من خشب السنديان أو البلوط وحجارة الطبيعة الريفية تألف، وبأيدي رجال الجرد "الطرطوسي" صنع، ولمواسم قمحهم في أجواء مميزة درس.

هو "المرج" الذي اعتبره البعض أقدم أنواع درّاسات (فرّازات) القمح، والذي صنع في أجواء ريفية خاصة، فأطلقوا عليه عدة تسميات اختلفت باختلاف المناطق والقرى الريفية التي استخدم فيها، وهذا بحسب تعبير الباحث التراثي "حسن اسماعيل" الذي التقاه موقع eSyria بتاريخ "13/10/2011"، مضيفاً:

بالعودة إلى عدة قرون مضت نلاحظ أن الناس كانوا مبدعين في حياتهم الريفية بكل معنى الكلمة، فلم يكن يصعب عليهم أي شيء، وكانوا يصنعون ويبتكرون كل ما يحتاجونه في حياتهم اليومية السهلة الممتنعة التي كانت سبباً أساسياً في عمل عقولهم وتشغيل أفكارهم لتحقيق إبداعاتهم التي كان منها ما يسمى "المرج" الذي ابتكروه لتسهيل عملية استخراج حبات القمح من سنابلها بعد نضجها وحصادها. فـ"المرج" سرع من هذه العملية الشاقة وخلق خلال مراحل العمل أجواء مميزة اتسمت بالفرح والسعادة، وقد اختلفت تسمياته وفقاً للقرى والمناطق التي استخدمت فيها هذه الأداة، ففي قرى "الدريكيش" وجردها سمي "النورج" وفي قرى وريف مدينة "بانياس" سمي "المرج" أما في قرى وجرد "العنازة" فقد سمي "حصيرة الصلاط"

«بالعودة إلى عدة قرون مضت نلاحظ أن الناس كانوا مبدعين في حياتهم الريفية بكل معنى الكلمة، فلم يكن يصعب عليهم أي شيء، وكانوا يصنعون ويبتكرون كل ما يحتاجونه في حياتهم اليومية السهلة الممتنعة التي كانت سبباً أساسياً في عمل عقولهم وتشغيل أفكارهم لتحقيق إبداعاتهم التي كان منها ما يسمى "المرج" الذي ابتكروه لتسهيل عملية استخراج حبات القمح من سنابلها بعد نضجها وحصادها.

الباحث التراثي "حسن اسماعيل"

فـ"المرج" سرع من هذه العملية الشاقة وخلق خلال مراحل العمل أجواء مميزة اتسمت بالفرح والسعادة، وقد اختلفت تسمياته وفقاً للقرى والمناطق التي استخدمت فيها هذه الأداة، ففي قرى "الدريكيش" وجردها سمي "النورج" وفي قرى وريف مدينة "بانياس" سمي "المرج" أما في قرى وجرد "العنازة" فقد سمي "حصيرة الصلاط"» .

وعن طريقة صناعة "المرج" يقول الشاعر "نافع غانم" مشرف على أحد معارض الأدوات التراثية التي أقيمت في مدينة "طرطوس" القديمة: «تجهز ثلاث قطع خشبية مستوية السطح تقريباً من خشب السنديان أو البلوط القويان، بعرض حوالي /1/ متر وطول حوالي /2/ متر، وتثبت بجانب بعضها البعض من الأعلى بواسطة قطعتين خشبيتين، وتوضع القطعة الخشبية بكاملها في الماء حوالي /24/ ساعة لترتخي أنسجتها وتصبح طرية نوعاً ما.

الشاعر "نافع غانم"

وفي هذه الأثناء نجمع كمية من حجارة "الصلاط" المعروفة بقوتها وصلابتها والمتوافرة في سواقي الأنهار وعلى شاطئ البحر، ونقوم بتكسيرها إلى قطع متوسطة بحجم بيضة الدجاج، فتصبح حوافها حادة جداً لصلابتها.

وبعد مضي /24/ ساعة نرفع القطعة الخشبية من الماء ونبدأ بزرع القطع الحجرية عليها ضمن وجهها السفلي بضربها بقوة بمطرقة حديدية، وهكذا حتى نغطي كامل القطعة الخشبية بالحجارة، ثم يرش عليها القليل من الماء وتترك تحت أشعة الشمس حتى تجف وتتصلب بكاملها لتصبح وكأنها قطعة خشبية واحدة، فتكون جاهزة لاستخدامها».

"يونس محمد إبراهيم" من قرية "تخلة" التابعة لمدينة "الدريكيش" قال: «في منطقتنا يطلق على هذه الأداة التراثية القديمة جداً اسم "النورج"، وأذكر بشكل واضح وكأنه المشهد أمامي الآن كيف كان يستخدم، حيث كانت النساء الريفيات يجمعن سنابل القمح بعد موسم حصادها بما يسمى "البيدر" أو ما يعرف حالياً بساحة القرية.

ثم يحضر الرجال القرية الحيوانات الجارة للنورج (دابتين- بغلين أو ذكري بقر "فدان بقر"-) ويثبتوهما أحدهما بجانب الآخر بواسطة "النير" وهو قطعة خشبية مستقيمة فيها نتوءين خشبيين في كل جهة ليحيطا برقبة الدابتين، وهو صناعة يدوية وبدقة وحرفية عالية.

يوضع خلف "النير" على رقبة الدابتين ما يسمى "الكدانة" وهي عبارة عن مجموعة من أعواد الريحان الملفوفة والمجدولة بطريقة خاصة مع بعضها بعضا والمغطاة من الخارج ببقايا قماشية لحماية رقبتي الدابتين من "النير" خلال عملية شد وسحب "النورج" إلى الأمام.

يوصل بـ"النير" "القطريب" ويثبت بـ"الشرع" ومن ثم "النورج" الذي يقف عليه رجل يمسك بيده لجام الدابتين ويحثهما على التحرك وفق حركات خاصة باللجام وتعابير اعتادتا عليها حتى نهاية العمل، تكون حركة "النورج" دائرية فوق "الطرحة" ومستمرة لحين ظهور الحب».

الجدة "عليا شداد" من قرية "العصيبة" تحدثنا عن طريقة "توضيب البيدر" فتقول: «كانت مهمتنا قبل بدء عمل "المرج" توضيب سنابل القمح بجانب بعضها بعضاً وبشكل دائري على "البيدر" بوضعية كنا نسميها "الطرحة"، لتبدأ عملية دراستها وتستمر لحوالي يومين تقريباً يتناوب عليها رجال القرية وشبابها.

ومن ثم تقوم النساء بعملية فرز الحبوب عن "التبن" وهو بقايا أعواد السنابل المكسرة أو ما يعرف بـ"القصل" بفعل حركة "المرج" فوقها- وذلك عبر تدريتها بـ"المدراية" الخشبية، وهكذا حتى نهاية العملية.

كل من عمل بهذه الأداة التراثية لا يمكنه نسيان تلك الأجواء الفرحة التي كانت تغمر أهالي القرية، حيث كانت تعقد حلقات الدبكة على وقع أهازيج النساء وزغاريدهن بجني محصول عام كامل، بعد الانتهاء من عملية الدراسة يأتي دور "التبانات" وهن نساء من القرية يقمن بجمع التبن- القصل المتكسر- عن "البيدر" في غرف خاصة ضمن المنزل الترابي عبر ما يسمى "الروزنة" ليكون علفاً للدواب فيما بعد».