ثلوج "السويداء" تفرض على أبناء الجبل عادات وتقاليد اجتماعية، حيث يتوقف العمل لأيام، ويجمع الطقس البارد الناس قرب المدفأة التقليدية التي عادت إلى الوجود مجدداً "وجاق الحطب"، وكأن حرارته تحرك الحياة الاجتماعية.
وفي تجمع قرب "الوجاق" والثلج يكسو الأرض خارج المنزل فتحت مدونة وطن "eSyria" بتاريخ 13 كانون الأول 2013 حديث ذكريات وعادات وتقاليد السهرات حول "وجاق الحطب"، فالتقت السيد "هيثم صعب" الذي وصف تلك اللقاءات بالحرارة الدافئة بقوله: «ما إن بدأت الثلوج تتساقط حتى اتصلنا فيما بيننا للاطمئنان على توفير المواد الغذائية ومستلزمات الدفء من محروقات أو أخشاب الحطب أو غصون الأشجار بعد تقليمها والمعروفة محلياً باسم "الزبارة" وخاصة أشجار العنب والتفاح التي تكثر زراعتها في "السويداء"، ومن ثم يمكن استخدامها في مدفأة تعرف بـ"الوجاق" الذي يحمل شكلاً مربعاً ويجمع حوله العائلة بدفء حرارته ليخلق جواً اجتماعياً وإنسانياً، إذ كثيراً ما يكون التجمع حول تلك المدافئ التقليدية وسيلة لحل النزاعات والخلافات الشخصية بين الأسرة القريبة أو البعيدة وذلك بدعوات على تناول أكلات شتوية مثل "السليقة" المصنوعة من القمح والحمص، أو الأكلات الشعبية مثل "الشيش برك" أو غيرها من الأطعمة الباعثة للطاقة في الجسم».
في ظل الظروف الصعبة تزداد ساعات العمل لتوفير الاحتياجات اليومية وزيادة دخل الأسرة، فأتت الظروف الجوية لتعيد ألق العلاقات الاجتماعية مجدداً وتبث حرارة الود واللقاءات التشاركية الحقيقية لحمل الهموم المشتركة والمساهمة في حل الخلافات إن وجدت
وتابع السيد "هيثم صعب" بالقول: «في ظل الظروف الصعبة تزداد ساعات العمل لتوفير الاحتياجات اليومية وزيادة دخل الأسرة، فأتت الظروف الجوية لتعيد ألق العلاقات الاجتماعية مجدداً وتبث حرارة الود واللقاءات التشاركية الحقيقية لحمل الهموم المشتركة والمساهمة في حل الخلافات إن وجدت».
وفي منزل السيد "عصمت صعب" وهو صاحب صنعة الحدادة الذي قام بتصميم "الوجاق" وتنفيذه بطريقة فنية جديدة بعد مضي عقود على عدم استخدامه، التقيناه ليحدثنا عن عمله: «منذ عامين بدأ "الوجاق" يعيد ألقه على الساحة لما يحمل من موروث شعبي وهو يرتبط مع تاريخ "جبل العرب" بشكل كبير، حيث كان في كل مضافة نقرة أو حفرة في وسطها مخصصة للرماد، ويتم تجمع الأهل والعائلة الواحدة حول ناره وتبدأ الحكايات القديمة والسير الشعبية، ومنهم من يسرد سيرة بني هلال أو قصة الزير سالم وغيرها، وآخر يجيد قصائد الشعر الشعبي مع مجريات أحداث ومسببات تلك القصائد وهي جميلة في بعدها الثقافي والاجتماعي والتاريخي، كأن يتحدث كبار السن عن وقائع بداية القرن الماضي كيف كانت الحياة ولقاء الشعراء وتبادل الآراء والأفكار السائدة وذلك ضمن منظومة العادات والتقاليد المعروفة في "جبل العرب"».
وحول "الوجاق" واختلافه عن المدفأة العادية بين الحداد "عصمت صعب" بالقول: «تعد صناعة "الوجاق" إحدى الحرف والمهارة اليدوية التي أنتجها الإنسان للاستفادة من مخلفات الطبيعة، وهي حرفة قديمة عرفت منذ قرون عديدة وكانت بشكل بدائي يصنع من الصاج والحديد بثخانة 2 أو 3 ملم وذلك ليتحمل الحرارة العالية، لكن اختلف الشكل وفق رؤية كل صاحب صنعة وفنيته وهي غالباً متجددة، إذ بعضهم استخدم الشكل المستطيل وبعضهم المربع، أو المدور أو الموشور أو الدائري، وغيرها من الأشكال، والأهم في صناعة "الوجاق" أنه يمكن استخدامه لأغراض الأكلات الشتوية كأن نضع في داخله فرناً، ومنهم يضع الفرن خارجه أي فوق الوجاق ضمن شكل هندسي هرمي أو "جملون أو روف"، وكذلك مكان وضع الحطب أو الجهاز، إذ كان الدخان يخرج من فتحاته وتعبق رائحة الحطب في جو المكان، واليوم تطورت صناعته -أي دون خروج أي رائحة منه- وهذا يعود إلى مهارة الصانع، دون أن ننسى الزخارف التي تضفي منظراً جمالياً عليه».
وتابع السيد "عصمت صعب" بالقول: «لـ"الوجاق" علاقة تاريخية وتراثية فهو يعيد إلى الذاكرة المحلية رونقها حينما يبدأ الرجال بسرد القصص اليومية والمعيشية التي مرت معهم وكذلك مواهب الشعراء والأدباء الشعبيين، واليوم يتجمع الناس حوله بدفء حرارته المنعكسة على حرارة الود والمحبة والعلاقة الاجتماعية التي هي ثقافة اجتماعية نحتاج إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى».
