البادية... ذاك الامتداد الشاسع الذي يعتمد أبناؤه في معيشتهم بالدرجة الأولى على الترحال والتنقل بحثاً عن الماء والمرعى، هي بالتأكيد ليست مجتمعاً يقتصر على البالغين، حيث يشكل الأطفال نسبة ليست بالقليلة فيه، وهذا ما يطرح سؤالاً هاماً يتعلق بقدرة الطفولة بنعومتها على تحمل مشاق هذا النمط من الحياة وكيف استطاعت البادية تهيئة صغارها بحيث يتمكنون من مواصلة ذاك النمط من الحياة حين يكبرون.

eSyria حاول متابعة هذه القضية مع أهل البادية ومن خبر حياتها، السيدة "جوزة الصميد" من عشيرة "الفدعان" حدثتنا حول الولادة في البادية عموماً والساعات الأولى بعد الولادة بالقول: «إن ولادة طفل عند البدو أمر كثير الوقوع ولا تصاحبه تلك المظاهر الاحتفالية التي قد تكون له في المدينة والريف، فالزواج والإنجاب أمر واجب في عرف أهل البادية كما أن العقم أمر جالب للخزي والازدراء، والبدوي يفرح بالمولود الذكر أما الإناث فغالباً لا ذكر لهن، حتى إنه إن سئل البدوي عن عدد أبنائه تكون الإجابة مقتصرة على تعداد الذكور غالباً.

لا توجد احتفالات خاصة بالطفل بالمعنى الحرفي للكلمة ماعدا ختان الذكور في السنوات الأولى حيث تجري عملية الختان ضمن طقس احتفالي خاص تذبح فيه الذبائح وتعقد الدبكات ويجري غالباً سباق للخيل وسط زغاريد النساء

أما عن الولادة فالبدوية إذا جاءها المخاض وهي في خيمتها هرعت النسوة كبيرات السن في العشيرة لمساعدتها وإن كانت في طريق سفر تكفلت هي بوليدها فقطعت الحبل السري ولفت الصغير بأقمشة معدة سلفاً ووضعته على ظهرها لتكمل سفرها، وهي غالباً إن كانت في بيتها لا تمكث إلا بضع ساعات بعد الولادة تقوم بعدها لممارسة أنشطتها العادية وحياتها اليومية كما كانت قبل الولادة، أما الطفل ففور ولادته تعمد النسوة إلى غسل بدنه بالرمل، وقد يلجأ إلى دهنه بالزيت ثم يستخدم الكحل بوضعه حول عيني الطفل واستعمال الكحل شائع جداً في البادية للذكور والإناث.

السيد حاوي غدير العجاج

يلف الطفل بعد ذلك بالقماش الذي يسمى "قماط" وتوضع على رأسه قبعة صغيرة تسمى "الكبع"، وتكون مزينة بالريش والتمائم المرتبطة بعقيدة الإصابة بالعين الشريرة وهي عقيدة شائعة عند البدو».

أما فيما يتعلق بتسمية المولود الجديد فقد سألنا السيد "محمد الفدعان" الذي أفادنا بالقول: «اسم المولود في البادية غالباً ما يكون حاملاً لإيحاء مرتبط بالبيئة الطبيعية والاجتماعية وقد يحدث أن تمر بالقبيلة حادثة ما فيكون اسم المولود مرتبط بشخوصها أو مرور ضيف ما أثناء الولادة فيسمى الطفل باسمه.

السيد محمد الفدعاني

وعموماً لا توجد عند البدو سجلات لحفظ المواليد الجدد وتثبيت تاريخ ولادتهم وقد يرتبط حساب سني العمر بالارتباط بحادثة شهيرة جرت سنة الولادة أو بعدد سني الانتجاع».

وبالنسبة للاحتفالات التي يمكن أن تقام في السنوات الأولى من عمر الطفل حدثتنا السيد "حاوي غدير العجاج" بالقول: «لا توجد احتفالات خاصة بالطفل بالمعنى الحرفي للكلمة ماعدا ختان الذكور في السنوات الأولى حيث تجري عملية الختان ضمن طقس احتفالي خاص تذبح فيه الذبائح وتعقد الدبكات ويجري غالباً سباق للخيل وسط زغاريد النساء».

وحول الوفيات وارتفاع نسبتها بين مواليد البادية حدثنا السيد "راغب الرزج" بالقول: «إن نسبة الوفيات بين مواليد البادية كبيرة نسبياً إذا ما قورنت بالنسبة في الريف أو المدينة، فالطفل ذو البنية الضعيفة قد لا تكتب له الحياة في البوادي لأن حياة البادية بحد ذاتها صعبة وقاسية يضاف إلى ذلك قسوة المناخ وانتشار الأمراض والأوبئة كالحصبة والحميراء التي قد تحصد أرواح كثير من الأطفال واقتصار العلاج على بعض الأعشاب والعقاقير المستخلصة منها».

وفيما يتعلق في الاختلاف بين الذكر والأنثى من حيث المعاملة في السنوات الأولى حدثنا السيد "مفرح الخلاوي" بالقول: «لا تختلف حياة المولود الذكر عن الأنثى في الطفولة المبكرة من حيث المشقة، فإن حياة التنقل تجعل الجنسين يتفتحان باكراً على صعوبة الحياة ومتاعبها.

كما أن كثرة الأبناء من الذكور والإناث لا تعطي مجالاً لحصول الطفل في البادية على حصة كافية من الحنان، وقد يترك لفترة ليست بالقصيرة دون مراقبة يلهو مع الأطفال الآخرين أو مع الحيوانات الصغيرة المحيطة بالخيمة، وطفل البادية حافٍ غالباً عند المشي مما يكسب قدميه الصلابة والقدرة على السير على الحصى».