«تتيح "الرقة" لزائرها ما لا تتيحه المدن الأخرى، إذ تمكّنه من الانتقال خلال دقائق معدودات من جفاف البادية إلى رطوبة النهر، حيث المياه الدافقة والأشجار الباسقة، وتلك ميزة قلّ نظيرها.
كما تتميّز "الرقة" بثراء مكوناتها السياحية، وتعدد مواقع الجذب فيها، فحيثما تنقّلت في أرجاء المحافظة الواسعة، تطالعك عوالم السياحة المنتظرة، وأقطابها المتعددة، وقد وضعت الحكومة مؤخراً خطة طموحة للارتقاء بالواقع السياحي السوري، وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، عبر تطوير بناه التحتية، وتنويع المنتج السياحي وتسويقه خارجياً، وتشجيع الاستثمارات المحلية والعربية والخارجية في قطاع السياحة، فماذا تحقق حتى الآن؟! وكم يلزمنا من الوقت حتى تحدد السياحة ملامح الاقتصاد السوري في المرحلة المقبلة؟، وما نصيب "الرقة" من جملة الإجراءات التي اتخذت في هذا المجال؟».
رغم ما ذكرنا من إمكانات تؤهل المحافظة لتكون مقصداً للسياح والمصطافين من شتى بقاع المعمورة، ما زالت السياحة دون المستوى المطلوب والمأمول، ولعل السبب يعود إلى إحجام المستثمرين عن الاستثمار السياحي في المحافظة، وضعف تسويق المنتج السياحي المحلي، وقلة الاهتمام بالمواقع الأثرية، وعدم الاكتراث بتحسين واقع المدينة الخدمي، ومعظم المشاريع السياحية الكبرى تتركز في الساحل السوري ومحافظات "دمشق" و"حلب" و"حمص"
ذكر هذا لموقع eRaqqa بتاريخ (28/2/2009) الدكتور "فيصل مصطفى الحسن"، مدير السياحة في "الرقة"، أثناء حديثه عن الواقع السياحي الحالي في المحافظة، والإمكانات السياحية الكبيرة التي تؤهلها لتحتل مكانها في عالم السياحة السورية.
وعن واقع السياحة الحالي في المحافظة، وآفاقها المستقبلية، وإمكاناتها المتوفرة، وسبل تطويرها، ومكامن القوة والضعف فيها، وتنوعها وغناها بمختلف نقاط الجذب السياحية، الأثرية والطبيعية والبيئية، يحدّثنا مدير السياحة قائلاً: «تمتاز "الرقة" بنسيج معماري عباسي فريد، جعلها بحق المدينة العربية الأكثر استحواذاً على ملامح فن المعمار العباسي، بعد مدينة "بغداد".
وتتمثّل هذه الملامح في سور "الرقة" الأثري وباب "بغداد" و"الجامع العتيق" و"قصر البنات" وقلعة "جعبر" ومدينة "الرصافة"، إضافة إلى العديد من التلال الأثرية والكهوف والمغاور التي تزخر بها المحافظة ككهوف "بغديك" و"الكاطر" وكهوف نهر "الفرات" التي تؤهلها لتصبح موئلاً للسياحة التاريخية والأثرية.
وتشتهر "الرقة" بغناها الطبيعي باحتضانها نهر "الفرات" وبحيرة "الأسد" والجزر الفراتية، وتتنوع بادية المحافظة بمساحتها الشاسعة التي تضم العديد من الأودية والشعاب والمسيلات المائية التي تكثر فيها شجيرات البادية وتجري فيها المياه في سنوات الخير والعطاء لتشكل واحات خضراء وسط الجفاف القاحل.
وقد أضاف إشادة مقام الصحابي الجليل "عمار بن ياسر" في مدينة "الرقة" معلماً هاماً من معالم السياحة الدينية في المحافظة باستقطابه السياح والحجاج من مختلف دول العالم».
ويضيف قائلاً: «رغم ما ذكرنا من إمكانات تؤهل المحافظة لتكون مقصداً للسياح والمصطافين من شتى بقاع المعمورة، ما زالت السياحة دون المستوى المطلوب والمأمول، ولعل السبب يعود إلى إحجام المستثمرين عن الاستثمار السياحي في المحافظة، وضعف تسويق المنتج السياحي المحلي، وقلة الاهتمام بالمواقع الأثرية، وعدم الاكتراث بتحسين واقع المدينة الخدمي، ومعظم المشاريع السياحية الكبرى تتركز في الساحل السوري ومحافظات "دمشق" و"حلب" و"حمص"».
تعتبر محافظة "الرقة" باكتنازها بالأوابد والتلال الأثرية، سفراً مفتوحاً للتاريخ، من مملكة "توتول" إلى العصور الإسلامية الحديثة التي تركت آثارها على أرض هذه المدينة لتشهد على عظمة الحضارات التي مرت عليها، وعن ذلك يحدثنا "الحسن" بقوله: «لعل المعمار العباسي والأموي هما الأكثر حضوراً في المشهد التاريخي بـ"الرقة"، وأمام هذه المعطيات والوقائع، سعينا لاستثمار هذه الإمكانات وتوظيفها سياحياً، فمجرد وجود هذه الأوابد لن يحول المحافظة إلى قبلة للسياح والمصطافين.
