شكل أدب المراسلات حيزاً في تنمية الثقافة المتبادلة بين الأمكنة واللغة والفكر، وعرفت رسائل ساهمت في توضيح أفكار ورؤى إبداعية وقدمت قيمة أدبية، عبر أدب المراسلات، ولعل الباحث في هذا النوع من الأدب يجد مفارقات ومفاجآت عدة كما قدم الباحث والأديب "إسماعيل الملحم".

حول أدب المراسلات مدونة وطن "eSyria" وبتاريخ 19 آذار 2014 التقت الشاعر والأديب "جهاد الأحمدية" فأوضح قائلاً: «يعدّ أدب المرسلات من الأدب الذي يحمل قيماً أدبية وعاطفية وفكرية، فحين نستذكر ما كتب بين "غسان كنفاني" و"غادة السمان" نشعر بقيمة الأدب وانعكاس المراسلات الأدبية الحاملة لقيم المحبة، وما بينه الباحث "إسماعيل الملحم" في بحثه عن أدب المراسلات حمل وقائع تاريخية عربية وأجنبية وكيف فعل الأدب فعلته في تدوين تلك المراسلات ونشرها على تأثير الحالة الثقافية والإبداعية بلغة مميزة ورؤى متجددة».

يعدّ أدب المرسلات من الأدب الذي يحمل قيماً أدبية وعاطفية وفكرية، فحين نستذكر ما كتب بين "غسان كنفاني" و"غادة السمان" نشعر بقيمة الأدب وانعكاس المراسلات الأدبية الحاملة لقيم المحبة، وما بينه الباحث "إسماعيل الملحم" في بحثه عن أدب المراسلات حمل وقائع تاريخية عربية وأجنبية وكيف فعل الأدب فعلته في تدوين تلك المراسلات ونشرها على تأثير الحالة الثقافية والإبداعية بلغة مميزة ورؤى متجددة

حول أدب المراسلات والخصوصية العاطفية والقيمة الأدبية التقينا الباحث الأديب "إسماعيل الملحم" عضو اتحاد الكتاب العرب بالحوار التالي:

الشاعر جهاد الأحمدية

  • كيف بدأت فكرة التراسل في التاريخ؟
  • ** ليس التراسل بين البشر ظاهرة حديثة العهد، إنما هي ظاهرة إنسانية قديمة، ربما تعود إلى أزمنة ما قبل التاريخ. كما يمكن القول إن التراسل موجود بين المخلوقات الحية الأخرى. نجد في هذا الصدد ما يمكن أن يندرج في الباب نفسه، بعض أشكال التراسل بين الحيوانات كإصدار بعض الأصوات والإشارات التي يطلقها طائر إلى طائر آخر، وأصوات تتبادلها حيوانات من فصائل أخرى تكون غالباً بين ذكر وأنثى، وطور البشر أشكال التراسل الغرائزية تلك فتنوعت وتغيرت بتغير المجتمعات وتطور ثقافاتها ووسائل الاتصال وتطورها. فمن التراسل الشفهي بين شخص وآخر، أو التراسل بالواسطة إلى التراسل بالمكاتبات، إلى أشكال التراسل والتخابر بوساطة التقنيات الحديثة التي تأتينا يومياً، بمعنى ما، بأشكال وتسميات على الشبكة. كثيراً ما كان ينقل الشاعر الجوال الرسائل الشفهية بين شخصين من قبيلتين مختلفتين متباعدتين قليلاً أو كثيراً، وبعد انتشار الكتابة تطور التراسل لتصبح الرسائل المكتوبة كأهم وسيلة للتواصل بين الأشخاص والجماعات. ويعد إحداث مؤسسات البريد تطويراً لعمليات التراسل التي تلبي حاجات الإنسان المختلفة ومنها تبادل العواطف والمشاعر وغيرها.

    الكاتب والأديب إسماعيل الملحم

  • هل تم تصنيف المراسلات بين الباحثين؟
  • ** بلا شك فقد صنف الباحثون المراسلات في نوعين رئيسين متمايزين، النوع الأول: المراسلات الشخصية التي يتبادلها الأشخاص فيما بينهم، وتعود أهميتها إلى أنها تفصح للمتابع عن مشاعر وأحاسيس أولئك الذين يكتبونها. تدخل بعض هذه الرسائل باب التراث الأدبي إن في الأسلوب الذي يسلكه الكاتب، وإن في ما تحمله بعض الرسائل من قيم أدبية، يعرف هذا النوع من الرسائل بالرسائل الإخوانية. أما النوع الثاني من المراسلات فهو يتعلق بالرسائل العامة أو الرسمية، وهي ما يطلق عليها اسم الرسائل الديوانية.

