«ربع قرن من الزمان تقريباً مضت على تشغيل مشروع "بير الهشم"، فقد تم استلامه في عام /1985/، وبعد تشغيله من قبل مؤسسة استصلاح الأراضي مدة أربع سنوات، قامت بتسليمه إلى المؤسسة العامة لاستثمار وتنمية حوض الفرات، وقد لوحظ وجود أخطاء تصميمية في المشروع وكانت مؤسسة الاستصلاح ملزمة بمعالجة الأخطاء التصميمية والأعطال اللاحقة.
وفعلاً قامت بمعالجة جزئية بإصلاح مفيضين الأول في بداية قناة الرفع العالي في مزرعة "العدنانية"، والثانية عند محطة "جروة"، وبعدها انتقل المشروع إلى عهدة مؤسسة استثمار وتنمية حوض الفرات».
إن أغلب الطرق الزراعية المحاذية للأقنية وضعها سيء، الأمر الذي يجعل من الأخوة الفلاحين في بعض مناطق المشروع من استخدام أكتاف الأقنية كطرق، ويمكن معالجة هذه الظاهرة بتأهيل الطرق الموازية للأقنية
هذا ما قاله لموقع eRaqqa المهندس "نضال مجر" بتاريخ (2/1/2009)، وهو يحدثنا عن هذا المشروع الحيوي، وبما أن عمل المشروع مستمر بدأت أعطاله تكثر، والعشرة آلاف هكتار من الأراضي المستصلحة بدأ يميل لونها إلى البياض، بفعل التملح، والباقي منها مهدد بالتسبخ والتملح، وبالتالي خروجها من دائرة الاستثمار، وهي مساحة ليست قليلة، صرفت عليها الدولة ملايين الليرات.
وبما أن المشكلة ليست جديدة، وهي بدأت مع المراحل الأولى لاستلام المشروع، فلماذا لم تقم مؤسسة استصلاح الأراضي بإعادة تأهيل المفيضات؟ علماً بأن المؤسسة التي تدير المشروع قامت بمراسلتها منذ عام /1996/، ولم يتم اتخاذ أي إجراء حيال الأعطال التي بدأت تتفاقم منذ استلام المشروع، وإلى حينه، والآن ونحن ندخل عاماً جديداً سيكون مفتتحه دمج مؤسسة استثمار وتنمية حوض الفرات مع المؤسسة العامة لاستصلاح الأراضي، وستكون مسؤولية المشروع مباشرة من قبل المؤسسة التي تضمهما معاً، علماً أننا قمنا بالاتصال بمدير عام المؤسسة العامة لاستصلاح الأراضي، قبل أيام معدودة من الدمج، ونفى أي مسؤولية تجاه المشروع!!
أراضٍ زراعية في طريقها إلى التملح..
وللوقوف على حال مشروع "بير الهشم"، استطعنا التواصل مع مديره الأسبق المهندس "محمد المفتاح"، فنقل إلينا هواجسه حوله، والأخطار التي تحيق به، موضحاً حالات الهدر بكميات المياه المتسربة إلى المصارف الزراعية، والمحروقات التي تشغل المضخات، ناهيك عن التحول السريع للتربة التي تشهد نسبة تملح عالية، تهدد مساحته بالكامل إن لم نتجاوز الأخطاء، وأن نتحول إلى إتباع أساليب الري الحديث..! فماذا أعددنا لهذا المشروع الحيوي؟
يقول المهندس المفتاح: «تبلغ مساحة مشروع بير الهشم بحدود /10.000/ هكتار، يروى بالضخ على ثلاثة مستويات، القناة المغذية له هي قناة "السلحبية" العليا التي تروي بالإضافة له مزرعتي "العدنانية" و"الأسدية" بالراحة.
التدفق التصميمي لمحطة ضخ "بير الهشم" الرئيسية بحدود /13.7/ م3/ثانية في حال عملت ثلاث مجموعة في وقت الذروة، ووقت الذروة عادة هو التداخل بين موسمي القمح والقطن في شهر نيسان وموسمي القطن والذرة الصفراء في شهري تموز وآب، وفي ما عدا ذلك فإنّه تكفي للري مجموعة واحدة أو مجموعتان».
