بالرغم من الإجراءات الكثيرة التي اتخذتها الحكومة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي لاحتواء الأزمة المالية، والتخفيف من آثارها على الاقتصاد العالمي إلا أنها لا تزال ظلالها الكاراثية تخيم على الأسواق في مختلف دول العالم، وتسفر عن خسائر كبيرة في بورصاته، وخلال الأيام الماضية سيطرت حالة من الخوف والذعر على أسواق المال بعد أن خسرت الأسهم في بورصات العالم نحو 2.7 /تريليون جنيه إسترليني من قيمتها، وللتعرف أكثر على تفاصيل ونتائج الأزمة ومدى تأثر الاقتصاد السوري بالأزمة المالية الحالية eDair-alzor التقى المستشار المالي الدولي الدكتور "قحطان السلوم" بتاريخ 22/11/2008.‏

*هل سبب الأزمة المالية العالمية الحالية هو الرهن العقاري؟‏

النتائج وخيمة برأيي، وسنعيش آثار هذه الأزمة لفترة من الزمن، حيث ستتغير قوانين إدارة المخاطر في البنوك، ولن يكون هناك اقتصاد حرّ بعد الآن وكما ذكرت سابقاً أن نترقب انهيار النظام المالي الأمريكي أي النظام الرأسمالي وهذا من نراه حاليا. وستكون هناك صعوبة في الاقتراض، وستكون هناك شروط قد لا تتمكن الشركات الصغيرة من تحقيقها، سيتباطىء النمو الاقتصادي العالمي وقد نلاحظ بطءاً في ظهور تقنيات جديدة نتيجة تعثر عمليات الإقراض والتمويل للبحث العلمي. بالإضافة إلى مرحلة الركود المؤكد برأيي

