قضى حياته متنقلاً بين مناطق عديدة في "سورية"، عمل بالكثير من الأعمال، وساهم مع أهل قريته "عين الكبيرة" بتطويرها وتطوير الجيل الجديد فيها عبر تربيته لأبنائه وتعليمهم.

لايزال الشيخ "علي حمود" وقد تجاوز التسعين من عمره بصحة جيدة وذاكرة متقدة تساعده على تذكر الكثير من تفاصيل حياته حيث يقول: «يعود أصلنا إلى قرية "جلمبدون" القريبة من قرية "دير ماما" التابعتين لمدينة "مصياف"، وقد كان بؤس الحياة سبباً في ابتعادنا عن تلك المناطق، وهنا في قرية "عين الكبيرة" التابعة لمدينة "الشيخ بدر" استقر أجدادي من عائلة "حمود" منذ ما يزيد على 200عام».

يعود أصلنا إلى قرية "جلمبدون" القريبة من قرية "دير ماما" التابعتين لمدينة "مصياف"، وقد كان بؤس الحياة سبباً في ابتعادنا عن تلك المناطق، وهنا في قرية "عين الكبيرة" التابعة لمدينة "الشيخ بدر" استقر أجدادي من عائلة "حمود" منذ ما يزيد على 200عام

في حديثه لموقع "eSyria" بتاريخ 6/12/2011 يقول الشيخ "علي حمود": «شهدت طفولتي حوالي عام 1925 أياما صعبة للغاية، فالبلاد كانت قد انتقلت لتوها من "احتلال تركي" أرهقها واستنزف طاقاتها إلى "احتلال فرنسي" ليس بأحسن من سابقه، هنا كان لابد لنا من العمل بأي شيء يؤمن لنا قوت يومنا بغض النظر عن العمر وطبيعة العمل، بالتالي كان العمل الزراعي المرتكز على زراعة الحبوب بأنواعها أهم أعمالنا الزراعية كذلك تربية المواشي، وعلى الرغم من وجود الزراعة والمواشي فقد كانت الأراضي وعرة وغير مستصلحة وبالتالي لا تتوافر المساحات الكافية للزراعة كما الآن، وفي الجانب المقابل كان تعامل سلطات الاحتلال معنا يقوم على الاستغلال بكافة أشكاله ما سبب استمرار حالة الفقر وازديادها، وفي أول أيام شبابي حوالي عام 1935 سافرت إلى مدينة "حماة" للعمل في زراعة الحبوب وموسم الحصاد، حيث كانت الزراعة مزدهرة في المناطق الداخلية من سورية، وبقيت على حالتي في السفر والعمل هناك مدة تجاوز العشرين عاما، كان خلالها رجال "الميرا" وهم شرطة "الاحتلال الفرنسي"، يظلموننا بكل الوسائل وينهبون ما يشاؤون مما نحمله معنا في ترحالنا بين "طرطوس وحماة"».

الشيخ "علي حمود" في منزله

كل مرحلة زمنية لها مزاياها وعيوبها، فالشيخ "علي محمود" رغم معاناته إلا أنه عاش لحظات وجوانب تمثل سمة إيجابية لزمانه، وفي ذلك يقول: «كان العلم أهم سمة من سمات مرحلة الاستقلال وما بعد، فكما كان الفقر شديدا فقد ازداد تمسك الناس بالعلم للخلاص مما يعيشون فيه، أما أنا فقد كان لدي سبعة أبناء سعيت لتعليمهم بكل الوسائل، وفعلاً وصلوا جميعاً إلى مراحل تعليمية متقدمة، والنقطة المهمة في هذه الفكرة أن الناس رغم حالة الفقر والجهل والتخلف كانوا يقدرون العلم حق قدره، يضاف إلى ذلك العلاقة الاجتماعية التي كانت تجمع الناس بكل حب وبشكل لم يعد موجوداً في هذا الوقت، كذلك فإن الصحة الجيدة التي أملكها الآن مع الكثير من أبناء جيلي كانت أيضا سمة في زماننا لأن الحياة بقساوتها كانت تبقي على القوي ذي الصحة الجيدة، كما أن الغذاء كان طبيعياً في جميع مراحله وأشكاله».