ويتابع "المفتاح"، قائلاً: «عندما قمنا بأعمال الاستلام النهائي للمشروع في العام /1985/م، واجهتنا مشاكل عديدة، منها:
1 - ارتفاع نسبة الجبس في أرض المشروع إلى حدّ غير معقول، فقد وصلت في بعض المواقع إلى نسبة /90%/، وهذا يؤدي بدوره إلى ضياعات كبيرة في مياه الري، وهدر للطاقة الكهربائية (حيث الري بالضخ لا بالراحة)، وهبوط أقنية الري، والمنشآت المائية المقامة عليها مثل: السيفونات والمفيضات والسقوطات الشلالية والأعمال الصناعية وعلب التوزيع والمنظمات.
2 - المراوي الحقلية كانت ترابية، وهذا النوع من المراوي غير مناسب للأراضي الجبسية، حيث تتسرب مياه الري بشكل كبير.
3 - سوء تصميم المفيضات والسقوطات الشلالية، الذي يؤدي بدوره لهدر كبير في مياه الري.
4 - تدفق محطة الضخ الرئيسية أكبر من التدفق التصميمي، الأمر الذي يؤدي إلى هدر مياه لا حاجة للمشروع لها، وعدم أخذ مزرعتي "العدنانية" و"الأسدية" لحاجتهما من مياه الري، كون المشروع والمزرعتان تقع جميعها على قناة واحدة (قناة "السلحبية" العليا).
5 - سوء تصنيع محطة ضخ "جروه"، حيث حصل فيها ما يسمى هندسياً بالتكهف (Cavitation)، الأمر الذي يؤدي إلى ضخّها لمياه ري أقّل من تدفقها التصميمي؛ فيحصل الهدر قبل المحطة وشحّ المياه بعدها. وبناءً على ذلك فإن مؤسستنا لم تقم بالاستلام النهائي للمشروع إلاّ بعد تلافي العديد من الأخطاء والتزام المؤسسة العامة لاستصلاح الأراضي خطياً بالمسؤولية عن معالجة أيّ عيوب تصميمية أو تنفيذية تطرأ على المشروع».
هبوط في المفيضات وأقنية الري الرئيسية..
وينهي "المفتاح" حديثه مبيناً حال المشروع في هذه الأيام، قائلاً: «ما نراه اليوم من هبوط في المفيضات وأقنية الري والأعمال الصناعية هو نتيجة لذلك الواقع الخطأ الذي اُستصلح بموجبه المشروع، ويمكن لزائر المشروع أن يتأكد بنفسه حجم الهدر في مياه الري جرّاء ذلك، وأبسط مثال نضربه هو عمل المفيض عند محطة الضخ الخامسة على قناة الرفع العالي في جمعية "الجلاء"، حيث يعمل المفيض عند تشغيل ثلاث مجموعات ضخ دون أن يرأف بحاله أحد!! والمشكلة في هدر مياه الري بمشروع "بير الهشم" هي مضاعفة، فمن جهة هي هدر لمياه نحن في أمسّ الحاجة لها، ومن جهة أخرى هدر في الطاقة الكهربائية المصروفة في محطات الضخ».
إجابات غير مقنعة لمشاكل تكبر ككرة الثلج..
وبدورنا قمنا بنقل هواجسنا حول المشروع وارتفاع نسبة الملوحة في أراضيه إلى إدارة المشروع، فأجاب عليها المهندس "هلال الصالح" المدير الحالي لمشروع "بير الهشم"، قائلاً: «إن طبيعة الأرض الجبسية، وخصوصاً التحتية، وعلى أعماق مختلفة تؤدي إلى تخزين مياه الري، وعلى كامل مساحة المشروع ظهرت بوادر التملح منذ البداية، حيث لم يتم حينه التقيد بالمقننات المائية اللازمة، وطريقة الري بالغمر الجائر من قبل الأخوة الفلاحين، بالإضافة للمياه المتسربة، نتيجة الكسور والهبوطات في الأقنية الرئيسية والمجمعة والثانوية، والتي تحدث بسبب توضع هذه الأقنية على مسارات جبسية، أدى ذلك إلى ارتفاع منسوب المياه الجوفية في بعض الحقول، وتلتها حقول أخرى، وبدأت ظاهرة التملح».