ومن بين الطروحات التي تبنتها اللجنة السياحية الفرعية في المحافظة، إعادة تأهيل موقعي "الرصافة" و"جعبر" واستثمارهما سياحياً عبر إنارة وتشجير الطرق المؤدية إليهما وتخديم الموقعين بما يناسب تاريخهما العريق، وتم تشكيل لجنة من مديرية الخدمات الفنية في "الرقة" لدراسة الموقعين، وأعدت الدراسات اللازمة لإقامة مبنى استعلام سياحي في "الرصافة" ومخفر للشرطة السياحية ومقاعد وطاولات ومظلات حجرية في محيط المدينة إضافة إلى منشآت أخرى لتقديم الخدمات الصحية والترفيهية، وفي "جعبر" تم الانتهاء من مشروع بناء مركز الاستعلام السياحي، وبوابة للمشاة ومواقف للسيارات ومقاعد حجرية مطلة على البحيرة».
ليس غريباً أن تحتل السياحية الشعبية حيزاً كبيراً من دائرة اهتمام السياح والجهات المعنية بالسياحة في معظم بلدان العالم المتقدم، فهذا النوع من السياحة بأدواته البسيطة هو المرآة التي يرى من خلالها المجتمع واقعه الاجتماعي في التاريخ القريب الذي ما زال ماثلاً في الأذهان، ويقول مدير السياحة: «اقترحت اللجنة السياحية تحويل المحلق الداخلي لسور "الرقة" الأثري إلى سوق تراثي للمهن اليدوية والشرقيات، وقد اصطدم هذا الاقتراح مع رؤية مجلس المدينة، وأصحاب المحال الصناعية في المنطقة، والتي ترى عدم جدوى المشروع الاقتصادية، فوجود المحال الصناعية في محلق السور الداخلي والكورنيش الواصل بين دواري "تل أبيض" و"البتاني" يسيء إلى المنظر العام لأحد أهم معالم "الرقة" الأثرية.
ويتضمن المشروع تغيير الطراز المعماري للمحال التجارية، ووضع واجهات قرميدية، ورصف المحلق بالأحجار، وتجهيز موقف للسيارات على رصيف باب "بغداد"، وإعادة إحياء البوابات الموجودة في السور، وأن تقتصر الصفة التجارية لهذه المحال على المهن اليدوية والكافتيريات والخانات والحمامات والموتيلات، وسيسهم المشروع حال نجاحه في إعادة التوازن السكاني بين شرق المدينة وغربها، وتوفير مئات من فرص العمل، إضافة إلى دوره في تنشيط وتفعيل السياحة وزيادة الاهتمام بالسور».
وحول المواقع الطبيعية والبيئية التي تمتاز بها المحافظة، وإمكانية استغلالها سياحياً يقول مدير السياحة: «نحن نطالب بالاستغلال الأدنى للموارد والإمكانات المتاحة، فمحافظة "الرقة" تمتاز بنقاط جذب سياحية كثيرة، وتشتهر بتوفر إمكاناتها الطبيعية وغناها، ففي أراضيها يجري نهر "الفرات"، ويعمّر سهولها، وهي تحتضن بحيرة "الأسد" إحدى أنقى البحيرات في العالم.
وتتوزع على طول مجرى النهر من البحيرة وحتى دخوله للحدود الإدارية لمحافظة "دير الزور" أكثر من /19/ حويجة نهرية أشهرها جزيرة "عايد"، أو كما يطلق عليها محمية "الثورة البيئية"، وهي تواجهك بجمالها الآسر التي رسمتها يد الطبيعة بأشجارها وأزهارها وتنوع حيواناتها وأطيارها، ولم تعِ الجهات المعنية الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الجزر في السياحة، إذا ما استغلت الاستغلال الأمثل، عبر حمايتها من التعديات، وإقامة المنشآت السياحية والمقاهي والفنادق والمطاعم الشعبية على ضفتي النهر والبحيرة، والاهتمام بالشواطئ الرملية، وتنظيم سباقات الزوارق النهرية والرحلات الترفيهية بين الجزر على غرار رحلة من "توتول" إلى "ماري" التي تحاول إحياء هذا الممر المائي القديم، وزيادة الاهتمام بالنهر وبجزره الجميلة وحمايتها».
