وسط سهول زراعية تمتد على جانبي نهر البليخ، يقع تل "الصبي الأبيض"، الذي ترتفع قمته عن الأراضي المحيطة به حوالي /15/ متراً تقريباً، وعلى الجزء الشمالي منه توجد مقبرة، يقال أنَّ الأهالي قبل مئة عام مضت كانوا يشاهدون صبياً يرتدي لباساً أبيض يقوم عند المساء من بين القبور ثم يختفي، ومن هنا جاءت تسمية الموقع بالصبي الأبيض..

موقع eRaqqa وبتاريخ (16/10/2008)، التقى الباحث الأثاري "محمد العزو"، الذي بدأ حديثه لنا بتحديد موقع التل بقوله: « يقع هذا التل شمال شرق "تل حمام" (التركمان) على بعد /5/كم منه، ويبعد عن مدينة "الرقة" حوالي /70/كم شمالاً، مرَّ عبر تاريخه بمرحلتين مختلفتين ومتباعدتين، الأولى يعود تاريخها إلى فترة الألفين السادس والخامس قبل الميلاد، والثانية يعود تاريخها إلى بداية النصف الثاني من الألف الثانية قبل الميلاد».

يقع هذا التل شمال شرق "تل حمام" (التركمان) على بعد /5/كم منه، ويبعد عن مدينة "الرقة" حوالي /70/كم شمالاً، مرَّ عبر تاريخه بمرحلتين مختلفتين ومتباعدتين، الأولى يعود تاريخها إلى فترة الألفين السادس والخامس قبل الميلاد، والثانية يعود تاريخها إلى بداية النصف الثاني من الألف الثانية قبل الميلاد

ولدى سؤال "العزو" عن أعمال التنقيب في هذا التل قال: «منذ عام /1985/ تقوم بعثة هولندية بالتنقيب الأثري المنهجي في هذا التل, وخلال مراحل التنقيب تم التوصل إلى حقائق أثرية أهمها أن الاستيطان بدأ في هذا الموقع في العصر الحجري الحديث المتأخر /6000ـ5500/ ق.م, وآثار هذه المرحلة تغطي كامل الطبقة التي تلي طبقة المرحلة الآشورية، فالاستيطان الآشوري لهذا التل بدأ في عام /1500/ق.م، وكانت هذه المساحة مغطاة بطبقة سميكة من الرماد مما يشير إلى أنَّ الموقع قد تعرض في نهاية الألف السادس وبداية الألف الخامس ق.م، إلى حريق هائل أتى على كامل المساكن والمباني في هذا الموقع، ولكن هذا الحريق حفظ للأجيال القادمة كل الآثار من تلك الفترة الزمنية القديمة، حيث وصلت إلينا بحالة سليمة وممتازة، لقد تم العثور على آثار العصر الحجري الحديث الأدنى الذي سبق عصر "تل حلف" مباشرة، على كامل موقع تل "الصبي الأبيض"، وفي القطاع الشمالي الشرقي من التل اكتشفت السوية المتأخرة للعصر الحجري الحديث، وفي هذه السوية تم الكشف عن فرن كبير وبعض البقايا المعمارية التي لها مظهر رث، ويعتقد أنها تعود لبقايا باحة سكنية تقع إلى جانب المسكن الحقيقي، فلقد كانت البيوت السكنية والمستودعات مبنية من مادة اللبن المجفف تحت أشعة الشمس، وموزعة بشكل متسق، بحيث نجد المساكن والبيوت موزعة في الجهات الشمالية والجنوبية من التل، وكذلك في الجهتين الشرقية والغربية منه، وتركزت المستودعات في الجهة الجنوبية الغربية من التل، أما قصر الحاكم الآشوري فإنه كان يتربع فوق قمته على شكل حصن عسكري أو قلعة، مع بعض المنشآت المعمارية الحكومية الأخرى، وإلى المرحلة الأولى المبكرة من تاريخ التل تعود مجموعة من المكتشفات الأثرية الهامة مثل الأدوات المصنوعة من حجر الصوان، ودمى حجرية وأخرى طينية، وأوانٍ، وكسر فخارية، بعضها مصبوغ بلون برتقالي، ومنقوش بخطوط هندسية، ظلت الحياة في هذا الموقع عامرة حتى عام /5500ـ5000/ ق.م، أي حتى بداية فترة "حلف" المبكرة، إذْ توفق الإنسان في هذه المرحلة إلى اكتشاف المعادن وصنع منها أدوات مختلفة، استعملت بجانب الأدوات الحجرية، وقد عرف هذا الدور بالدور (الحجري ـ المعدني)، وعثر المنقبون في الزاويتين الشمالية الشرقية والجنوبية الشرقية منه على آثار من العصر المبكر في سورية، متوضعة مباشرة فوق سوية العصر الحجري الحديث المتأخر، ولم يُعْثَرْ على قرائن تشير إلى أنه كان هناك انقطاع بين السويتين، حيث تعود إلى هذا الدور مجموعة من اللقى الأثرية أهمها تمثال أنثوي مصنوع من الطين».

من اللقى الأثرية في تل صبي الأبيض.

