ما زال المجتمع الحوراني يراعي في حكمه العادات والأعراف، فالعادة تحكم والعرف يحكم في كل القضايا الاجتماعية والمدنية والشخصية، وحتى الموروثات تحكم ومن هذه الموروثات والعادات التي لا تزال سارية "العَطْوَة"، وهي الهدنة التي تؤخذ بين المتخاصمين يعقدها وجهاء القوم بحيث تمنع الاعتداء من كلا الطرفين، مكفولة بوجهاء يضمنون عدم الاعتداء.
وللتعرف على هذه العادة والعرف الذي لا يزال سارياً ويعمل به في الريف والمدينة التقى موقع eDaraa بتاريخ 18/4/2012 الباحث في التراث الحوراني السيد "محمد فتحي المقداد" الذي قال لنا: «"العطوة" هي بمثابة الهدنة تمهيداً لاستمزاج الآراء وتقريب وجهات النظر للوصول إلى حل، وللجاهة أن تطلب "العطوة" من عائلة المجني عليه، وهي فرصة للحل، ومدة "العطوة" تبدأ من بعد الدفن وممكن أن تمتد لمدة ثلاثة أشهر، حسب الاتفاق لتذليل العقبات، ولأهل المجني عليه أن يقبلوا الجاهة أو يرفضوها أو يستبدلوها بأخرى، لاعتبارات تخصهم، وخلال ذلك تقوم الجاهة بعرض رؤيتها للحل ومن ذلك عملية" العد" وهي بمفهوم القضاء العشائري، أن تقوم الجاهة بعملية إحصاء عائلة الجاني حتى الجد الخامس، وهذه الفئة من العائلة يقع عليها مسؤولية مباشرة عن الدم، وأفرادها يعتبرون هدفاً للثأر والانتقام، ومن خرج من الخمسة من العائلة فهم بحلٍ من الانتقام، كثيراً ما يطلب من الفئة الأولى بالجلاء من بيوتهم إلى أي قرية أخرى، ويعتبر كذلك رمز الخمسة كناية عن عدد أصابع اليد الخمسة التي تمسك بمقبض السيف».
"العطوة" هي الهدنة التي تسود بين الفريقين المتخاصمين، والمهلة التي يمنحها الفريق المعتدي عليه إلى الفريق المعتدي لأجل أن يتقدم للصلح حسب عوائد العشائر. إذ يلجأ إلى أخذ "العطوة" عند حدوث مشكلات منبعثة عن ضرب أو جناية أو مسائل ذات مساس بالعرض. ولا "عطوة" في السرقات والتسويد وفي باقي المشكلات الحقوقية. فيتوسط في "العطوة" أهل الخير "الجاهة"، ويعتمد عليها المصلحون كأول خطوة في حل مشكلات الناس منذ وقوع الجناية نظراً لتوتر النفوس وتحركها نحو الشر، وتأهب الطرفين للصد والرد والضرب والقتل"
ويقول الشيخ "محمد النجم الخالدي": «"العطوة" هي الهدنة التي تسود بين الفريقين المتخاصمين، والمهلة التي يمنحها الفريق المعتدي عليه إلى الفريق المعتدي لأجل أن يتقدم للصلح حسب عوائد العشائر. إذ يلجأ إلى أخذ "العطوة" عند حدوث مشكلات منبعثة عن ضرب أو جناية أو مسائل ذات مساس بالعرض. ولا "عطوة" في السرقات والتسويد وفي باقي المشكلات الحقوقية. فيتوسط في "العطوة" أهل الخير "الجاهة"، ويعتمد عليها المصلحون كأول خطوة في حل مشكلات الناس منذ وقوع الجناية نظراً لتوتر النفوس وتحركها نحو الشر، وتأهب الطرفين للصد والرد والضرب والقتل"».