ويضيف "الصالح": «اتخذت إجراءات لمعالجة التملح بتعميق المصارف الرئيسية والمجمعة، ووضعت الدراسة اللازمة لتأمين صرف جوفي مغطى، تم تنفيذ صرف جوفي مغطى لمساحة بحدود /1300/ هكتار، وهناك مشروع لاستكمال الصرف المغطى لكامل المشروع لمعالجة الملوحة».
ويطرح "الصالح" عدَّة مقترحات لمعالجة ظاهرة التملح هي: «الإسراع في تنفيذ شبكة الصرف المغطى، وضرورة إتباع أساليب الري الحديث من قبل الأخوة الفلاحين، والإسراع بإعادة تأهيل شبكة الري، حيث بادرت المؤسسة العامة لاستثمار وتنمية "حوض الفرات" باستبدال ما يقارب /35/ كيلو متر طولي، ضمن خطة تأهيل المراوي، وتستكمل حالياً من قبل الشركة العامة للمشاريع المائية».
وعن الهبوط في المفيضات، والاستخدام الجائر لأكتاف الأقنية كطرق للآليات، يقول "الصالح": «إن عمل المفيضات يتم بشكل ذاتي بطريقة الخلخلة (سيفون مضغوط) عند ارتفاع منسوب المياه في الأقنية على المنسوب التصميمي لحماية تلك الأقنية من الانهيارات، وهي تعاني من هبوطات في مناسيبها التصميمية، وذلك يؤدي إلى عملها دون تحقيق المنسوب التصميمي في الأقنية، وتم اتخاذ خطوات إجرائية لمنعها من العمل عند منسوب المياه التصميمي للأقنية، بحيث لا تتجاوز نسبة الهدر /3%/ على المفيضات التي تعمل، وقسم منها لا يوجد فيها هدر نهائياً، وهناك مراسلات مع المؤسسة العامة لاستصلاح الأراضي لتلزيمها لإحدى جهات القطاع العام».
أكتاف الأقنية طرق للآليات دون حسيب ولا رقيب..
أما ما يخص استخدام أكتاف الأقنية الرئيسية والمجمعة كطرق للآليات، يقول: «إن أغلب الطرق الزراعية المحاذية للأقنية وضعها سيء، الأمر الذي يجعل من الأخوة الفلاحين في بعض مناطق المشروع من استخدام أكتاف الأقنية كطرق، ويمكن معالجة هذه الظاهرة بتأهيل الطرق الموازية للأقنية».
كلمة أخيرة..
ما أفادتنا به إدارة مشروع "بير الهشم"، يؤكد بأن المشكلة صغيرة جداً، وهي في طريقها إلى الحل، لكن الواقع والمشاهدة العينية تؤكد أن المشكلة كبيرة جداً، فكيف تنبّه إدارة المشروع منذ أكثر من ثمانية أشهر عن هبوط في مفيض المحطة الخامسة في محطة "الجلاء"، ولا يحرك أحداً أي شيء تجاه الخطر المحدق بالمشروع، وأمام نسبة الهدر الكبيرة في المياه، والتي شوهدت أكثر من مرَّة على أرض الواقع؟ ونحن بأمس الحاجة للمياه أمام مشكلة انحباس الأمطار التي تواجهنا، وظاهرة العجز المائي التي تهدد القطر بمجمله حالياً، ثم ألم تكن /24/ سنة كافية لتلافي أخطاء المشروع، ومعالجة ظاهرة التملح؟ هي أسئلة تراودنا علّنا نجد إجابة شافية وحلول ناجعة من المؤسسة الجديدة بعد دمج الاستثمار والتنمية مع المؤسسة العامة لاستصلاح الأراضي، فهل ستعالج مشاكل مشروع "بير الهشم"؟ نأمل ذلك، ونتمناه سريعاً وعاجلاً ومن أولويات عمل المؤسسة الجديدة..!