وعن نتائج الحفريات، ونماذج الأبنية في هذا الموقع يتابع "العزو" حديثه لنا بالقول: «إنَّ الحفريات الأثرية في تل "الصبي الأبيض"، قد أبانت وجود خمس طبقات عثر عليها في سوية واحدة يعود تاريخها إلى عصر "حلف"، وبشكل عام تتميز العمارة "الحلفية" المبكرة في هذا الموقع بوجود نموذجين معماريين، الأول نموذج الأبنية ذات المسقطين الحاد الزوايا (المستطيل أو المربع), والثاني الأبنية ذات النموذج الدائري نموذج (الثولوي) "THOLOI"، إنَّ هذين النموذجين من العمارة في تل الصبي الأبيض، هما من نمط العمارة الوظيفية، وهي التي تعكس مظاهر وجود نظامين مزدوجين معماريين، كانت جدران الأبنية ذات المسقط الحاد الزوايا مشيَّدة بدقة متناهية، فوق أساس من الحجر الكلسي المحلي، وربما كانت تلك الأبنية خاصة بالسكن، بينما نجد أنَّ الأبنية ذات المسقط الدائري كانت مخصصة للتخزين، وخاصة في فصلي الخريف والشتاء وأثناء السنوات العجاف، إنَّ أبنية (الثولوي) التي نسميها بـ"الشونة"، وهي تسمية محلية ظلت مستخدمة في بعض المناطق الريفية في سورية حتى بداية ستينيات القرن الماضي، هي بناء دائري الشكل بني من مادة اللبن المجفف تحت أشعة الشمس أبعاده /25×30×20/سم، ويبلغ متوسط قطره ثلاثة أمتار، ومن الداخل تكون هذه الأبنية مطلية بمادة الجص الأبيض، وأغلب أبنية (الثولوي) وجدت محفوظة في السوية المكتشفة فيها حتى ارتفاع محدود، وعثر في داخل الأبنية على كمية كبيرة من الحبوب المحروقة، وعثر في تل "الصبي أبيض" من فترة "حلف" المبكرة على فخار من النوع المدهون والمزخرف بأشكال هندسية عادية، وكان تل "الصبي الأبيض" أحد المراكز الآشورية المتقدمة باتجاه أعالي الفرات، وفي مرحلة عصر البرونز الأخير كانت "زلبا" عاصمة وادي "البليخ" قد فقدت أهميتها في القرن الرابع عشر ق.م، وبذلك انتقل النشاط الحضاري منها إلى موقع تل "الصبي الأبيض"، الذي لا يبعد عنها سوى /5/كم، حيث أصبح الحاكم الآشوري في تل "الصبي الأبيض"، ممثلاً لـ "بابل" و"آشور" في منطقة "البليخ" القريبة من مملكة "توتول"، وتحول تل "الصبي الأبيض" في هذه الفترة إلى قلعة عسكرية آشورية تتحكم بالطريق الملكية القادمة من "بابل" و"آشور"، عبر "حمو كار" و"تل بيدر" و"تل خويرة"، ثم تنحرف جنوباً بمحاذاة "البليخ" مروراً بـ"باجروان" وصولاً إلى "توتول"، التي بدأ دورها يضعف تدريجياً في هذه الفترة».

وعن قوة هذا الموقع الاقتصادية بذاك الوقت يكمل ضيفنا حديثه بالقول: «كانت هذه القلعة الآشورية في تل "الصبي الأبيض"، تجني أموالاً طائلة بوقوعها على طريق التجارة الدولي آنذاك، وكان مركز الميرة لجني الحبوب من قمح وذرة وشعير يقع في الجهة الجنوبية الغربية من التل، حيث عثر على مستودعات الحبوب وفيها كميات هائلة من الحبوب المتأكسدة، وكان الحاكم العسكري بمثابة جابي للأموال والحبوب ويرسلها لاحقاً إلى "آشور" و"بابل"، لقد شمل التنقيب الأثري مساحة واسعة من التل ولاسيما المرحلة الآشورية، وخلال مراحل التنقيب الأثري عثر المنقبون على مجموعة هائلة من اللقى الأثرية التي تروي مجريات الحياة اليومية في هذا الموقع، إنَّ أهم مجموعة تم العثور عليها، هي الرقم المسمارية وعددها بالمئات، وهي على شكل نصوص مراسلات اقتصادية بين حاكم القلعة والمركز في كل من "بابل" و"آشور"، وقوائم وسجلات وغيرها، كما أنَّهُ تم العثور في هذا الموقع على مجموعة من الجرار الفخارية، والقطع الذهبية، وأنواع شتى من الخرز الزجاجي والحجري، وأنواع حلي الزينة، وقطع من البرونز».

الباحث الآثاري "محمد العزو"

ومن الجدير ذكره أنَّ موقع تل "الصبي الأبيض" يعتبر من المواقع الأثرية الهامة جداً، كونه الموقع الوحيد في محافظة "الرقة"، الذي يغطي مرحلة البرونز الأخير بشكل شامل وجلي، وأنَّ أعمال التنقيب الأثري في هذا الموقع مازالت مستمرة، والأمل كبير في الحصول على مكتشفات أثرية هامة.