** «برأيي مشكلة الرهن العقاري ما هي إلا مفتاح الأزمة، وجذور المشكلة تتعلق بعملية تصنيع وترحيل الأموال ومشكلات مالية متعمقة في أمريكا منذ فترة، أما أزمة الرهن العقارية الحالية فقد بدأت السنة الماضية، واليوم نشاهد بعض من آثارها، فالآثار الموجعة لم تظهر بعد: انهيار المؤسسات المالية هي بداية لحالة تصحيح شديدة ومؤلمة للسوق، يتبعها بشكل حتمي حالة من تدخل الدولة لمنع الانهيار في جميع القطاعات وتوقف النمو الاقتصادي وتحقيق الركود، وسوف أشرح بالتفصيل المشكلة الحالية، وهي فقاعة العقارات الأمريكية التي وصلت أسعارها للسماء واستمرت في الصعود، الجميع يريد الاستثمار في هذه السوق، لكن أي استثمار يتطلب الشراء بسعر والبيع بسعر أعلى منه، وكيف إذا لم تجد من يشتري منك بسعرك العالي، وهنا تضطر إلى البيع بسعر أدنى مما اشتريت وهنا بالضبط تبدأ موجة انخفاض الأسعار وهذه أحد عوامل انخفاض الأسعار التي تعتمد على الطلب والعرض، هناك عوامل أخرى: كالوضع السياسي وسوق العمل وغيرها، المهم أنّ أسعار العقارات بدأت بالانخفاض، لكن قبل أن تنخفض أسعار هذه العقارات، كانت قد مُوّلت بقروض رديئة دون ضمانات كافية تدعى بالقروض العقارية الرديئة مقابل فائدة عالية غير ثابتة لتغطي على المخاطر، عندما تتقدم بطلب قرض عقاري رديء يمنحه لك البنك مقابل ملكية المنزل الذي ستبنيه، مع سعر فائدة عالٍ متغير،عند هبوط أسعار العقارات، يرفع البنك سعر الفائدة لمواجهة الأخطار المحتملة، وبذلك يرتفع قيمة القسط الذي عليك أن تسدده، ومع انخفاض سعر منزلك لن يكون قادراً على السداد لمدة طويلة، فتعلن إفلاسك، فيقوم البنك بطردك من المنزل ويعرضه للبيع عبر المزاد العلني، المشكلة أنّ حالات الإفلاس وصلت لمئات الآلاف ومع عرض مئات الآلاف من المنازل للبيع، سينخفض سعرها زيادة عمّا انخفضت عليه، وبذلك تنشأ للبنك ديون معدومة، أي لم يستطع البنك تحصيل الديون المستحقة، البنك لا يمكن أن يستمر إذا لم يكن هناك من مودعين، وعندما يعلن البنك عن ديون معدومة بالملايين أول شيء في الصباح الباكر تقوم به كزبون، هو الذهاب للبنك وسحب رصيدك منه، فنفسية الإنسان بالفطرة تفعل ذلك ولو كانت حسابات الإيداع مؤمن عليها مئات المرات، لكن عندما تكثر حالات السحب يتعرض البنك لسحب مفاجئ غير متوقع، ولا تكفي السيولة التي لديه لتغطية السحب المفاجئ، قد يقترض من البنوك الأخرى مثل "البنك المركزي"، وهنا تقرأ في الجريدة الرسمية أن البنك الذي تستثمر في أسهمه قد اقترض من "البنك المركزي"، فتشعر أنت كمستثمر بالخوف، وتبدأ حالات بيع جنونية في سوق الأسهم للتخلص من أسهم البنك، وأسهم البنك تمثل رأس ماله، وبذلك ينخفض سعر السهم، وينخفض معه رأس ماله. فيطالبه البنك المركزي برفع رأس ماله وذلك بأن يشتري أحدّ ما أسهمه التي تم بيعها، أو إصدار أسهم جديدة، أو يعلن إفلاسه، فيقوم رئيس مجلس الإدارة بجولات مكوكية إمّا للحصول على قروض وتسهيلات أو يندمج مع بنك آخر، وإذا لم يتحقق ذلك، يتم إعلان إفلاس البنك ويطلب الحماية، فيتحرك "البنك المركزي" لشراء أسهم البنك وقد يصل الشراء إلى 80 % من أسهمه وبالتالي يصبح البنك مؤسسة عامة وهذا ما يحدث الآن، أمّا إذا لم يتحرك البنك المركزي للحماية فعلى البنك السلام ويتم البدء بعمليات التصفية وتسديد مستحقات الدائنين بالترتيب، وقد تنتهي أصول البنك ولا تكفي لتغطية مستحقات الدائنين، خصوصاً الدائنين العاديين (حملة الأسهم العادية) وبالتالي، تكون خسارة محققة، وعند انهيار البنوك يصبح من العسير الحصول على قرض، وتصبح تكاليف الاقتراض ببطاقات الائتمان مرتفعة، تنخفض السيولة لدى الأفراد وينكمش الاستهلاك فتتكدس البضائع ويكون الكساد، إلا إذا تدخل المصرف المركزي (وهذا ما يحصل) ضاخاً الترليونات من الدولارات في الأسواق المالية ولصالح البنوك لتسهيل عملية الإقراض والإبقاء على وجود نشاط استهلاكي، خشية حصول هكذا كساد».

*هل هنالك أزمة ائتمان؟‏

** «نعم هنالك أزمة ائتمان حاليا في "أمريكا" بشكل خاص و"أوروبا" ودول المرتبطة بشكل عام، حيث تحدث هذه الأزمة عندما تبدأ البنوك بوقف إقراض الراغبين في أخذ قروض معينة بسبب الخوف من قدرة البنوك الأخرى أو الشركات أو الأفراد المقترضين من رد تلك الديون، وهذا يعني توقف البنوك عن أداء وظيفتها في تجميع النقد وإعادة ضخها وإقراضها لمن يريد، ويحدث هذا عند ظهور عجز في السداد لدى نسبة كبيرة من الديون السابقة، وهذا ما يحدث حاليا تماما بالإضافة لأزمة الافلاسات المتتالية للمؤسسات التي سجلت خسائر كبيرة بسبب استثمارها في قروض عالية المخاطر والتي لم يردها أصحابها».‏

