اختتمت فعاليات الندوة التي أقامها المعهد الفرنسي وقسم اللغة العربية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية عن القاص الراحل أديب نحوي, وقد قدم بعض الباحثين المشاركين في هذه الندوة نصوصاً تميزت بالجدة والمنهجية العلمية.
وأظهرت للسامعين مكانة النحوي الروائية والقصصية في المشهد الثقافي المعاصر, eAleppo كانت حاضرة في هذه الندوة وستعرض في هذه المقام تلخيصاً لبعض ما جاء في هذه الندوة من بحوث .
فقد قدم الروائي نبيل سليمان من اللاذقية بحثا حمل عنوان: أديب النحوي روائياً, عرض فيه لبواكير أعمال النحوي مثل مجموعة (كأس ومصباح ـ 1946) و(من دم القلب ـ 1949)، وذهب إلى أن صمت النحوي امتد طوال العقد التالي، قبل أن يصدر روايته الأولى (متى يعود المطر ـ 1960)، ثم أردفها عام 1972 بروايتين وثلاث مجموعات قصصية، ليعود إلى الصمت قرابة العقد، قبل أن يقدم روايتيه (تاج اللؤلؤ ـ 1980) و(سلام على الغائبين ـ 1981).
ومثل السبعينيات من القرن الماضي، ستبدو الثمانينيات: أوان الخصب في كتابة أديب النحوي، وهذا ما ستلوح به التسعينيات أيضاً، لولا أن الموت عاجل الكاتب، وتساءل نبيل سليمان قائلا: سوف يبقى سرّ صمت أديب النحوي في خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي معلقاً على ما نجهل من سيرته: تراه كان الانشغال بالسياسة؟ أم الإعداد للقصص والروايات التي أعقبت الصمت كل مرة؟ أم هو الأمران معاً؟ وبعد أن تحدث نبيل سليمان عن روايات النحوي وخاصة رواية عرس فلسطيني تساءل قائلاً: هل لي أن أختم بعد ذلك, وأياً يكن خطأ أو صواب هذه القراءة لهذه الرواية, بعناق كتابات أديب نحوي الروائية للتاريخ عبر تجربته المديدة والثرية والمتفردة في تخييل الشأن الفلسطيني والقومي بعامة, تخييلاً يتأسس في الشعبي والمحلي فيرمح في آفاق الإنساني والإبداعي؟ إنه العناق الذي سألنا بالأمس, كما يسألنا اليوم, وكما سوف يسألنا غداً, عن الوطن وفلسطين, فنمضي من رواية إلى رواية، وكما في البحر: تعلو بنا الموجة وتهوي موجة، حتى يسلس البحر القياد عيشاً وفناً.
وقدم الباحث رضوان قضماني من حمص بحثا بعنوان: الراوي والمروي في السرد الروائي عند النحوي, ومما جاء فيه قوله: "على الرغم من أن روايتي أديب النحوي الأوليين متى (يعود المطر) و( جومبي) الصادرتين بين عامي[ 1960-1965] متتابعتان في موضوعهما تبدأ الأولى من مرحلة الانقلاب الفرنسي على سوريا وتصل الثانية إلى مرحلة الانفصال بعد الوحدة عام 1961 لترويا حدثاً يبدأ من عشرينات القرن الماضي مروراً بالاستقلال ثم الوحدة وصولاً إلى الانفصال فإن بحثنا لن يأخذ توجهاً موضوعياً, ويكاد يأخذ منحنىً شكلانياً إذ أن الرواية سردياً تقوم على علاقةٍ بين راوٍ و مرويٍ، و هما عاملان أساسيان من عوامل نظرية السرد، ينظمان العلاقة مع بقية العوامل: السارد والشخصية والفضاء والحدث .
والراوي والمروي– حتى لو أغفلنا المروي عنه– يربطان نظرية السرد بنظرية التواصل؛ فالراوي مرسل والمروي رسالة، والروي والمروي أيضاً يقدمان الحكاية– أي ينتجان الحكي– وهو فعل كلامي يشكل الأساس في نظرية التداول.
وانطلاقاً من تشابك هذه النظريات الثلاث السرد [في عواملها ] و التواصل [في وظائفه ] والتداول [في لغته] ينظر هذا البحث في أول عملين روائيين عن الأديب النحوي ليحدد مدى إسهام النحوي في التأسيس للرواية السورية".
