تعد فطائر الحميضة من الوجبات التراثية التي اتقنت نسوة الريف صناعتها بكل حرفية، لأنهن ابتكرنها من خيرات الطبيعة البسيطة التي تعايشن معها.

من نبات "الحميضة" ودقيق القمح والبصل وزيت الزيتون تكونت هذه الفطائر البلدية بعد مزجها وطهوها بطريقة خاصة اعتادت نساء الريف عليها، حيث كانت هذه الفطائر فيما مضى من الوجبات الأساسية التي تجتمع على صناعتها وتناولها مختلف أفراد الأسرة الريفية.

لقد اعتادت ربات المنازل فيما مضى على صناعة جميع أنواع الفطائر كوجبات أساسية تتناولها الأسرة، خاصة في فصل الربيع وهو الفصل الذي يزخر في كل عام بحسب كميات الأمطار ومواعيدها بالخيرات، حيث من الممكن أن تتأخر نباتات هذا الفصل بتأخر هطول الأمطار، وهنا تكون النباتات وفيرة وتدوم إلى فترة أطول في الطبيعة، وفي حال كانت كمية الأمطار قليلة فإن كثافة النباتات تكون قليلة وهذا يؤثر على نكهة وفوائد النبات، حيث تكون أكثر فائدة لأن نسبة المياه فيها أقل مقارنة مع نسبة المواد المغذية

وللتعرف على "فطائر الحميضة" وتاريخها وطريقة صناعتها التقينا الباحث التراثي "حسن اسماعيل" الذي قال: «لقد كانت المأكولات الأساسية للأسرة الريفية منتجات الطبيعة البكر، من نباتات برية ونباتات زراعية، فالحاجة والتعايش مع الطبيعة في الريف والجبال البعيدة عن الساحل جعلت الأسرة الريفية بشكل عام تعتمد على خيرات الطبيعة وما ينمو فيها ضمن مواسم معينة وقد تكون خاصة في بعض الأصناف البرية، فكانت ربة المنزل خلال جولتها في الطبيعة تحمل في جعبتها (حقيبتها القماشية) التي تخيطها يدوياً، وهي حقيبة خاصة بطعام الأسرة تجمع فيها مختلف أنواع النباتات البرية التي تنمو في الطبيعة.

السيدة "نوال" خلال مرحلة خبز الفطائر

ومن هذه النباتات المفيدة والغنية بالمواد الغذائية نبات "الحميضة"، وذلك لصناعة مختلف أنواع الوجبات الغذائية منها، وخاصة الفطائر التي يحسب لها حساب جيد أثناء صناعتها، وذلك من قبل مختلف أفراد الأسرة، لما تمتعت به من طعم لذيذ وشهي، فهي من حيث المبدأ في طريقة صناعتها تشبه صناعة بقية أنواع الفطائر، إلا أنها تميزت عنها بنكهتها المميزة التي جعلت أفراد الأسرة ينتظرون فصل الربيع بفارغ الصبر لنموها ومن ثم تسليقها وصناعه الفطائر منها. إذاً هذه الفطائر من الوجبات التراثية القديمة جداً قدم الحياة الريفية تقريباً».

وللتعرف على طريقة صناعة "فطائر الحميضة" التقى موقع eSyria بتاريخ 13/4/2012 السيدة "نوال العقيبي" خلال صناعتها الفطائر، وهنا تحدثت قائلة: «معظم مكونات "فطائر الحميضة" من البيئة الريفية لساحلنا السوري، فنبات "الحميضة" يتم جنيه من الطبيعة، والقمح يتم زراعته في حقولنا الخصبة، إضافة إلى زيت الزيتون الذي يتم استخراجه من ثمار الزيتون في كل عام، ناهيك عن ثمار البصل التي نقوم بزراعتها بجانب كل منزل.

وضع الحميضة داخل العجينة

فعند تجهيز هذه المكونات الأساسية نبدأ يتحضير العجينة الخاصة للفطائر والتي تحتاج إلى وقت إضافي يزيد على وقت نضج عجينة الخبز العادي، لذلك مع بداية الصباح نحضر الدقيق ونضيف إليه الماء الفاتر بكميات محددة ومتدرجة منعاً من الحصول على عجينة رخوه، ونضيف إلى العجينة مادة "الخميرة" لينضج العجين أكثر، ويترك العجين لعدة ساعات حتى انتفاخه أو كما يقال عنه بالشعبي "طلع العجين"، وخلال هذه الأثناء نقوم بتحضير نبات "الحميضة" وذلك بتقطيعه إلى قطع صغيرة أو متوسطة، وتغسل جيداً بالماء والملح لتخلو من مختلف الأحياء الدقيقة التي قد تكون عالقة على أوراقه، وبعدها يتم وضع الماء في الوعاء على نار متوسطة الشدة حتى درجة الغليان، وهنا يتم إضافة "الحميضة" المقطعة لحوالي ربع ساعة فقط، حيث يتم بعدها تصفية الماء عنها وعصرها بشكل جيد بكلتا اليدين حتى لا يبقى فيها الماء من مرحلة الغلي.

ثم نحضر القليل من حبات البصل حيث تفرم بشكل ناعم وتقلى بزيت الزيتون لبضع دقائق فقط مع "الحميضة" التي تم سلقها وبعض الملح والبهارات، ومن ثم ترفع عن النار وتترك حتى تبرد قليلاً».

الفطائر على الصاج تنتظر الاستواء

السيدة "نجلاء علي" تحدثنا عن بقية مراحل صناعة "فطائر الحميضة" فتقول: «بعد نضج العجينة واستواء "الحميضة" نُحمي الصاج المعدني، وهو عبارة عن لوح معدني مصنوع بشكل مقعر موصول بأنبوبة غاز، وهنا نبدأ بتقطيع العجينة إلى قطع صغيرة بحجم قبضة اليد ورقعها بشكل بسيط حتى نحصل على رقاقة عجين دائرية الشكل بسماكة حوالي نصف سنتيمتر، ونضع ضمن الرقاقة ما يقارب الملعقة من "الحميضة" وتضبّ حواف رقاقة العجين على بعضها بعضاً لتأخذ شكل مثلث، وبعدها توضع فوق الصاج حتى تبدأ بالاحمرار ثم تقلب على وجهها الآخر حتى نضجه.

بعد نضج الفطيرة ورفعها عن الصاج تدهن بشكل كامل بزيت الزيتون لتضفي عليها نكهة خاصة، وهنا تصبح جاهزة لتناولها».

وفي لقاء مع الجدة "عليا شداد" قالت: «لقد اعتادت ربات المنازل فيما مضى على صناعة جميع أنواع الفطائر كوجبات أساسية تتناولها الأسرة، خاصة في فصل الربيع وهو الفصل الذي يزخر في كل عام بحسب كميات الأمطار ومواعيدها بالخيرات، حيث من الممكن أن تتأخر نباتات هذا الفصل بتأخر هطول الأمطار، وهنا تكون النباتات وفيرة وتدوم إلى فترة أطول في الطبيعة، وفي حال كانت كمية الأمطار قليلة فإن كثافة النباتات تكون قليلة وهذا يؤثر على نكهة وفوائد النبات، حيث تكون أكثر فائدة لأن نسبة المياه فيها أقل مقارنة مع نسبة المواد المغذية».