*هل ستؤدي الاجتماعات والمبادرات "الأمريكية والأوروبية" إلى تغيرات سريعة في أوضاع سوق المال؟‏

** «برأيي سوف تؤدي هذه المبادرات إلى تغيرات متقلبة مؤقتة سريعة في أوضاع أسواق المال، ولكن ليس دائما أي "تذبذب مؤشرات الأسواق في الفترة المستقبلية"، وسوف تكون نسبة تذبذب المؤشرات السالبة أكثر من الموجبة، حيث تحتاج الأسواق المالية إلى فترة طويلة للاستقرار النهائي، حيث تعيش أسواق سلسلة من الانهيارات والخسائر وفقدان الثقة لافتين إلى فشل "الولايات المتحدة" في إنقاذ بنك "ليمان برذرز" خلال الفترة الماضية، كما إن بيانات القادة السياسيين لم تفلح في طمأنة الأسواق وتخفيض البنوك المركزية لأسعار الفائدة لم يقابله تخفيض مماثل لمعدلات الفائدة على التعاملات في أسواق المال، وهذا يعني أن الأزمة مازالت محتدمة وأن أسواق المال تقريبا مغلقة أمام البنوك».‏

*كما نعلم أن الأزمة المالية حدثت في الولايات المتحدة الأمريكية إلا أنه تأثرت فيها جميع دول العالم فما هو السبب؟‏

** «السبب هو التشابك العالمي المالي في الأسواق المالية، التي أصبحت مفتوحة لكل المستثمرين، فقد يكون أحد المستثمرين للبنك المُنهار في أمريكا هو مؤسسة في اليابان على سبيل المثال، وعند انخفاض سعر السهم، تخسر هذه المؤسسة نقودها، وبذلك يتأثر من يعمل في هذه المؤسسة في "اليابان" من أزمة مالية في أمريكا، ومن أشكال التشابك انتشار فروع البنوك حول العالم، فالقاعدة هي التزام الفروع بدعم الأم، قد يكون البعض محظوظ كما حدث مع بنك " HSBC" فبالرغم من خسائره الكارثية في "أوروبا"، إلا أنه عوّضَ هذه الخسائر بالفورة الاقتصادية في الخليج وآسيا، لكن ليست كلّ البنوك محظوظة مثله، قد تصل الخسائر لدرجة لا يمكن للفروع تحملها، وهنا يحدث انهيار كامل على مستوى الفروع والشركة الأم، فيغلق الفرع أبوابه، نتيجة انهيار الشركة الأم، وتتأثر جميع الشركات والأفراد المرتبطين بذلك الفرع، نتيجة أزمة لا علاقة لهم بها لا من قريب ولا من بعيد».‏