إن ما تقدم يعرض النحوي روائياً أما النحوي القاص فقد سلط عليه الضوء الباحث مالك صقور من طرطوس فقدم بحثا بعنوان: أديب نحوي قاصاً, ومما جاء فيه قوله: "إن قصص أديب نحوي، منتمية شديدة الانتماء للأرض، والوطن وقضايا الوطن، وقضايا الناس البسطاء المنهكين المذلين المهانين، المعفرين في القاع السحيق المسحوق.
والعلامة الأبرز فيها إنها غاصت في القاع الاجتماعي لمدينة حلب، ونبشت مكنوناته من الأعماق المظلمة، لكنها بقيت تتطلع إلى الشمس..
في هذه القصص نجد دائماً التناقض قائماً بين قطبين، صحيح أنه لا يصور الصراع بينهما بشكل مباشر (مجلس الرحمة، جميل الأيادي، التربة الحمراء، عنزات الحلاب، وغيرها وغيرها وغيرها) إلا أنه ينقل الصراع والصدام والمواجهة إلى القارئ، وهذه مأثرته, إن من سمات إبداعه: البساطة والصدق والانتماء لبيئته المحلية وهذا سر بقاء قصصه طازجة، معاصرة، ومتميزة, لقد عرّف العرب قديماً البلاغة، بأنها هي التي إذا سمعها الجاهل ظنّ أنه يحسن مثلها، تماماً ينطبق هذا على إبداع كاتبنا, يقول بيلينسكي: " إن عصرنا لن ينحني إلا للفنان الذي تكون حياته هي التعليق الأفضل على إبداعه، وإبداعه هو التبرير الأفضل لحياته".
وقدمت الباحثة شهلة العجيلي بحثا بعنوان البنية الحكائية في قصة النحوي, ومما جاء فيه : " يقول الرئيس المصاحب لـ(زوربا) في رواية (كازنتزاكي):
"كنت أصغي إلى زوربا بصمت، وأقول في نفسي: ليتني أستطيع ألاّ أفتح فمي إلاّ عندما تبلغ الفكرة المجرّدة أعلى ذروة لها، عندما تصبح حكاية.".
قد يشير هذا القول إلى مدى جلال الحكاية، بوصفها سرّاً من أسرار الكلام، إلاّ أنّها غدت سرّاً من أسرار الكتابة أيضاً، ولعلّ حضورها يحتمل حضور الأنواع الأدبيّة الأخرى، ولاسيّما القصّة القصيرة، والرواية.
يتمّ المقابلة بقوّة بين القصّة القصيرة والحكاية، وذلك منذ شيوع الاتجاه الشكلانيّ في النقد، إذ يرى الشكلانيّون أنّ القصّة حكاية مختلفة، ومتجدّدة دائماً بإضافة المتغيّرات، أمّا الحكاية فتقوم على الثوابت، ويمكن القول إنّ الحكاية هي القصّة في عريّها، بحيث تتضمّن الوحدات الوظيفيّة الرئيسة، ويتمّ فيها ترتيب الأحداث ترتيباً منطقيّاً.
يبقى تعريف الحكاية بهذه الطريقة الشكلانيّة تعريفاً تشريحيّاً، لا يمكنه الكشف عن سرّ الشعريّة في الحكاية.
لعلّ البحث في سيرورة الكتابة القصصيّة عند (أديب النحويّ) يشير إلى وعي حاضر بأهميّة الحكاية، إذ تتسم نصوصه الأولى، في مجموعته ( كأس ومصباح) بغياب الحكاية عن القصّة، وحضور بدائل بلاغيّة، وحواريّة لها، لكن يلحظ المتلقّي عودة الحكاية مع تقدّم (النحوي) في عمليّة الكتابة، وتمرّسه في فنّ القصّة.
لاشكّ في أن تعاقب الاتجاهات النقديّة على حقب الخمسينيّات، والستينيّات، والسبعينيّات كان له كبير الأثر في توجيه الرؤية الفنيّة في الكتابة، التي تراوحت بين محاكاة فنّ القصّ الغربيّ، والسرد الكلاسيكيّ، والتجريب الذي ينحو منحى تأصيليّاً، إلاّ أنّ احتضان البنية القصصيّة للبنية الحكائيّة، أو تشكيل القصّة تشكيلاً حكائيّاً، أو حضور البنيتين القصصيّة والحكائيّة متّسقتين في نصّ (أديب النحوي) القصصي، يدلّ على وعي جماليّ- معرفيّ، تحاول هذه الورقة أن تكشف عن جذوره الثقافيّة، وذلك بهدي من تطوّر عمليّة توظيف البنية الحكائيّة في النصّ القصصي".
