قصة الشاب السوري طاهر زهرة تستحق أن تكون أنموذجاً باهراً لقدرة الإنسان على التكيف مع واقعه وتجاوز إعاقته، فهذا الشاب الضئيل الحجم بالمعيار الجسدي،العملاق بشخصيته وعطائه الإنساني حقق ما يعجز عنه الكثير من الأصحاء واستطاع أن يخرج من زوايا العجز والعطالة إلى فضاء الفعالية والعطاء .
ولد مصاباً بمرض غريب يسميه الأطباء " المرض البلوري " وهو يجعل المصاب به أشبه بلوح زجاجي عرضة للتهشم لدى أدنى اصطدام، ومع ذلك تكيف مع هذا الوضع الصعب واستطاع أن يقهر المرض والعجز ولم يقبل بالاستسلام للأمر الواقع بل شق طريقه في الحياة على أنقاض الوهن والضعف ليمارس دوره في الحياة كأي شخص سليم مزوداً بإرادة قوية وتصميم لا يلين
ينتمي طاهر إلى أسرة تناوب أفرادها على الإصابة بالمرض البلوري الذي يجعل المصاب به غير قادر على تحريك قدميه وتصبح حركة يديه محدودة مع ميلان الجسد وهو داء خَلقي وراثي في بنية العظام كما جاء في بعض التقارير الطبية وهذا ما ألقى بالعبء الأكبر على طاهر بعد وفاة والده ووالدته فراح يسعى لتأمين رزق عائلته رغم وضعه الصحي الصعب .
يدير السيد طاهر اليوم مركزاً للكمبيوتر ومخبراً لغوياً يُعتبر الأول والأشهر من نوعه لتعليم اللغات الألمانية والروسية والإنكليزية والفرنسية والإيطالية والتركية في حمص، ورغم أنه أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة فقد وهبه الله ذاكرة من ذهب يلتقط بواسطتها كل ما يتعلق بالحواسب من معلومات ولا ينساها أبداً بل يتفوق أحياناً على المختصين بشهاداتهم .
حول نشأته وظروف إعاقته يقول السيد طاهر زهرة :" ولدت في كنف أسرة فقيرة الحال فوالدي رحمه الله كان عامل بناء قضى عمره في رعايتنا والاهتمام بنا ووالدتنا رحمها الله كانت تعمل في حياكة الملابس وبيعها لترفد أسرتنا بدخل إضافي، ولدت مثل أخوتي ولدى ولادتي شاء القدر أن أكون مصاباً بمرض وراثي غريب يسمى"المرض البلوري " الذي ينتج عنه تهشُّم كلي للعظام ويبدو المصاب به كطفل صغير مهما تقدم به العمر، ويضيف طاهر : كنت أسير على مقعدي المتحرك وكأنني أحمل بين ضلوعي بللوراً أداريه كثيراً خوفاً من الكسر و التحطم وكأنني نافذة أو باب زجاجي متحفز يقظ من أي إصابة خارجية تكون نهايتها تهشم عظم أو ضلع أو مرفق . كانت هذه الحالة ترافقني كل شهر أو شهرين مما يضطرني إلى ملازمة فراش المرض حتى أتماثل للشفاء لأعود للإصابة ثانية ، ومما زاد في ألمي ومعاناتي أن ثلاثة من أشقائي أصيبوا بهذا المرض مع اختلاف في مظاهر الإصابة.
وسط هذه المعاناة الحقيقية تقبلت وضعي ووضع أشقائي بصبر وتسليم بقضاء الله تعالى وإرادته واقتنعت أن الإعاقة الحقيقية في العقل ، لا في الجسد فعندما يكون الإنسان معوقا عقليا يكون جسمه معوقا فالجسد هو وسيلة للحركة والتنقل لا أكثر أما العقل فهو الذي يقود الإنسان إلى النجاح وتحقيق الذات وبالصبر والإرادة والتفاؤل يستطيع المعوق مهما كانت طبيعة إعاقته أن يصنع المستحيل ويحقق ما لا يستطيع الكثير من الأصحاء تحقيقه
مخبر لغوي
ويضيف السيد زهرة وهو يستعرض شريط حياته :كان والدي ووالدتي يشرفان على تربيتنا ورعايتنا وقد ناضلا كثيراً كي لا نصبح عالة على المجتمع أو نتشرد كما الكثير من المعاقين ،وسط هذه الظروف الصعبة لم أستسلم ولم أيأس بل رحت أثبت وجودي من خلال مزاولة الأعمال المختلفة كي أؤمن قوتي وقوت أسرتي فعملت بداية في إصلاح الأدوات الكهربائية المعطلة وبيعها، وبعد سنوات توَّجت كفاحي بإنشاء مركز للكمبيوتر بمساعدة أهل الخير وقد ضم مخبراً لغوياً كان أول تجربة من نوعها في حمص مطلع الثمانينات وكانت الغاية من تأسيس هذا المركز سد فراغ في هذا المجال خصوصاً أن تجربة المخابر تلك الفترة لم تكن معروفة حيث بدأنا بتعليم اللغتين الإنكليزية والفرنسية والآن تشمل برامج المركز ثمانية لغات إضافة إلى مركز معلومات للكمبيوتر ويضم خيرة المدرسين والاختصاصين في المدينة
جد ولعب
حول تأقلمه مع إعاقته ووضعه الصحي الصعب يقول السيد طاهر زهرة :منذ أن وعيت على الدنيا تقبلت إعاقتي ووجدت أنها عادية جدا واقتنعت أن الإعاقة الحقيقية في العقل لا في الجسد .
ونظراً لوضعي الصحي وطبيعة عملي الذي يتطلب الدقة فقد نظمت وقتي على أكمل وجه ففي فجر كل يوم استيقظ لأداء الصلاة وقراءة القرآن الكريم ثم أنام ثانية لاستيقظ في السابعة صباحا وبعد الإفطار يقوم أشقائي بوضعي في العربة الخاصة بي لأتوجه برفقة أحد عمالي مركز الكمبيوتر الذي أملكه لأبدأ عملي في الثامنة صباحاً في تسيير شؤون المركز والمخبر اللغوي وتوقيع الأوراق المطلوبة أو توجيه الموظفين بتنظيم دروس الدورات التي يقيمها المركز، وهكذا يمضي اليوم حتى التاسعة مساء حيث أعود إلى المنزل وأنا منهك من التعب ولكن في الوقت ذاته أشعر بمتعة عارمة فقد اعتدت على التعب والعمل المضني منذ الصغر واقضي السهرة مع عائلتي الصغيرة زوجتي وابنتي آمنة وفي أيام العطلات اقضي وقتي في زيارة الأصدقاء أو في مشاهدة مباريات كرة القدم التي تقام في المدينة وأنا من مشجعي نادي الكرامة الحمصي أو ربما ذهبت برفقة أسرتي لقضاء يوم الجمعة في أحد المنتزهات.
وعن علاقته بموظفيه وجيرانه في العمل يقول محدثنا: "أتمتع والحمد لله بعلاقات طيبة مع كافة المتعاملين والزبائن والطلاب وأحمد الله أنني محبوب من قبل الجميع وأدير عملي بكفاءة عالية وقدرة كأي شخص غير معاق وعلى سبيل المثال في البناية التي يقع فيها مركز الكمبيوتر الذي أديره، وهي مؤلفة من طوابق عدة ومحلات وشقق ومكاتب أنا المسؤول الوحيد والمرجع الأساسي لكل الأعطال والخلافات التي تحدث في هذا المبنى أقوم بحلها بأيسر الطرق وأبسطها".
