رغم سنوات الاغتراب الطويلة، لم تغب قريته "المفكر" بريف السلمية عن وجدان المهندس المعماري أيهم رفعت زيدان، بل بقيت حاضرة في تفاصيل عمله ومبادراته، حتى تحولت جهوده إلى نموذج حي لمساهمة المغتربين في إعادة إحياء مجتمعاتهم المحلية، اقتصاديًا وثقافيًا وإنسانيًا.

من زراعة الأشجار على طرقات القرية، إلى إدخال الفرح على قلوب الأطفال، وصولًا إلى تأسيس مشاريع اقتصادية توفر فرص العمل، يواصل زيدان العمل على تحقيق حلم يصفه بأنه أولوية دائمة: "قيامة الوطن".

بدايات أكاديمية ومسار مهني

جانب من مبادرة خليها نظيفة

ولد أيهم زيدان في مدينة "سلمية" عام 1979، وأتم تعليمه المدرسي فيها، قبل أن يتخرج في كلية الهندسة المعمارية من جامعة "حلب" عام 2003. بعد تخرجه، عمل لفترة قصيرة في مكتب "تراست" للديكور الداخلي في "دمشق"، بالتوازي مع نشاطه الثقافي المبكر، حيث كتب مقالات ناقدة وساخرة في جريدة "الدومري" للفنان علي فرزات، إضافة إلى مساهمات في صحيفتي "صوت الشعب" و"الغد".

في عام 2004، انتقل إلى "الإمارات العربية المتحدة"، حيث عمل مديرًا لفرع مكتب استشارات هندسية، قبل أن يؤسس عام 2007 مكتبه الخاص في أبوظبي، الذي لا يزال يديره حتى اليوم.

جانب من المهرجانات

ويقول زيدان في حديثه لمدونة وطن : " أنا مالك مؤسسة "بيت الزاد" للمنتجات الغذائية الصحية، ونائب رئيس مجلس إدارة مجموعة زيدان للاستثمار، وهي مجموعة ناشئة تأسست في سورية عام 2025 ".

نشاط ثقافي ومبادرات مجتمعية

طريق المفكر قبل وبعد زراعة الأشجار

لم يقتصر نشاط زيدان على العمل الهندسي، بل امتد إلى المجال الثقافي والمجتمعي. كما يوضح زيدان ..في الفترة ما بين 2005 و2008، شاركت مع "برهان زيدان" في تأسيس منتدى "البدوي الأحمر"، الذي شكّل منصة ثقافية إنسانية، ونظم فعاليات توعوية وعروضًا مسرحية وسينمائية للأطفال، بحضور تجاوز 15 ألف شخص.

كما ساهم المنتدى في حملات إنسانية، من بينها التبرع بالدم، وكان من أبرز المشاركين في حملة "خليها نظيفة متل الفل" التي أطلقتها الفنانة "يارا صبري".

وفي عام 2010، أطلق زيدان، بالشراكة مع "رواد عجمية" و"برهان زيدان"، مهرجان "واحة الأمل" في قرية "المفكر"، وهو مهرجان ثقافي شعبي هدف إلى تنشيط الحياة الاجتماعية في المنطقة.

أولوية العمل الأهلي

على الأرض، ترجم زيدان أفكاره إلى مبادرات ملموسة. ففي عام 2008، موّل زراعة أشجار "الزنزلخت" على جانبي الطريق الرئيسي في قريته، في خطوة شجعت الأهالي على توسيع المبادرة وزراعة الشوارع المجاورة.

ويستعيد تلك المرحلة قائلاً:

" قدمت على نفقتي الخاصة شتول الأشجار، وتمت زراعتها على امتداد الطريق الرئيسي، ما دفع السكان للمشاركة في تجميل قريتهم".

كما حرص على الجانب الإنساني، حيث أضاف..نظمنا في رأس السنة عام 2010 فعالية لتوزيع الهدايا على أطفال القرية بشخصية "بابا نويل"، واستمر العمل بين عامي 2011 و2016 في تقديم سلال غذائية للأسر المحتاجة في "سلمية"، بمعدل 40 إلى 50 سلة سنويًا.

ويتابع حديثه: لم تتوقف المبادرات عند هذا الحد، فساهمت مع مغتربين آخرين في دعم المهجرين من قرية "المبعوجة" عبر تقديم وجبات غذائية وأدوية.

مع اندلاع الأزمة السورية، شارك زيدان في تأسيس منصة "رابطة مغتربي سلمية" بالتعاون مع "برهان زيدان" والمهندس "عمر الجرف"، بهدف دعم العمل الإغاثي. واستمرت المنصة حتى عام 2018، قبل أن يعيد إحياءها لاحقًا تحت اسم "سلمية واحة الأمل"، التي يديرها حاليًا بشكل فردي.

"بيت الزاد": مشروع يعيد روح الإنتاج التقليدي

بعد عام 2025، اتجه زيدان إلى الاستثمار داخل سورية، واضعًا نصب عينيه تحريك عجلة الاقتصاد المحلي فأسس شركة "الزاد" في "سلمية" لتسويق المنتجات الزراعية، كما أطلق سوبر ماركت "ريفا"، الذي وفر فرص عمل لنحو 12 موظفًا.

ويرى زيدان أن البيئة الاستثمارية في سورية "مقبولة لكنها تحتاج إلى تحديث"، مشيرًا إلى ضرورة تطوير القوانين، خصوصًا في قطاع البناء والترخيص، بما يواكب التجارب الحديثة في دول مثل الإمارات والسعودية وتركيا.

في السياق ذاته، برز مشروع "بيت الزاد" كأحد المبادرات الاقتصادية ذات البعد الاجتماعي ويوضح المدير التنفيذي للشركة، أمجد فطوم، أن المشروع أعاد الاعتبار للصناعات الغذائية التقليدية، معتمدًا على العمل اليدوي لعمال مهرة.

ويقول فطوم:"ساهم أيهم زيدان في إعادة الحياة الاقتصادية لقريته، حيث وفرت الشركة فرص عمل لـ10 أسر من قرية المفكر، إضافة إلى أسرة في سلمية، كما دعمت طلابًا جامعيين في تأمين مصاريف دراستهم".

في تجربة أيهم زيدان، تتقاطع المبادرة الفردية مع المسؤولية المجتمعية، ليقدم نموذجًا مختلفًا للمغترب، لا يكتفي بالنجاح الشخصي، بل يسعى إلى نقل أثر هذا النجاح إلى مجتمعه.

وبين العمل الثقافي والإنساني والاستثماري، تتجسد قناعة يختصرها زيدان في فكرة واحدة:

"الوطن لا يحتاج شعارات، بل يحتاج إلى العمل والمساهمة الحقيقية في بنائه."