*ما هو السبب برأيك لسلسلة الانهيارات المالية في العالم حاليا؟‏

**«أمّا أهم أسباب سلسلة الانهيارات المالية، هي عمليات التوريق لضمانات القروض، فالبنك عندما يقوم بالإقراض يستحوذ على عقار أو سلعة أو ورقة مالية كضمان، يقوم البنك بعدئذ بتحويل ضمانات القروض هذه إلى أوراق مالية جديدة (سندات)، ويقوم ببيعها، ومن يشتري هذه الأوراق (يشتريها بداعي الاستثمار) يقوم بتحويل جزء منها كضمان مقابل قرض من بنك آخر، أو يستعمل هذه السندات كوسيلة لسداد ديونه، أي ديون تسدّ ديون، وديون تخلق ديون، وهكذا تستمر العملية حتى يتم موعد الاستحقاق فيعود الضمان لصاحبه وتتسلسل عمليات الاستحقاق لتغلق عملية التوريق. بالإضافة إلى ذلك، كل سند من السندات لها تقييم مالي، ومن يمتلك تقييماً سيئاً، يلجأ إلى دفع رسوم لدى شركات التأمين التي تتعهد بدفع قيمة السند في حال تخلف البنك عن سداد قيمته أو زوال الأصل الضامن ولكن ماذا لو حدث هذا مع بنكنا المنهار؟ الذي فقد ضماناته، وأصبحت ديونه معدومة؟ هذا يعني ببساطة تتضاعف الديون المعدومة لدى كل مؤسسة مالية تعاملت مع هذه الأوراق، حيث أصبحت الأوراق المالية السابقة (السندات الصادرة عن الضمان) بدون قيمة، ولنضرب الرقم بمئات الألوف، وهو رقم ضئيل مقابل العقارات (وهي الضمانات) التي انهارت وبيعت بالمزاد العلني، ستصل إلى خسائر مرعبة، إلى انهيار مالي. وهذا ما حدث حاليا. فكل مؤسسة تعاملت مع هذه الأوراق المالية المشؤومة ستطالب بحقوقها، لكنّ أيّ حقوق هذه من ضمان أصبح خواء. وبعدها ينهار البنك الأصلي المُصدر لهذه السندات، ويضيع الأصل الضامن لهذا السند (سيارة، عقار، أوراق مالية)، يأتي دور شركات التأمين التي تعهدت بالدفع تعويضاً عن خسارتك هذه، لكن ماذا لو حدث هذا على مستوى آلاف السندات؟ ستقف شركات التأمين عاجزة عن السداد وتعلن إفلاسها هي الأخرى، كما حدث مع شركة التأمين الأمريكية "AIG" لولا تدخل الحكومة، ومن أسباب الانهيارات المالية ارتباط العديد من المعاملات المالية بأسواق العقود الآجلة، والعقود المستقبلية قائمة على التوقّع، حيث تتفاعل العقود المستقبلية والأزمة المالية مع توقعات المستثمرين للمستقبل وثقتهم به، وكلما انخفضت توقعاتهم وثقتهم بالمستقبل، تراجعت المعاملات والعقود بسرعة وفقدت قيمتها وتحققت الخسائر بكل من يرتبط بهذه العقود، وطالما هناك أزمة مالية يعمّ التشاؤم وتتراجع العقود المستقبلية، وأهم مثال على ذلك، عقود النفط الآجلة وما يصيبها الآن من تراجع، فينخفض الطلب عن العرض فيهبط سعر البرميل».‏

*ماذا تتوقع في المستقبل من نتائج لهذه الأزمة المالية؟‏

**«النتائج وخيمة برأيي، وسنعيش آثار هذه الأزمة لفترة من الزمن، حيث ستتغير قوانين إدارة المخاطر في البنوك، ولن يكون هناك اقتصاد حرّ بعد الآن وكما ذكرت سابقاً أن نترقب انهيار النظام المالي الأمريكي أي النظام الرأسمالي وهذا من نراه حاليا. وستكون هناك صعوبة في الاقتراض، وستكون هناك شروط قد لا تتمكن الشركات الصغيرة من تحقيقها، سيتباطىء النمو الاقتصادي العالمي وقد نلاحظ بطءاً في ظهور تقنيات جديدة نتيجة تعثر عمليات الإقراض والتمويل للبحث العلمي. بالإضافة إلى مرحلة الركود المؤكد برأيي».