تبدو اليوم حياة الشيخ "علي حمود" مفارقة بحد ذاتها من خلال كونها جمعت بين أكثر العهود التي عاشتها "سورية" ظلاما وبؤسا وبين زمان تلونت فيه الدنيا وأصبحت قرية صغيرة، وهذه المفارقة التي يعيشها الشيخ "علي" تبدو واضحة في كلامه مع شباب هذا الجيل حين يتحدث عن الحياة المريحة التي يتوافر فيها كل شيء مقارنة بعصره، ويلوم الشباب لقلة إدراكهم للجوانب المضيئة في حياتهم، ومما يقوله الشيخ "علي حمود": «حين كنت شابا كنت أذهب مع الشباب إلى المناطق القريبة من مدينة "طرطوس" كقرية "السودا وحصين البحر.." بقصد العمل وذلك سيرا على الأقدام ذهابا وإيابا، حيث توزعت أعمالنا بين أعمال المزارع وبناء المدرجات الجبلية وبناء المنازل، بالتالي لم نكن نجد وسائل نقل ووقتنا يضيع على الطريق، وأعمالنا يقاسمنا عليها الإقطاعيون، وبالمختصر كل جوانب الحياة كافة في حدودها الدنيا».

"عين الكبيرة" قرية الشيخ "علي حمود"

يعيش الشيخ "علي حمود" برفقة ولده السيد "نور الدين حمود" الذي يقول عن والده: «أنا سعيد بوالدي وبما قدمه لي ورباني عليه، فقد حصلت على العلم الذي قادني إلى ظروف حياة أفضل، وأعلم تماما كيف كان أهلي يصبرون على ضيق الحال لتأمين مستلزمات دراستنا، وأذكر أنني كنت أقطع يوميا ثمانية كيلو مترات للذهاب إلى مدرستي في قرية "الدبيبة" ثم قرية "بحنين"، من جهة أخرى كان أهلنا يعاقبوننا أشد العقاب على التقصير في الدراسة، وأقسى عقاب أذكره كان وضع "جمرة نار" في يد الولد كعقاب قاس جدا على تقصيره، ورغم صغر سني كنت أساعد والدي برفقة إخوتي في أي عمل نقدر عليه، حيث ربينا المواشي وعملنا في الأرض، وبالمثابرة والجد مني ومن إخوتي ومن أهل قريتي "عين الكبيرة" تطورت أحوال القرية لتصبح القرية خالية تماما من الأمية وبنسبة كبيرة من التعليم العالي، لذا فأنا فخور بوالدي والقدماء من أهل قريتي ممن ساهموا ببناء جيل مسلح بالعلم».

وفي لقاء آخر مع السيد "محمد حمود" رئيس "الجمعية الفلاحية" في قرية "عين الكبيرة" تحدث عن المعمر الشيخ "علي حمود": «هو رمز في قريتنا سواء في تاريخه المملوء بالجد والتعب، أو بتربيته لأولاده أفضل تربية، كذلك رأيه السديد واحترام أهل قريته له، ومازلت أذكره شابا حين كان يحمل "قرطلاً" مملوءاً بالعنب يذهب بها إلى "الشيخ بدر" والى مدينة "طرطوس" ليبيعها، وبالنسبة لأهل الريف فإن مقياس الإنسان الجيد يرتكز على الجد والتعب لكسب لقمة العيش وبناء أسرة محبة لبعضها، ومحبة أهل القرية والجيران، وبهذا يكون العم "علي حمود" أحد الأمثلة القليلة من المعمرين الباقين على قيد الحياة وبصحة جيدة، يسعد الإنسان بملقاهم ومجلسهم».

السيد "نور الدين حمود"