    آخر إصداراته

  • كيف عرف أدبنا العربي المراسلات؟
  • ** عرف الأدب العربي كغيره من الآداب العالمية أدب المراسلات منذ زمن بعيد، ظهر خصوصاً في القصائد المتبادلة بين الشعراء ومنه رسائل نثرية. هذا النوع من الأدب لم يخلُ من أهمية فكرية لا يستهان بها، إضافة إلى ما يتمتع به من قيم نقدية وفنية، وتعد الرسائل المتبادلة بين الأدباء مصدراً يساعد في البحث عن جوانب هامة ودالة من السمات الشخصية للذين كتبوها، كما أنها تتضمن الكثير من ثقافة العصر الذي كتبت أثناءه. شكلت هذه الرسائل باستمرار إحدى الوسائل التي تفيد في معرفة ماذا يدور بين الأشخاص من معلومات أثناء ممارسة عمليتي الاتصال والتواصل. كما اعتُمدت الرسائل مصدراً له خصوصيته في دراسة تطور الشعوب والتعرف على آدابها وثقافاتها، ما يمكّن من استثمارها في الدراسات الأنثروبولوجية أيضاً.

  • هل ذكر أن أدب الرسائل قد دونه المؤرخون ومنح حكم قيمة؟
  • ** نقل "د. أحمد أبو زيد" عن "ابن الأثير" واصفاً الكتابات الخاصة بالرسائل المتبادلة وغير المتبادلة بين الأشخاص متطرقاً إلى بعض فوائدها، وخص "ابن الأثير" الرسائل الشخصية فوصفها بقوله: "لكن الرسائل المتبادلة بين كاتب وآخر أو بين أصدقاء وعشاق فهي ذات طابع شخصي، ولكنها تكشف جوانب من شخصيات أصحابها أعظم قدراً وأقرب إلى الإبانة عن أفكار الكاتب وعاطفته، وهي تصور كثيراً من آراء الناس ومنازعهم وعاداتهم وأخلاقهم، وأحوال الأمة التي يعيشون فيها. من هذا الضرب رسائل "الجاحظ، والخوارزمي، وبديع الزمان، والمعري، وابن زيدون"، وغيرهم.

  • برأيك هل أثرت خصوصية الرسائل وعدم نشرها في قيمتها؟
  • ** نظراً لما في الرسائل التي يتداولها طرفان في العادة من خصوصية فإن كثيراً من هذه الرسائل قد يحجم المتراسلان كلاهما أو أحدهما عن نشرها ويتكتمان عليها وربما تهمل أو تحرق، ولكن قد يتمنى أحدهم أو يوصي بنشرها بعد موته أو بعد موت شريكه أو شريكته، وهناك أمثلة الرسائل ذات الطابع الشخصي، وما تحمله من أسرار كثيرة يحافظ عليها أصحابها أو من أرسلت إليهم، أو من أودعت عندهم، وهي في آداب بعض الشعوب معروفة، ولا تثير الاستغراب عند نشرها؛ مهما كان مضمونها، وإن أفصحت عن العلاقات الحميمية مع أشخاص من الجنس الآخر، أو كانت ذات طابع عاطفي خاص. من المعروف أن مثل هذه الرسائل نشرها بعضهم في الغرب كما هي دون حذف أو تعديل، حتى وإن كان مضمونها يتعلق بالعلاقات الحميمية والشخصية جداً، ومنها تلك العلاقات العاطفية والجنسية.

  • هل من أمثلة لأدباء شكل أدب المراسلات لديهم شيئاً في تاريخهم الثقافي؟
  • ** أولهم "سارتر وسيمون دو بو فوار"، فيلسوف عصر بأكمله وروائي مجلٍ وكاتب مسرحي، قيل عنه وعن نشاطاته ونمط حياته الشيء الكثير، منه ما قاله "ريجيس دوبريه": "جميع مثقفي عصرنا من "بونس إيرس" إلى "بيروت" انتسبوا ذات لحظة إلى أسرة "سارتر"، وأثناء حرب التحرير الجزائرية 1954-1962 نشط "سارتر ودو بو فوار" في مساندة الجزائريين ما أثار نقمة اليمين الفرنسي وأصحاب النزعة الاستعمارية، وكانوا يحرضون على معاقبة المارق "سارتر" وجه "ديغول" طلباً إلى السلطات قائلاً: "لا تعتقلوا فولتير إنه فرنسا"، وكان يقصد "سارتر"، ومما قيل فيه أيضاً: بكل كلمة من كلماته ينتزع نفسه من القبر، أما "دو بو فوار" 1908-1968 فهي رفيقة حياة سارتر اشتهرت بإصداراتها الروائية والفكرية.

