ضمن برنامجها الثقافي الأسبوعي أقامت جمعية العاديات بحلب محاضرة طبية تراثية بعنوان كتاب: (نزهة الأذهان في إصلاح الأبدان) لمؤلفه داود الأنطاكي قدها الدكتور الباحث "محمد ياسر زكور"، وذلك يوم الأربعاء الساعة الثامنة والنصف مساء في مقر الجمعية بالجميلية.

واستعرض الباحث في مقدمة محاضرته بتعريفه للطب العربي بمجمله الذي امتد من القرن التاسع حتى القرن الخامس عشر، وقد مرَّ بثلاث مراحل أساسية (مرحلة الترجمة) التي امتدت أيضاً مابين عامي (661- 750) م، وقد بدأها خالد بن يزيد بن معاوية لتستمر أيضاً خلال العصر العباسي كما امتدت أيضاً إلى العصر الأندلسي، وبرز من هؤلاء "عبد الله الصقلي" و «رسالة حنين بن إسحاق». والمرحلة الثانية هي (مرحلة التفسير والكشف والإبداع) وهم كثر الذين عملوا في هذا المجال ومنهم (الرزاي) صاحب كتاب (الحاوي) و (ابن سينا) صاحب كتاب ( القانون ) والزهراوي.

أما المرحلة الثالثة وهي: (مرحلة الانحطاط) وكانت خلال الحكم العثماني والنهضة الأوروبية وتمثلت ب(داوود الأنطاكي) و (صالح بن نصر الله السلوم الحلبي).

و(داوود الأنطاكي) المولود سنة (942) للهجرة والمتوفي سنة (1008) منها هو الشيخ الضرير الكسيح، والذي شفي من كساحه فكان سبباً في اتباعه الطب. ولقبه المؤرخون (الرئيس داوود) و (الشيخ الرئيس) «الطبيب الأكمه» وذلك رغم فقدانه بصره واعترافاً منهم بذكائه وحذقه وعلمه, وكانت معظم اهتماماته منصبة على دراسة العوامل النفسية وأثرها على صحة الأبدان.

كما تحدّث الدكتور زكور عن نشأة "الأنطاكي" الذي ولد في قرية (الفوعة) وهي التي تبعد (13) كم شمال شرق مدينة ( إدلب ) ومن ثم غادرها إلى انطاكية ثم انتقل إلى الشام، ومنها انتقل إلى مصر وكان له فيها خلوة في بيمارستان (قلاوون) الذي كان يجلس فيه نهاراً.

كما تعرض الباحث لمؤلفات (الأنطاكي) ومنها الطبي وغير الطبي وقد بلغت حوالى (29) كتاب , ومن تلاميذته (الشهاب الخفاجي) و (أبو المعالي درويش محمد بن أحمد) و(عبد الرؤوف المناوي).

ثم عرض الباحث لبعض مآثر (الأنطاكي) ومنها أنَّ له نظريات واسعة وعلاجات خاصة سماها (المجربات) وله الفضل في تسمية بعض الأمراض، وهو أول من وضع اسم (مرض الإفرنجي) والذي كان يعرف في مصر ب(المبارك) وأول من أطلق اسم مرض (داء الملوك) على مرض (النقرس) وعرض أسبابه وشرحه, وهو أول من ذكر مادة البن وطريقة استخدامه, وقوله إن الجرب منشأه الدود والذي نسميه (هامة الجرب).

أما كتابه نزهة الأذهان في إصلاح الأبدان فكان على طلب رجل ذي شأن رفيع ونلاحظ فيه تطور المسمسيات القريبة من عصرنا فقال: (الصنعة) ويقصد بها (العلم) وقال (عنق الرحم) وتوازي (فم الرحم)، وقد تأثر بغيره من الأطباء ومنهم: (ابن سينا- أبقراط- الرازي)، وكتابه هذا مؤلف من مقدمة وسبعة فصول وخاتمة.

في المقدمة تناول تعريف الطب, وفي الفصل الأول تناول العلوم الطبيعية والعلوم الفيزيولوجية من (القلب والتنفس والقوة الواهمة والجملة العصبية)، الفصل الثاني تناول (التشريح والحكمة من جعل كل عضو بشكله المعهود وإثبات الصانع في ذلك), تناول الفصل الثالث أسباب المرض وقسمها إلى ستة أسباب ومنها ( الهواء والطعام والشراب والنوم واليقظة واللحركة والسكون)، وفي الفصل الرابع تناول أحوال البدن من صحة ومرض وما هو بحالة متوسطة، ثم انتقل إلى تعريف المرض وأنواعه وتوزعه وأقسامه. الفصل الخامس تناول مجموعة من القوانين والوصايا, وفي الفصل السادس شرح تفاصيل العلل من الرأس إلى القدم وفيه بحث خاص بالصم، أما في الفصل السابع والأخير تعرض للأمراض الظاهرة في الجلد.

تحدث في الخاتمة عن (البحران) وهو نهاية التصارع بين الصحة والمرض, وجبر الكسر والضلع والسموم والزينة، وأخيراً أبرز الكاتب النسخ الخطية للكتاب المنتشرة في مكتبات العالم وتوزعها.

eAleppo التقت الباحث زكور وسألته عن انطباعه حول محاضرته فقال: أنا لم أنجذب إلى الأنطاكي فقط، بل انجذبت إلى كل العلماء العرب وسبب انجذابي للعمل التراثي هو إلقائي محاضرة في عمان بعنوان «الرازي والزكام التحسسي» وكانت سنة (1998) م و (الرازي) هو أول من اكتشف المادة المحسسة في الورد التي تصيب الناس في كل ربيع وعرض أعراضه وعلاجه ومن ثم استهويت هذه الفكرة وأحببت أن أتابع العمل فيها وبدأت التحقي وترددت على معهد التراث بحلب لأتعلم وخصوصاً بوجود الدكتور (محسن موالدي) عميد المعهد وحققت أول كتاب وقتها وهو (المغني في تدبير الأمراض) وهو في دار البارودي في بيروت، وقيد النشر حالياً وحققت كتاب (الطب الملوكي) وكتاب (نزهة الأذهان في إصلاح الأبدان) وكتاب (الرسالة الشهابية في الصنعة الطبية) وهناك مؤلفين آخرين أحدهم يتحدث عن تاريخ الطب في محافظة إدلب وهذه ثمرة عمل عشر سنوات من الجهد المتواصل.

يذكر أنَّ الدكتور (محمد ياسر زكور) دكتور في الطب البشري من جامعة حلب ومختص في الأذن والأنف والحنجرة، وباحث في تاريخ العلوم الطبية وعضو في الجمعية العلمية لتاريخ العلوم وعضو في جمعية عاديات إدلب, ويعمل في مجال التحقيق ويهتم بمجال التراث، ويرى أنه يجب أن ينصب الاهتمام الأكبر على المخطوطات العلمية وألا تبقى ندور حول علوم سطحية التي تجدي نفعاً.