بعد سنوات من الجفاف الحاد، بدأت سدود محافظة القنيطرة تستعيد جزءاً من عافيتها، مدفوعة بالهطولات المطرية الأخيرة التي أسهمت في رفع منسوب المياه وإعادة الحياة إلى منشآت مائية شكّلت لعقود العمود الفقري للزراعة في المنطقة.
ويؤكد فلاحو القنيطرة أن عودة المياه إلى السدود لم تكن مجرد حدث موسمي عابر، بل شكّلت نقطة تحوّل أعادت الأمل إلى مجتمع زراعي عانى طويلاً من شحّ الموارد المائية، في منطقة يُعدّ فيها الماء جزءاً من الهوية الزراعية والاقتصادية، وعنصراً أساسياً في استقرار القرى واستمرار النشاط الزراعي.
تم فتح مفرغ سد كودنة في 16 نيسان لتغذية سد الرقاد في درعا بغزارة 1 متر مكعب في الثانية، قبل أن تتوقف عمليات الضخ في 10 أيار بعد وصول السدود إلى الحجم الميت
ارتفاع منسوب المياه ينعش آمال المزارعين
وأوضح مدير الموارد المائية في القنيطرة، المهندس بسام الشمالي، في تصريح لـ«مدوّنة وطن»، أن السدود في المحافظة لطالما لعبت دور «خزائن المطر»، حيث تحفظ المياه لمواسم الجفاف وتعيد توزيعها على الأراضي الزراعية.
وبيّن الشمالي أن الهطولات المطرية مع بداية عام 2026 رفعت المخزون المائي في سدود القنيطرة بنحو 10 ملايين متر مكعب، بعد أن كانت خمسة سدود قد وصلت إلى ما يُعرف بـ«الحجم الميت» خلال الموسم الماضي، نتيجة انخفاض الأمطار عن المعدل السنوي البالغ 900 ملم.
وأضاف أن هذا التحسّن لم يكن مجرد أرقام فنية، بل انعكس اجتماعياً واقتصادياً على المزارعين، حيث أعاد الثقة بإمكانية تعافي الطبيعة واستمرار الزراعة رغم سنوات الجفاف القاسية.
عودة السيول إلى الأودية المغذية
وأشار الشمالي إلى أن نسبة الهطول المطري الحالية لم تتجاوز 50% من المعدل السنوي حتى تاريخه، إلا أن الهطولات الأخيرة كانت كافية لإعادة الحياة إلى الأودية المغذية للسدود، وبدء تدفّق المياه مجدداً نحو منشآت كانت قد جفّت بالكامل خلال العام الماضي.
وأكد أن امتلاء السدود يعني استئناف الري الشتوي والصيفي، وإعادة إحياء مساحات زراعية هُجرت بسبب الجفاف، ما يشكّل عودة تدريجية لثقافة زراعية مهدّدة بالاندثار خلال السنوات العجاف.
وفي الوقت ذاته، حذّر الشمالي من الإفراط في التفاؤل، مؤكداً أن الموارد المائية ما تزال محدودة، وأن الإدارة الرشيدة للمياه أصبحت ضرورة ملحّة، داعياً إلى التوسع في زراعة المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه، وإصلاح شبكات الري القديمة، باعتبار المياه مورداً نادراً وثميناً.
تعاون مائي يتجاوز الحدود الإدارية
ولا تقتصر أهمية السدود على محافظة القنيطرة وحدها، إذ أشار الشمالي إلى وجود تعاون مائي مع محافظة درعا في تبادل الحصص المائية، في إطار إدارة مشتركة للموارد وأوضح أن الكميات المخزّنة خلال المنخفض الأخير جرى توزيعها بين المحافظتين، حيث خُصّص 10 ملايين متر مكعب لدرعا، مقابل 8 ملايين متر مكعب لمزارعي القنيطرة، توزعت بين الري الشتوي والصيفي.
وأضاف: «تم فتح مفرغ سد كودنة في 16 نيسان لتغذية سد الرقاد في درعا بغزارة 1 متر مكعب في الثانية، قبل أن تتوقف عمليات الضخ في 10 أيار بعد وصول السدود إلى الحجم الميت».
عودة الثقة إلى الأرض
على مستوى القرى، ينعكس التحسّن المائي بوضوح في شهادات المزارعين الذين رأوا في الأمطار الأخيرة بداية مرحلة جديدة بعد سنوات من المعاناة.
وقال الفلاح محمد الحمد من قرية الرفيد إن الهطولات المطرية الأخيرة أعادت التفاؤل بقدوم موسم زراعي أفضل، مشيراً إلى أن المحافظة شهدت تحسناً ملحوظاً في واقعها المائي، ما عزّز مخزون السدود والمنشآت المائية المرتبطة بها.
وأضاف أن المزارعين يربطون بشكل مباشر استمرار أنشطتهم الزراعية بامتلاء السدود، التي تُعدّ المصدر الأساسي لمياه الري.
من جهته، عبّر محمد الحسين من قرية الحميدية عن فرحته بعودة السيول إلى الجريان باتجاه السدود التي كانت قد جفّت تماماً خلال العام الماضي، نتيجة الجفاف الممتد لسنوات. وأشار إلى أن عدداً من السدود في أرياف القنيطرة شهد عودة تدريجية لنسب التخزين، وإنْ تفاوتت من منطقة إلى أخرى ولفت الحسين إلى أن موجات الجفاف السابقة شكّلت خطراً حقيقياً على البنية التحتية للسدود، إذ إن إفراغها بالكامل قد يؤدي إلى تشقّق أرضياتها ويهدد استقرارها.
بدوره، قال الفلاح سهيل الموسى من قرية أوفانيا المطلة على مزارع الأمل إن العام الماضي كان من أقسى الأعوام التي مرت على المحافظة، حيث وصلت خمسة سدود إلى الجفاف الكامل، ولم تتجاوز نسبة الأمطار 25% من المعدل السنوي.
وأوضح أن هذا الانخفاض لم يكن مجرد تراجع في الأرقام، بل شكّل تهديداً مباشراً لسلامة السدود نفسها، إلا أن الهطولات الأخيرة أعادت رسم مشهد مختلف، مع عودة السيول وانتعاش الأودية واستعادة السدود جزءاً من دورها التاريخي في حفظ المياه وتوزيعها على الأراضي الزراعية.
