استوقفني المثل الشعبي الذي يردده أهل "الرقة"، "يركض والعشا خباز"، فأخذت مفردة "الخباز"، وتركت الراكض يستمر في ركضه، ربما يحصل على عشاء آخر، لأن نبتة "الخُباز" لم تعد ملائمة لهذا المثل ولم تعد سهلة المنال.. بلا ثمن.. كما كانت في أزمنة غابرة.

المعنى اللغوي للخُبـّـاز: خُبّـاز، خُبـّازة، خُبّـازى، خُبيزْ، اسمها اللاتيني هو: (malva Silvestres) حسب "القاموس العصري"، إنكليزي عربي، وهو من الفصيلة الخبازية، فمنه الأصناف البرية والمزروعة.

أما الصنف البري، فقد كان ينسج البراري والوديان والتلال ببساط أخضر وتتبرعم في وسط كل نبتة أزهار ليلكية اللون، فتغري الإنسان والطير والحيوان بالتمرغ على مروجها، والأكل منها كل على طريقته.

نبات الخباز

وكان أهالي "الرقة" قديماً يطلقون على نبتة "الخُبّـاز" (فرشة)، كون النبتة تفترش الأرض بسيقانها وأوراقها، بينما تبرز زهورها في الوسط مشرئبة نحو السماء.

أما الصنف المزروع، فقد يبلغ ارتفاع النبتة فيه من /30 ـ70/ سم، بأوراق مجنحة ومسننة، وساق طويلة مكسوة بشعيرات دقيقة وكذلك الساق.

لقطة أخرى لنبات الخباز

فائدة "الُخُباز": اكتشفت فوائد "الخُباز" منذ عهد الفراعنة من الناحيتين الغذائية والطبية، أمّا في أوروبا، فقد استخدم كدواء وطعام منذ زمن الرومان واليونان. ويوصف علميّـاً كحالة علاج للأمراض التالية: التهابات البلعوم والفم، السعال الجاف، وهو مدر للبول، ومهدئ للسعال الجاف، أما الجذور، فتحتوي على الصمغ المفيد، ويستخلص منها شراب مغلي يفيد في إدرار البول، وتسكين الألم في المسالك البولية، كما تستخدم لعلاج الصدر والأنفلونزا، وتساعد في انخفاض ضغط الدم، وأما فائدته من الخارج، فإنه يفيد في التهاب الجفن والرمد والدمامل ولسعات الحشرات والبواسير، ويصنع منه كمادات لآلام الرُكب والمفاصل.

ونبتة "الخباز" التي دخلت الأمثال، هي النبتة البرية حيث كانت طعاماً للفقراء. وكانت الصبايا وخاصة في الأرياف، يشكلن فريقاً وقد يصل العدد إلى أكثر من عشرة. يذهبن مع بزوغ الشمس، وينتشرن كل واحدة على بقعة منسوجة بـ"الخباز"، وبعد الانتهاء، يجلسن على مائدة الحوار يتناقشن بأحاديث لا يستطعن البوح بها أمام الأهل، ثم تضع كل منهن نتاجها في كيس تكوره على ظهرها (إذ تضع ما جنته من "الخباز" في كيس، ثم تعقد طرفي زبونها، وتثبت العقدة على رأسها بعد وضع الكيس في داخلها، وهذا ما يعرف بالكارة)، وهي عملية تجعل الأيدي حرة، مما يسهل حركة المشي، ويبدو مشهدهن حين يرجعن بظهور بارزة من الخلف، كسرب مظلـّيين.

وقد دونت الكارة في الشعر الشعبي الفراتي مثال:

سفـــان خذنــي لخالتي/ أعطيك أجرة كارتـي

أما أنا فقد توّجتها بهذه الأبيات:

يا بنية امشي بهَـدا/ كوّري زبونجْ زيــنْ

تسوينْ ُكل ِمنْ سكن/ بين الحشا والعيــنْ

أما في الوقت الحالي، فقد أصبح "الخُباز" يباع في الأسواق بصنفيه البري والمزروع، وسعر الكيلو غرام أصبح موازياً لأسعار البطاطا وأحياناً أكثر. وباعتبار أغلب أهالي "الرقة" تمتد أصولهم إلى الريف، فقد كان "الخباز" يأتيهم هدايا سواء من أقاربهم أو أصدقائهم بكميات كبيرة، فتقوم ربة البيت بطهيها، ثم توزع على الجيران ويطلق عليها أهل "الرقة" (طـُعمة)، كما يعرف "الخبُــاز" باسم "السلاك"، وتلفظ الكاف هنا جيماً مصرية.

طريقة طبخ "الخُبّاز": ينظف من الأعشاب والأتربة، ويغسل جيداً، ثم يسلق بالماء، ويصفّى، ويقلـّى البصل بالسمن أو بالزيت، وبعد أن يتحول إلى اللون الأشقر, يضاف "الخباز" المسلوق عليه، بعد إضافة القليل من الفليفلة والبهار, ويقلـّب مع البصل جيداً، ويترك على نار ٍهادئة دقائق ويغطى، ثم يرفع عن النار، ويترك فترة قصيرة ليأخذ البخار دوره في عملية النضج، ويحبذ أكله بارداً.

والطريقة المثلى لطبخه، وهي التي استنتجتها وفق خبرتي العلمية والمطبخية، فتتم على الشكل التالي: تقطف أوراق ("الخباز" المزروع)، وتغسل جيداً, ثم يقلـّى البصل، ويضاف إليه مع إضافة كوب من الماء أو كوبين وذلك حسب كمية "الخباز"، يغطى ويترك على نار هادئة، ويقلــّب حتى يجف الماء عنه، وهذه الطريقة تحافظ على جميع الفوائد الموجودة في النبتة، أما عملية السلق فإنها تتلف جميع الفوائد المرجوة منه، ولا يبقى من "الخباز" سوى لونه واسمه.

وأهالي "الرقة" يفضلون "الخباز" البري عن المزروع، لأنه لا يخضع لعالم الهرمونات، ولا الأسمدة الكيماوية، وهي مسألة ذوقية، ويؤازرهم بالرأي أهل العلم بتحذيرات، لتجنب أي طعام تدس فيه التكنولوجيا أصابعها، بحجة تحسين النوع والسرعة في إنتاجه.

وأجمل تعليق على مادة "الخباز" شهدته، حين جاء بائع متجول واجتمعت نساء الحي حول عربته المحملة بـ"الخباز" و"البابونج"، وبدأن بطرح أسئلتهن عن سعره، وعن نوعه، واقتربت مني إحدى النساء المسنـّات هازئة: "الخباز" أصبح ينباع بالمصاري؟

أجبتها نعم.. ويقول البائع أن سعر الكيلو ثلاثون ليرة سورية.

قالت بحزن وهي تهز رأسها: هذه إحدى علامات الساعة!

* المصادر:

ـ طقوس "الرقة" الاجتماعية بين الماضي والحاضر، تأليف "فوزية المرعي"، قيد الطبع.