"أبو حشيش" شخصية فكاهية استعراضية تراثية حظيت بمحبة الناس في "حلب" وريفها؛ فدخلت قلوبهم وأصبحت من أكثرها قرباً لهم في حياتهم اليومية ومازالت إلى اليوم.
في "عفرين" بريف "حلب" الشمالي تحدث المعمّر "خليل يوسف" من مواليد 1935م لمدونة وطن "eSyria" بتاريخ 2 حزيران 2014، حول حضور شخصية "أبي حشيش" التراثية في الريف قائلاً: «من منا لا يتذكر "أبا حشيش"؟
كان بيد "أبي حشيش" دف يضرب عليه مغنياً: "أبو حشيش وحشيشاتو والريح تنفخ كيّاتو، الله يخلي الأسمر، شواربو شوارب عنتر". ## ولعل أطرف ما سمعناه يقول: "من لم يرد أن تنتقب** نعاله... يشيلها في كفه إذا مشى من شرب المسهل من أجل الدوا... بطبط في الدرب إلى بيت الخلا". كان يقفز حتى تصل قدماه ظهره ويضرب على الدف وهو يقول: "مد للّي إيدك عالجيبة... لا هي خساسة ولا عيبة"
قبل حوالي نصف قرن من الزمان كان لأبي حشيش حضور متميز في حياة الريفيين من خلال حركاته الاستعراضية الفكاهية وأغانيه الطريفة ولباسه المضحك؛ لذا فقد أحبه الناس كباراً وصغاراً وتعلقوا به، وكانوا ينتظرون قدومه بفارغ الصبر باعتباره إحدى الوسائل الرئيسية للمرح والتسلية والفكاهة لدى الناس وخاصة الأطفال منهم.
كان "أبو حشيش" يجوب القرى في المناسبات الاجتماعية مثل عيدي الفطر والأضحى، وفي فترة جني محصول الزيتون في "عفرين"، حيث كان يأتي إلى قرية ما ولا يغادرها لعدة أيام ضيفاً مقيماً في بيت المختار؛ وفي مضافته أو بيته كان يقيم سهرات سمر فكاهية جميلة يحضرها أهل القرية كباراً وصغاراً تدوم حتى ساعات متأخرة من الليل، أما في النهار فكان يقيم حفلاته الاستعراضية في ساحة القرية، ومن أبرز حركاته هو ملاحقته الأطفال على سبيل المزاح وهو يحرك عصاه الطويلة المزركشة بالأجراس.
وفي نهاية حفلاته الليلية والنهارية للقرية كان يحصل على مبالغ مالية أو أشياء عينية مثل الزيت والزيتون والقمح وغيرها من الحضور ومن مختار القرية، فعمله هو مصدر رزقه وعيشه.
كان "أبو حشيش" يلبس قبعة طويلة ومخروطية الشكل ولباساً بالياً علق به خرزاً وريش النعام وغير ذلك، وله عصا طويلة ربط برأسها جرساً أو أجراساً عدة يحركها خلال رقصاته وأغانيه وحركاته الاستعراضية».
وختم: «في الريف العفريني وبمناسبة انقطاع المطر عن الهطول لفترات طويلة كان الأطفال يجوبون بيوت القرية يتقدمهم "القشمر" وهي شخصية مشابهة لشخصية "أبي حشيش" إذ كان "القشمر" ويقوم بهذا الدور شخص معروف بالنكتة والطرافة بدهن وجهه وساعديه بهباب الفحم ويلبس فرو الغنم ويحمل عصا طويلة علق برأسها جرساً ويقوم بحركات استعراضية طريفة، بينما الأطفال من خلفه يغنون قائلين: "أبو حشيش" طفران بكرة بجي باران*، حينها يمنح أهل كل بيت نقوداً وأشياء عينية كالأرز والبرغل والزيت لهم، وفي الصباح التالي يشتري الأطفال بتلك النقود عدة دجاجات لتقوم النسوة بإعداد طعام جماعي لأهل القرية أملاً في هطول المطر.
وفي حي "الأشرفية" بحلب تحدث إلينا السيد "محمد نصيري" حول أصل شخصية "أبي حشيش" قائلاً: «منذ حوالي القرن عرفت مدينة "حلب" شخصية "أبا حشيش" ومنها انطلقت وانتشرت في باقي المناطق وهنا أود القول: إنه بعد وفاة "أبي حشيش" الأصلي في "حلب" قبل أكثر من 100 عام ظهرت عدة شخصيات باسم "أبي حشيش" هي في الحقيقة شخصيات مقلّدة لشخصيته الأساسية.
سمعت عن حكاية "أبي حشيش" من والدي قبل حوالي أكثر من 50 عاماً، التي سمعها بدوره عن والده، ومفاد القصة أن "أبا حشيش" كان يخدم في الجيش العثماني برتبة "جاويش" وأصله من حارة شعبية معروفة في "حلب" هي حارة "جب القبة".
وبعد أن سُرح من الجيش لم يكن "أبو حشيش" يتقن أي عمل، ولكي يعيل أسرته اخترع أسلوباً خاصاً به التحول إلى مهرج فيقوم بالدوران على البيوت والمحلات والحارات ليقوم بحركات فكاهية راقصة للحصول على المال، وقد لقي عمله هذا رواجاً وقبولاً من أهل "حلب" المعروفين بروح الدعابة والنكتة أصلاً.
كان "أبو حشيش" يلبس قبعة طويلة مثلثة الشكل علق بها الخرز والأزرار والأجراس والمرايا الصغيرة، وفوق كتفيه كان يضع ذيل ثعلب وبيده دف كان يقرع عليه خلال أداء أغانيه الفكاهية».
وحول أهم الأغاني الخاصة بـ"أبي حشيش" التي كان يؤديها خلال عمله ورد في "موسوعة حلب المقارنة" للعلامة "خير الدين الأسدي": «كان بيد "أبي حشيش" دف يضرب عليه مغنياً: "أبو حشيش وحشيشاتو والريح تنفخ كيّاتو، الله يخلي الأسمر، شواربو شوارب عنتر".
ولعل أطرف ما سمعناه يقول:
"من لم يرد أن تنتقب** نعاله... يشيلها في كفه إذا مشى
من شرب المسهل من أجل الدوا... بطبط في الدرب إلى بيت الخلا".
كان يقفز حتى تصل قدماه ظهره ويضرب على الدف وهو يقول: "مد للّي إيدك عالجيبة... لا هي خساسة ولا عيبة"».
