يحار الزائر إلى قرية "بيت جاش" أين سيقضي ليلته إذا صادف وحل بتلك البقاع، فالكل يريدك ضيفاً على داره المتواضعة وعلى مائدته العامرة بما تقدمه الطبيعة القاسية جداً هناك، وفي كل الحالات عليك أن تقي نفسك شرور البرد صيفاً وشتاءً متى وصلتها.

تقع القرية على ارتفاع يناهز 1200 متر، وهي آخر قرية في ريف "بانياس" وتتبع إدارياً إلى ناحية "العنازة"، وبعدها يأتي سهل الغاب، ويستغرق الوصول إليها من "الدالية" (اللاذقية) نحو الساعة عبر طريق "الدالية – الجَديدة"، ومن ثم إلى "الشندخة" مروراً بـ"خربة شمرا" وهي خربة أثرية قيل إن قصراً لـ "بنات وردان" كان فيها، ويبلغ طول الطريق من "الشندخة" إليها 4 كم تقريباً؛ يقطعها طلاب المرحلة الإعدادية والثانوية كل يوم مشياً حيث لا سيارات تخدم تلك القرية أبداً.

يعود أصل الاسم كما قال مختار القرية "علي نصرة" لمدونة وطن "eSyria" في 5 كانون الثاني 2013 إلى أن اسم أول من سكن فيها كان "جاش" وقد حدث هذا من مئات السنين على حد قوله حيث يعود نسب جميع سكان القرية إليه، ولكن لا يوجد أي دليل على صحة هذا الكلام فليس في القرية أية عائلة تحمل هذه الكنية، ولكن لربما تغيرت الكنى عبر فترات زمنية سابقة.

المختار علي نصرة

إلا أن "محمد جميل حطاب" في كتابه "معجم أسماء القرى في الساحل السوري"؛ يقول: إن "أصل الاسم سرياني ويعني مكان اللمس أو الفحص أو الاضطراب، ولغةً: "جاش الماءُ تدفق وجرى".

يبلغ عدد سكانها صيفاً نحو 500 نسمة وينخفض العدد شتاء إلى أقل من 300 نسمة حيث لا يبقى فيها سوى المزارعون والمعمرون عموماً؛ فأغلب شبابها وصباياها ينزلون إما إلى "اللاذقية" حيث الجامعة أو إلى "حماة" القريبة لممارسة التجارة والعمل هناك، وهناك عدد من المغتربين عن القرية في كل أنحاء "سورية"، وبعضهم في المهجر أيضاً.

أم أيمن محفوض

تشتهر القرية بزراعة التبغ كما يقول لنا الشاب المزارع "حسام محفوض"، ويبلغ الإنتاج تقريباً نحو ثلاثين طناً من التبغ البلدي (البصمة) ويباع أغلبه إلى الدولة في حين يذهب جزء من الباقي إلى تجار مدينة "حماة" الذين يتوافدون إلى هنا لشرائه، أما الباقي فهو للاستهلاك المحلي، وتبغ "بيت جاش" مميز ومعروف على مستوى المنطقة والمحافظة ويلاقي إقبالاً شديداً لخفته وطيبته؛ فالأراضي التي يزرع فيها متوسطة الخصوبة ولا تسمد بغير السماد العربي ولا يضاف إليها أية مواد كيمياوية أبداً.

من الزراعات الأخرى كما يقول "حسام" زراعة "الحنطة"، وتزرع كموسم صيفي في حقول صغيرة استصلحها الأهالي على مر السنين وهي تشكل نسبة صغيرة من إجمالي مساحة الأراضي المحيطة بالقرية وأغلبها صخور حادة، كما لا تزرع في القرية أشجار مثمرة بسبب البرد الشديد الذي يضر بها، وتكاد تكون تجربة زراعة أشجار الزيتون واحدة من التجارب الجريئة التي بدأها السكان المحليون هنا وقد بدأت تعطي بعض النتائج الطيبة رغم قساوة الطبيعة.

موقع القرية على الخرائط

وبسب قساوة الطبيعة فإن تربية الماعز والاستفادة من منتجاتها من ألبان وأجبان إلى جانب الأبقار التي وزعتها مديرية الزراعة في "طرطوس"؛ تعد العمل الرئيسي لمعظم سكان القرية حيث يتوزعون الرعي فيما بينهم شباباً وشيباً على مدار العام، وترعى الماعز مختلف صنوف الأشجار خاصة السنديان الحراجي المعمر الذي لا يزيد طوله في تلك المنطقة على نصف متر إلى متر واحد تقريباً بسبب ضغط الجو والهواء القالع صيفاً شتاءً، ولكن هذا الرعي أثر سلباً في الثروة الحراجية رغم مراقبته من قبل الدولة.

وتشتهر زبدة "بيت جاش" على مستوى المنطقة، وهي تصنع كما تقول السيدة "فضة محفوض" من القشدة المأخوذة من وجه اللبن الرائب خاصة لبن الماعز؛ حيث يضرب اللبن في وعاء جلدي لساعات، وبعد أن تفوش الزبدة على وجه اللبن، تقشط ثم تغلى مع قليل من الملح الصخري لمدة لا تتجاوز الساعة في وعاء نحاسي، وتترك من ثم لتبرد وتقسو، وتباع الزبدة والسمنة و"الشنكليش" والألبان وباقي المنتجات إلى القرى المجاورة، وتشهد القرية طلباً متزايداً على هذه المنتجات الطبيعية.

تتوافر في القرية كل أنواع الخدمات من هاتف ومياه وكهرباء وصرف صحي، ومؤخراً بدأت حلحلة مشكلة المياه بعد مد أنابيب لمياه الشرب من نبع وادي "بلوسين" إلى القرية، وماعدا ذلك فإن الأهالي هنا يقومون بتجميع مياه المطر في آبار تستخدم للطبخ والنفخ والغسيل، حيث يقومون كما تقول السيدة "فضة" بغسيل السطوح وتنظيفها تنظيفاً شديداً قبل بداية موسم المطر، والمياه المجمعة في الآبار تكفي في أغلب الأحيان موسماً كاملاً، علماً أن معدل هطول المطر هنا يبلغ حسب الأرصاد الجوية في "طرطوس" نحو 600ملم سنوياً.

قسوة الطبيعة الشديدة؛ إذ يبقى الثلج في تلك الارتفاعات لفترات طويلة تصل حتى أوائل الصيف لم تؤثر في طيبة الأهالي وعلاقتهم الطيبة مع الآخرين، فالاستقبال الحافل بكل المودة هو العنوان الأبرز لهم هنا، يفتخر المختار "أبو نواف" بأن مضافته لا تخلو أبداً من الساهرين على دفء مدفأة الحطب الكبيرة؛ حيث يكون الشاي سيد المشاريب المسائية في ليالي "بيت جاش" القارصة.