من المعروف أن أهم واجبات الدولة – قديماً وحديثاً- هو إقامة العدل بين الناس والفصل في المنازعات التي قد تنشأ بينهم، ولها وحدها الحق في فرض العدالة، فلا يمكن لأحد أن يرفض تدخلها أو أن يتحرر من سلطاتها، من أجل ذلك تضع الدولة القواعد المنظمة للقضاء وتمنحه من الضمانات والحصانات ما يكفل له القيام بهذه الوظيفة.
وإذا كان القضاء في الدولة قد أصبح حكراً عليها، إلا أن ذلك لم يمنع الخروج عن هذا الأصل ويمثل التحكيم الصورة الأساسية لهذا الخروج على اختصاص القضاء، إذ تمنح غالبية الدول للمحكم أو المحكمين وهم في الأصل ليس لهم سلطة القضاء، تمنحهم سلطة الفصل في بعض المنازعات.
وللوقوف عند موضوع التحكيم في سورية، موقع eSyria التقى المحامي "عبد الرحيم السمّان" عضو الغرفة العربية للتوفيق والتحكيم بتاريخ 14/4/2009 وذلك في مكتبه في شارع "القوتلي" وكان لنا معه الحوار التالي:
** الفكرة التي يقوم عليها التحكيم في كل التشريعات المعاصرة هي حق الأطراف في الاتفاق فيما بينهم على تجنيب دور قضاء الدولة في منازعاتهم وإخضاعها لقضاة يختارونهم بأنفسهم ويرضون طوعاً بأن يفرض عليهم ما يصدره أولئك القضاة من أحكام، فالتحكيم لا يختلف عن القضاء إلا في أن الدولة هي التي تعين القاضي وتلزم الخصوم بالتقاضي أمامه وتنفذ الأحكام التي تصدر عنه، بينما في التحكيم الخصوم هم الذين يختارون القضاة ويلزمون أنفسهم بتنفيذ ما حكم به المحكم بوازع من ضميره تحت تأثير الضغوط والعلاقات الاجتماعية لأطراف النزاع.
** التحكيم هو نظام خاص للتقاضي لكن لا يكفي إرادة الأطراف وحدها ليقضي به، بل يجب أن ينص عليه القانون ويقضي بجوازه وقابلية أحكام التحكيم للتنفيذ، وعلى ذلك فالتحكيم يرتكز على أساسين، هما إرادة الخصوم، وإقرار الدولة لهذه الإرادة.
** دوافع اللجوء إلى هذا التحكيم متعددة، فقد يلجأ الخصوم للتحكيم رغبة منهم للحصول إلى حكم سريع يفصل في النزاع القائم وإيجاد الحلول لفض المنازعات فهو يتميز بالسرعة وبأقل تكاليف، ويستخدم عادة لتحرر التحكيم من القيود والقوانين القانونية المعقدة، والتحرر من القيود التي توجد في أغلب النظم القانونية مثل الإجراءات والمواعيد في قوانين الأصول والمرافعات وعدم تجاوب القواعد الوطنية مع متطلبات المرونة والمفاهيم التي تقتضيها المعاملات في العصر الحديث، كما أن للتحكيم ميزة هامة جداً لا توجد لدى أي نظام قضائي آخر حيث يغلب على أغلب مراحله طابع الصلح وليس الخصومة، كما في القضاء العادي، وغالباً يكون حكم المحكمين مقبولاً من الطرفين لقبولهم بالمحكمين أصلاً، بسبب حرية الأطراف في اختيار محكمين وحريتهم باختيار أي قانون لتطبيقه على النزاع وحريتهم باختيار اللغة والمكان، فالتحكيم وسيلة من وسائل فض النزاعات التي تتحرر من سلطان القانون ويخضع لسلطان الإرادة وحرية الاتفاق وأخيراً فإن التحكيم قضاء متخصص لأن المحكم أو هيئة التحكيم يكونون عادة من أصحاب الاختصاص أو على اطلاع كاف به.
** يجوز أن يكون أي إنسان عادي هو محكم، وذلك إذا اجتمعت إرادة الطرفين المتحكمين على اختياره، سواء لاختصاصه أو لرجاحة عقله أو لتأثيره النفسي والمعنوي على الأطراف لوضعه الاجتماعي المميز مثلاً، أو الديني، أو أي سبب آخر يكون مقنعاً للأشخاص الراغبين بالمحتكمين.
** بعد انتظار طويل صدر قانون التحكيم رقم /4/ لعام 2009، ولكنه كان ذا أثر سلبي فبدل أن يشجع عمليات التحكيم في سورية، أدى إلى ثغرة جديدة وعميقة متعلقة بدعوى الإبطال، ودعوى الإبطال غير موجودة في أي قانون تحكيمي دولي خارج سورية، وهذا ما أدى إلى تراجع التحكيم داخل القطر العربي السوري لصالح التحكيم في الدول المجاورة.
** هنا تكمن الازدواجية، فسورية موقعة على اتفاقية نيويورك التي تنص على قبول الدول الموقع عليها بتطبيق أحكام التحكيم الصادرة ضمن الدول الموقعة لهذا الاتفاق، هذا يعني أنه لتجاوز فلتر الإبطال من مصلحة الطرفين المحتكمين اللجوء للتحكيم خارج سورية، وإلزام تطبيقه في سورية من خلال هذه الاتفاقية، مما أضعف عمل المراكز التحكيمية داخل سورية هذا إن وجدت، مقابل مثيلاتها في الدول المجاورة، علماً أن القانون السابق للتحكيم لم يكن توجد فيه هذه العقبة.
* ما الحل برأيك؟
** الحل هو في إصدار قواعد تضبط عمل المراكز التحكيمية وتحدد مسؤوليتها أمام القضاء السوري، مع إلغاء هذه العقبة المتعلقة بدعوى الإبطال، هذا من شأنه تعزيز مسؤولية مراكز التحكيم وإعادة الأمور إلى نصابها.
** هناك العديد من أنواع التحكيم، عموماً هو يطبق في الكثير من الأمور، هناك تحكيم شرعي، وهناك تحكيم مدني تجاري أو دولي بالعموم، إلا أنه لا يجوز التحكيم في القضايا الجزائية، خاصة عند وجود حق عام، هذه القضايا تكون من اختصاص القضاء المختص.
من الجدير بالذكر أن المحامي "عبد الرحيم السمان" قام باتباع العديد من الدورات التحكيمية في العديد من الدول العربية وهو عضو الغرفة العربية للتوفيق والتحكيم وعضو مركز دبي للتحكيم الدولي.