وعن السياحة البيئية أو الصحراوية في بادية المحافظة يضيف قائلاً: «تتنوع بادية محافظة "الرقة"، بمساحاتها الشاسعة، ومناخها المعتدل، وتتميّز بكثرة أوديتها وشعابها، والتي تجري المياه في بعضها طيلة أيام الشتاء والربيع لتتحول إلى غابات حقيقية من نباتات البادية وشجيراتها، فبادية "الرقة" بحاجة ماسة إلى إعادة الحياة إليها ومساهمتها في السياحية البيئية والصحراوية، من خلال إقامة محميات بيئية في أوديتها الرئيسية كواديي "الخرار" و"النهر"، وحمايتها من الرعي والاحتطاب الجائر، وإقامة السدات المائية والحفر التجميعية، وحفر الآبار الارتوازية، وتسوية وتعبيد طرقها، وتنظيم سباقات الخيل والهجن واعتمادها كتقليد سنوي، وإعادة إحياء طريق الحرير التجاري الذي كان يمر بالمنطقة».
ما زال الاستثمار السياحي في محافظة "الرقة" محدوداً، لا يتعدى بضع استثمارات خجولة، والفنادق المجهزة لاستقبال الوفود السياحية لا تتعدى ثلاثة فنادق من الدرجة الثالثة طاقتها الاستيعابية نحو /160/ سريراً.
ويحدثنا "الحسن" بقوله: «نحن لا نطلب من كل المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال في المحافظة أن يضعوا بيضهم في سلة الاستثمار السياحي، ولكننا نعول على الجدوى الاقتصادية للمشاريع والمنشآت السياحية، ومساهمتها في الارتقاء بواقع السياحة، والسؤال هنا، هل ننتظر قدوم السائح ثم نشجع المستثمر على جدوى الاستثمار في عالمي الفندقة والسياحة؟ أم نوفر للسائح المسكن المأمول والمأمون ثم نطلب إليه المجيء؟ فإقناع السائح بالقدوم إلينا وتكرار الزيارة تتطلب أولاً أن نوفر له الراحة المضمونة والمسكن الآمن طيلة مدة الإقامة.
الطاقة الاستيعابية لفنادق "الرقة" سترتفع لتصل إلى نحو /600/ سرير، بعد وضع الفنادق المباشر بها حالياً في الخدمة، وقد قام مجلس مدينة "الرقة" مؤخراً بتثمير فندق الكرنك السياحي بعد توقف دام قرابة أربع سنوات، وقام المستثمر بإعادة ترميم الفندق وتأهيله بحيث يصبح قادراً على استقطاب الوفود السياحية.
وقد عرضنا في ملتقيات وأسواق الاستثمار السياحي العديد من المشاريع السياحية، في عدد من المواقع، ومنها مشروع منتجع سياحي فئة أربع نجوم في منطقة "ما بين الجسرين" على مساحة /25/ ألف م2، ومشروع قرية سياحية متكاملة على ضفاف بحيرة "الأسد" بالقرب من قلعة "جعبر" مساحتها /2685/ دونماًَ تضم فنادق وفيلات ومطاعم وملاعب رياضية وحدائق عامة وأسواق وأبنية خدمة، وطاقة فنادقها الاستيعابية /5000/ سرير تنفذ على مراحل والمرحلة الأولى منها /1000/ سرير، إلا أن هذه المشاريع لم تلقَ رواجاً في أسواق الاستثمار السياحي».
لا يمكن الحديث عن سوق جاذبة للاستثمار السياحي في ظل توفر مقوماتها فقط، ولا يمكن التنبؤ بازدياد أعداد السياح الوافدين إلى المحافظة بامتلاكها لنقاط الجذب السياحية وتنوعها الجغرافي والتاريخي، ويحدثنا مدير سياحة "الرقة" قائلاً: «لعل من أهم السبل الواجب إتباعها لتفعيل واقع السياحة في المحافظة، تسهيل منح قروض المنشآت السياحية ومتابعة مدى التزام المقترض بالتنفيذ، وزيادة الاهتمام بالمواقع الأثرية وإعادة ترميمها وتخديمها سياحياً وتعبيد الطرق المؤدية إليها، وتطوير البنى التحتية للسياحة.
وتنشيط السياحة البينية والخارجية من خلال رفع القدرة التنافسية للمنتج السياحي المحلي وتسويقه خارجياً عبر مختلف الأقنية الإعلامية، وخلق سوق جاذبة للاستثمار السياحي، وتفعيل دور المكاتب السياحية في الترويج والتسويق والإعلان وإصدار البروشورات التي تعرف بالمواقع السياحية في المحافظة.
وتأهيل وتدريب الكوادر من خريجي المعاهد الفندقية والاستفادة من خبراتهم في إدارة المنشآت السياحية، وامتلاك الثقافة السياحية والاستفادة من خبرات دول الجوار في مجال صناعة السياحة، وتحسين واقع المدينة الخدمي، والاهتمام بمداخلها، وزيادة العناية بالحدائق العامة ومناطق الاصطياف والاستجمام، وإحياء المهرجانات التي تعرف بالمواقع الأثرية، وتزامن ذلك مع بداية مشاريع إعادة الترميم والتأهيل، وزيادة الاهتمام بالمواقع الطبيعية والبيئية، وإقامة متحف للتقاليد الشعبية ومتحف لآثار "الرقة"، وعندها يمكن أن تتحول السياحة إلى صناعة حقيقية، وركيزة من أهم الركائز الداعمة لاقتصادنا الوطني».