*هل تأخير انطلاق سوق الأوراق المالية السوري يعتبر ايجابياً أم سلبياً خصوصاً بعد تلك الأزمة؟‏

**«كان هنالك نقاشات عديدة حول أهمية وضرورة إصدار قانون سوق الأوراق المالية في سورية قبل إحداث هيئة للأوراق المالية، إلا أن مشروع الحكومة أصر على أن يكون للسوق هيئة تراقب العمل، قبل صدور القانون واقتنع معظم المراقبين بفكرة الحكومة كي لا يكون هناك فوضى أو وجود سلبيات قد تنجم عن عمل السوق المالي قبل وجود الهيئة، فلقد تم إحداث هيئة الأوراق المالية السورية بموجب مرسوم عام/ 2005/ وباشرت أعمالها على أتم وجه ثم إحداث "سوق دمشق لأوراق المالية" إلا أنه حتى الآن لم يتم العمل فيها لأسباب تقنية لشاشة التداول حسب معلوماتي، وهذا يدعوني للقول "رب ضارة نافعة" حيث إن تأخر عمل سوق "دمشق" للأوراق المالية وقاها من أضرار الأزمة المالية الحالية».‏

*ما مدى تأثير الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد السوري بشكل عام، وعلى المصارف السورية بشكل خاص؟‏

** «سؤال مهم جداً، أولا "سورية" لا تعيش في عالم آخر أو منعزلة عن العالم والأزمة المالية الحالية أثرت على جميع دول العالم بما فيها سورية، إلا أن التأثير يختلف نسبياً من دولة إلى أخرى، فبالنسبة لتأثير تلك الأزمة على "سورية" فيجب أولا أن نميز بين آثار الأزمة من جميع جوانبها، حيث للأزمة المالية الحالية آثار مالية وآثار اقتصادية، فالبنسبة للأثر المالي فهو مرتبط بوجود سوق للأوراق المالية وأنظمة مالية خاصة، وهذا ليس لدينا حاليا، وكذلك أثر تغيير أسعار الصرف وحجم التحويلات المصرفية هذا وقد نكون معنيين فيه حيث سينخفض حجم تحويلات المغتربين السوريين إلى البلاد نتيجة لتأثرهم بالأوضاع العالمية، أما عن الأثر الاقتصادي فهو يتعلق بعدة أمور منها: الاستثمارات الصناعية وغير الصناعية فمن كان منها قائم على التصنيع من أجل التصدير فقط فإنه بالتأكيد سيتأثر بالأسواق العالمية، وانكماشها أما إذا كانت الاستثمارات قائمة على الاستهلاك في الأسواق المحلية فإن الضرر سيكون قليلاً جدا، وكذلك سيتأثر رجال الأعمال في سورية بالأزمة التي يعيشها شركاؤهم التجاريون في مختلف دول العالم، وخاصة في الدول الأوروبية، وكذلك من جهة أخرى سيؤدي الركود الاقتصادي العالمي إلى تأثر فرص العمل ومستويات الدخول لجميع المقيمين في تلك الدول، ومنهم: المغتربون السوريون، وهذا سيؤدي إلى احتمال تزايد الطلب على فرص العمل في سورية من قبل المغتربين الذين تأثروا بالركود في بلدان المغترب فضلاً عن احتمال انخفاض حجم القطع الأجنبي الوارد، وكذلك فإن حجم التبادل التجاري السوري البالغ/30/ مليار ليرة سورية من أصل/46/ مليار ليرة قيمة الناتج المحلي السوري له تأثير واضح بالإضافة إلى تراجع الصادرات، ونقص السيولة الذي سيؤدي إلى تراجع الاستثمارات الخارجية في سورية، إلا أن الجهات الحكومية السورية استطاعت ضبط ومراقبة قنوات اتصال مع الاقتصاد العالمي والإصلاح الاقتصادي والمالي القائم على الانفتاح التدريجي والمدروس، وهذا يدل على قدرة الاقتصاد السوري على مواجهة الأزمة لأن من أهم بوابات عبور هذه الأزمة هي المصارف والمؤسسات المالية، فالسوق المالية السورية لم تبدأ بعد كما ذكرت سابقا والمصارف والمؤسسات المالية لا تزال في بداياتها ويعد رأس المال الوطني هو الأكبر فيها وحتى لو وجد رأسمال غير سوري فإن مصدره في الغالب عربي، كما نلاحظ أن "سورية" تعيش في الفترة الحالية حالة من التطور الاقتصادي الملحوظ حيث بلغ معدل النمو الاقتصادي في سورية في آخر/2007/، بلغ /6,6 %/ مقارنة بعام/2006/. والمفروض أن يصل إلى/7 %/ في عام/2010/ حسب معلوماتي».‏

*أما عن المصارف السورية‏.