  • ماذا عن الرسائل في الأدب العربي؟
  • ** هذا النوع من أدب الاعترافات الموجود في آداب شعوب كثيرة، يكاد يكون من حيث صبغة الصراحة فيه والحديث الفاضح في العلاقات بين الأدباء خاصة الجنسية منها شبه مفقود في الأدب العربي إلى عهد قريب. لا شك فإن عشرات العلاقات العاطفية بين الأدباء والأديبات وغير الأديبات عبر بها أصحابها عما يختلج في نفوسهم من حب أو صداقة، لكن معظمها ظل مجهولاً أحجم من كانت بحوزته عن نشرها كما هي، أو أنه حجب بعضها عن القراء، فأكل النسيان والغبار ما حُجب. ومنها رسائل كان نصيبها الحرق، كما في رسائل "إلياس أبو شبكة" إلى معشوقته "ليلى" التي امتدت علاقته معها طوال السنوات السبع الأخيرة من حياته، هذه العلاقة التي غيرت كثيراً من سلوك الشاعر وصورته عند الناس، فقد كان، كما قال "هنري زغيب": "شخصاً من شهوة وقلق ديني عميق، إلا أنه شخص من ألم خالص، لعل فيه من الغرابة والألم والجنون ما يفوق أية صورة له". أما ما حصل له بعد أن توطدت علاقته بـ"ليلى معوض" فقد كان أمراً آخر.

  • يبدو أن مكتبنا العربية زاخرة بهذا النوع من أدب المرسلات؟
  • ** في المكتبة العربية منذ زمن مبكر عدد من الكتب في هذا السياق التي نقلت رسائل أدباء نشرت، بعد موت أصحابها، ومنها ما عرف في وقته وكشف من قام بنشرها بالإفصاح عن أسماء مرسليها والمرسلة إليهم. منها ما هو معروف في كتب الأدب العربي مثل رسائل "ابن زيدون إلى ولادة ابنة المستكفي"، ومنها رسائل أدباء من العصر الحديث مثل تلك التي كانت بين "فدوى طوقان وأنور المعداوي" نشر منها "رجاء النقاش" سبع عشرة رسالة وعلق عليها؛ وهي رسائل من الحب الأفلاطوني. ومنها رسائل أرسلها "العقاد إلى مي"، ومنها رسائل بين أدباء خارج الرسائل التي موضوعها العام له صفة عاطفية وجنسية مثل الرسائل المتبادلة بين كل من "محمود درويش ومعين بسيسو مع سميح القاسم"، ورسائل متبادلة بين "نازك الملائكة وإبراهيم العريض" وهي تدخل في باب النقد الأدبي، وكذلك رسائل أرسلها "جبران خليل جبران" إلى عدد من النسوة اللاتي أحبهن أو اللواتي عشقنه، كانت الأديبة "مي زيادة" منهن واشتهرت الرسائل المتبادلة بينهما وخاصة تلك التي كان يرسلها "جبران" متواصلة لعدة سنوات. ثمة مراسلات كانت له مع المفكرة المربية "ماري هاسكل"، والشاعرة "جوزفين بيبودي"، والكاتبة "شارلوت تيلِّر"، والمدرسة "ميشلين، وهيلانة غسطين، وغرترود ستاين" وكل منهن لها علاقة بالأدب وعازفة البيانو "غرترود باري" وأخريات، أضاءت هذه الرسائل على جوانب مهمة من حياة هذا الكاتب الفذ الذي كانت له بصمات لا تمحى في مسيرة الأدب العربي وتناقلت الكثير من أفكاره أوساط أدبية في بقاع شتى من العالم. إلى جانب هذه الرسائل المهمة وغيرها مما قد يكتشف فيما بعد كانت لـ"جبران" رسائل أخرى ذات صبغة أدبية لا تتعلق بالعلاقات العاطفية منها مراسلاته مع "ميخائيل نعيمة وأمين الريحاني" وغيرهما، ونمت علاقة حميمية بين "جبران ومي زيادة" عبر رسائل متبادلة بينهما، كان "جبران" يبثها شيئاً مما يكنه لها من عاطفة عبر هذه الرسائل، "غادة السمان وغسان كنفاني" وهو ما كان موضع نقاش بين عدد من الكتاب على ما أفصح عنه كتاب "غادة السمان" "رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان"، فقد تضمن الكتاب اثنتي عشرة رسالة منها فقط مهملة عدداً آخر منها، ادعت الكاتبة أنها فقدت بسبب الحرب الأهلية اللبنانية.