبيضاء بأشكال هندسية أخاذة وفيها قباب خمس آية في الجمال والروعة».
المراجع:
تاريخ حماة – الشيخ "أحمد الصابوني".
الفنون والهندسة الإسلامية "ماركوس هاتشتاين"
اللوحة التعريفية التي علقت في متحف "حماة" بجانب منبر الجامع الأصلي.
تاريخ "حماة"- "راشد الكيلاني".