«فإن تأثير الأزمة المالية في "الولايات المتحدة الأمريكية" سيكون ضعيفاً على المصارف السورية، حيث يمكن الاستدلال من خلال مؤشرين رئيسين وهما الإيداع وسعر صرف الليرة السورية، فالبنسبة للإيداع فإن الجهات الحكومية السورية أكدت أن معدل نمو الإيداعات في ازدياد وحافظ على نفس الوتيرة التي حققها منذ بداية العام بالقطع الأجنبي والليرة السورية وخاصة خلال الأسابيع القليلة الماضية، أما عن الليرة السورية فكما نعلم أنها مرتبطة بسلة العملات وليس بالدولار ونتيجة لقرار المصرف المركزي السوري بعدم ربط الليرة السورية بعملة واحدة فقط وربطها بسلة من العملات فقد جاء الأثر مخففا على الليرة السورية، وحسب معلوماتي فإن المصرف المركزي السوري سيحاول تعديل سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأخرى وبما يتلاءم والمعطيات العالمية من جهة ووفقا لحركة العرض والطلب على القطاع الأجنبي من جهة ثانية، بحيث يبقى الهدف الأساسي هو الحفاظ على استقرار السوق واستقرار سعر صرف الليرة بعيدا عن التقلبات العالمية الحاصلة حاليا، بالإضافة إلى ذلك فإن المصارف السورية جميعها مصارف للتجزئة وليست استثمارية لذلك فإن التأثير سيكون محدودا عليها من حيث المبدأ.‏

وكذلك فإن ما تقوم به السلطات النقدية السورية في المراقبة والإشراف على القطاع المصرفي وأسواق الصرف يقلل تأثير تلك الأزمة، وكذلك الحال بالنسبة للاستثمارات، فنسبة الاستثمارات غير السورية لا تصل إلى أكثر من/30%/ ومعظم هذه الرساميل غير السورية هي رساميل عربية. ففي ظل الأزمة المالية العالمية الحالية والمتعلقة بشكل خاص بالقروض العقارية نلاحظ أنه منذ يومين أطلق المصرف التجاري السوري خدمة جديدة وهي قرض الإكساء العقاري، ففي حال يعاني العالم من أزمة القروض العقارية يطلق هذا البنك هذه الخدمة مما يدل على قوة ومتانة المصارف السورية.

مما سبق يدعوني للقول إن الاقتصاد السوري ونظامه المالي من أقل الاقتصاديات العالم وأنظمته المالية تأثر بالأزمة المالية العالمية.‏ وأخيرا أود التنويه إلى موضوع هام جدا لم يتطرق إليه أحد من المستشارين والمحللين الماليين في العالم ألا وهو أنه في بداية العالم الحالي ارتفعت جميع الأسعار في كافة أنحاء العالم، وقد عزفنا هذا الارتفاع في الأسعار إلى ارتفاع أسعار النفط وهو من الناحية العلمية والاقتصادية صحيح، إلا أننا نلاحظ حاليا انخفاض أسعار النفط إلى ما دون 75 دولاراً بعد أن وصلت في ذروته /147/ دولاراً أي بما يعادل انخفاضاً تقريبا/49%/ مع بقاء الأسعار على حالها، فهذا يدل إذا بقيت على هذا الحال بدون تغيير على أن العالم سيعيش كارثة اقتصادية غير مفسرة الذي لم يراه العالم من قبل».