في وقت لم يكن لوسائل الاتصال تلك الأهمية في نقل الحدث وانتشاره داخل المجتمع وخارجه، كانت بيوت الخبازات في "دير الزور" إحدى وسائل المعرفة في ذلك الوقت، والسرعة في نقل الخبر.
أثناء التقاء النسوة صباح كل يوم ليخبزوا الخبز يتبادلون أطراف الحديث بكل ما يجري في المحافظة وعلى كافة الصعد، وللتعرف على وجود التنور داخل منازل "الديريات" التقى الموقع بتاريخ 25/6/2011 الحاجة "صبحة العلي" إحدى اللواتي عاصرن تلك الفترة والتي تحدثت بالقول :«كانت نساء "الدير" في الماضي تتنافسن "من ستوقد نار تنورها أولا؟ فهذا يدل على نشاطها،حيث تتسابق وتتسارع الجارات فيما بينهم في صنع العجين، ويتساعدن بكل صغيرة وكبيرة، وخاصة إذا أصابت إحداهن مناسبة، ولا يكاد يخلو منزل "ديري" من وجود التنور، أما اليوم فقد أمسى التنور أحد مفردات التراث التقليدي العريق لأهالي "ديرالزور"».
كان لخبز التنور هالة روحية تتجسد في تحلق الأطفال حوله مترقبين خروج أول رغيف مستنشقين عبقه تلك الرائحة التي لا تقاوم وكم من عابر سبيل أو خاوي بطن نال نصيبه من الخبز
أم عن السبب الذي دفع بعض من هؤلاء النسوة امتهان ذلك العمل قالت "العلي": «يعود السبب إلى أمرين أولهما هناك بعض النسوة كانت عائلاتهم فقراء ويرغبون بمساعدتهم فتذهب الفتاة للعمل عند تلك "الخبازة" بأجر معلوم في ذلك الوقت، والأمر الثاني هي فقدان المرأة لزوجها وتصبح "أرملة" ولا تجد ما يعيلها هي وأبنائها فتجد تلك "الأرملة" عمل داخل بيتها تعيل به عائلتها مقابل أجر تأخذه لمن تقوم بخبز الخبز لهم، فلم يكن يخلو حي من أحياء "الدير" من إحداهن، وكانت بيوت الخبازات ملتقى للنساء اللواتي ينتظرن خبزهن حتى ينضج، فتدور الحكايا وتنتقل الأخبار بين بعضهن ويتحول بيت الخبازة إلى منتدى اجتماعي».
أما طريقة صنع خبز التنور "التقينا السيدة "سلوى المحمد" فقالت: «ساعد التنور على ترسيخ منظومة التعاون والعمل الجماعي، فبعد أن يعجن الطحين في المعجن، سواء كان معجن فخاري أومعدني، كانت المرأة تقطع العجين بيديها إلى قطع صغيرة مكورة تضعها في وعاء خاص يحمل على طبق منسوجة من سنابل القمح، ترفعه على رأسها متوجهة إلى التنور حيث تجتمع النسوة والصبايا حول التنور وعقب هدوء النار وارتفاع درجة حرارة جدرانه يبدأ العمل الجماعي المنسق، فتتعاون النسوة على الخبز ترقيداً وتفتيحاً وتكبيراً ولصقاً بالتنور فتجثو إحداهن على المصطبة لترقيد أقراص العجين وترقيقها على خشبة مدورة تحضر مع الطبق إلى التنور، ويكون حجمها بحجم رغيف الخبز وتصنع خصيصاً لهذا الغرض، ثم تختص أخرى بتلويح الرغيف أمام التنور ليصير دائرياً متسعاً باستخدام الكارة، وهي قطعة قماشية كبيرة ومدورة تشبه الرغيف وعادة ما تحشى من الداخل بلباد صوفي لتبلغ سماكة معينة ومن ثم يوضع الخبز في المخمر ليبقى ساخناً».
وما يميز الرغيف "الديري" أو التنور كما يسمونه أهل "الدير" شرح الباحث "عامر النجم" بالقول: «يتميز الرغيف الفراتي بأنه مصنوع بكل مراحله بالطرق اليدوية فمن زراعته إلى حصاده حتى وصوله إلى المنزل، حيث لا يزال بعض بيوت الريف تطحن الحبوب بواسطة الرحى وتغربله بغربال خاص، ثم تقوم بعجنه وتقطيعه ورقه حتى يصبح رغيفاً قبل أن توضعه في التنور ليصبح رغيفاً».
وهناك نوع من الخبز مختص به أهل الدير حدثنا عنه صاحب أحد التنانير في "دير الزور" السيد "عبد الناصر عزاوي" فقال:«هناك نوع من خبز التنور يثقب من الوسط ويسمى "جعيجة" ويذر على وجهها الحوائج وهي مؤلفة من خمسة أنواع "يانسون – حبة بركة- كمون- شمرا- شومر" وهذه الحوايج لها فؤائد طبية جمة».
الباحث "نوري علاوي" قال: «كانت بيئتنا الفراتية بعيدة نوعاً ما عن الحضارة وتأثيراتها وكانت بيوت الدير ريفاً ومدينة لا تخلو من رحى لطحن الحبوب وتنوراً لصنع الخبز وكانت السوالف والأخبار ورواية الحوادث تدور كما تدور ( حجرة الرحى) فوق أختها وكانت هناك روابط أسرية وعلاقات اجتماعية تتواصل من خلال المشاركة طحن الحبوب ونخله وعجنه وتقطيع العجين ورقه وخبز الخبز فكم من جارة تناوبت وجاراتها على تنور واحد فكان خبز التنور طقساً اجتماعيا تشاركياً».
ويضيف "علاوي": «كان لخبز التنور هالة روحية تتجسد في تحلق الأطفال حوله مترقبين خروج أول رغيف مستنشقين عبقه تلك الرائحة التي لا تقاوم وكم من عابر سبيل أو خاوي بطن نال نصيبه من الخبز».
كما التقينا الباحث التراثي "عيسى الحمد" والذي يقول: «التنور في "دير الزور" يدل على التواصل الاجتماعي، والود والمحبة بين نساء الحي الواحد، حيث اتخذ التنور ولازال صفة اجتماعية، فكان يؤلف بين نسوة القرية حلقة من التواصل اليومي ومجلساً للنساء خاصة عندما يكون الاجتماع على الخبز غروباً حيث يعتبر محطة راحة وتسلية بعد ساعات من العمل الشاق في الزراعة ،وكذلك الأمر ذاته بالنسبة للأولاد الذين يتصارخون فرحاً عند موعد الخبز فتراهم يتراكضون أمام أمهاتهم نحو التنور».