وعن الشخص الذي يستطيع طلب "العطوة" في العرف العشائري يقول الشيخ "خلف السبروجي": «في عادات العشائر الذي يطلب "العطوة" هو الرجل المعتدي، أو المتهم بالاعتداء، وذلك بواسطة رجل ذي نفوذ واعتبار. ولا يشترط أن يكون الوسيط من أفراد العشيرة التي ينتمي إليها أحد الفريقين المتخالفين، إذا قد يتدخل في الأمر شخص غريب حقناً للدماء فيطلب "العطوة" من تلقاء نفسه ومن غير أن يكلفه المتهم بذلك. والذي يعطي "العطوة" هو الرجل المعتدي عليه بالذات، أو أي رجل آخر من خمسته حتى ولو كان هذا من رعاة الغنم. ويحق لأهل الجاني، بعد أن يمنحوا "العطوة"، أن يرجعوا إلى ديارهم إلا الجاني فإنه لا يجوز له أن يظهر أمام أهل المجني عليه حتى ولو كانت هناك "عطوة". ويجب على المعتدي أن يبتعد هو وخمسته عن أعين خصمه وعن أعين أفراد خمسته. وأن يطلب بعد ذلك منهم "العطوة". وذلك في بحر الأيام الثلاثة الأولى من الحادث، لذلك يقال بأن "العطوة" سترة وحماية تقي الإنسان وتستره من مضاعفة الضرر والخسارة للطرفين، وتحفظ كرامة الناس وتستر الضعيف وتمنع القوي حتى يصل كل ذي حق لحقه، وتسمى هدنة أو رفعة حيث يقال "لا يظلم رجل وفي الرجال عزيز"، ومن المتعارف عليه، انه لا يجوز أن يرفض المعتدى عليه إعطاء العطوة سواء كان قوياً أو ضعيفاً».
أثناء طلب "العطوة" يجب تعيين كفيل يكفل الجاني عند وجهاء العشائر وهنا يقول السيد "إبراهيم الشعابين" باحث في التراث الحوراني: «لا بد من تعين كفيل للعطوة لا يشترط أن يكون الكفيل من "خمسته"، بل يكفي أن يكون من أصحاب السيرة الحسنة والنفوذ من عشائر حوران والمحافظات القريبة، ولو كان من غير العشيرة التي ينتمي إليها الفريقان المتخاصمان. وللمتهم الحق في أن يرفض الكفيل وأن يطلب تعيين كفيل آخر. غير أنه لا يجوز أن يسمى كفيلا من عنده. يشترط في الكفالة قبول الكفيل، ويجب على المعتدي أن يقوم بتطييب خاطر المعتدي عليه في مدة "العطوة" على النمط المفصل في بحث القتل. إذا انتهت مدة العطوة دون أن تتم "الطيبة" تجدد لمدة أخرى. وإذا لم يتقدم الفريق المعتدي لطلب تجديد "العطوة" يخسر قضيته. وإذا ثأر خصمه لنفسه منه بعد ذلك يكون في حل من أية مسؤولية. والمعروف عند العرب أن "العطوة" لا تؤخذ بالجبر والإكراه، وإنما تؤخذ بالرضى والاختيار».
"العطوة" في العرف العشائري لها عدة أنواع حدثنا عنها السيد "هشام حرفوش" فقال هنا: «أنواع العطوات والتي في مضمونها معنى واحد، وهو الهدنة بين المتخاصمين، وهي مسميات اصطلح عليها رؤساء العشائر ووجهاء البلد في المجتمع البدوي، وأول هذه العطوات عطوة الدم وتسمى عطوة فورة الدم، وتكون في قضايا الجنايات والعرض ومدتها ثلاثة أيام وثلث وتسمى هذه الأيام المهربات المسربات، ثم "عطوة الاعتراف أو الإقرار"، وتعني اعتراف المتهم بالجناية وهو مستعد بأن يعطي ما يترتب عليه من حقوق وواجبات، وتسمى أيضاً عطوة تفتيش، أي العمل على التحري والتفتيش حول الشخص أو الأشخاص الذين تحوم حولهم الشبهات، ومن العطوات عطوة الإقبال وتؤخذ عادة بعد صدور الحكم القضائي وسميت بهذا الاسم لإقبال الطرفين على الصلح، حيث تتم مراسم الصلح فيها.
يليها "عطوة حق" وتعني عدم اعتراف المتهم بالجناية، وفي هذه الحالة لا بد من التحكيم والتقاضي عند قاضٍ عشائريٍ، يثبت إدانته أو براءته التامة، ومن أهم العطوات "عطوة شرف بيضاء"، وتكون هذه العطوة متخصصة في قضايا العرض وحرمة البيت وتقطيع الوجه، أي إن مدار بحث العطوة يركز على الحفاظ على شرف الإنسان وكرامته، وآخر العطوات "العطوة الحوليه" وهي العطوة التي تعطى لمدة حول كامل "أي سنة كاملة" وتجدد حولياً أي تلقائياً كل حول حتى يتم الصلح».
