في بلدنا رجال كثيرون أمضوا عمرهم في العمل الإنساني النبيل وكثيرون منهم من عرض نفسه للخطر من أجل إنقاذ شخص ما، من هؤلاء النبلاء الإطفائي "فيصل الشافعي" رجل أمضى عمره كله في فوج الإطفاء في "اللاذقية" وما زال حتى الآن في كامل قوته وعزيمته وتفانيه في عمله كإطفائي.
eLatakia التقى السيد "فيصل الشافعي" ليحدثنا عن تجربته وطبيعة عمله حيث تحدث بداية بالقول: «هذا العمل لم يكن من ضمن أحلامي، لكني طرحت الفكرة علي في عام 1982 من زميلي الإطفائي "أحمد نداف" عندما أقنعني بالمشاركة بمسابقة للتعين في فوج الإطفاء وفعلاً قبلت ونجحت لأني في بادئ الأمر رياضي جيد فتخطيت جميع الاختبارات وتم تعيني في تاريخ 21/10/1982، طبعاً عند دخولي على فوج الإطفاء اكتشفت أن الحياة لها شكل آخر بوجود أبطال في الألعاب الرياضية لسورية وعلى مستوى العالم هم منقذين، فكانوا سنداً لنا حتى يشتد ساعدنا لنقوم بالمهمات الموكلة إلينا.
العدد كبير جداً ولا أذكر بالتفصيل كم حريق أو كم شخص قمت بنجدته لأنك عندما تقوم بعمل إنساني لا تفكر حينها بلغة الأرقام والكميات
وفوج الإطفاء كان قديماً في شارع "عمر بن الخطاب" في "اللاذقية" وتم نقله إلى مكانه الحالي في نهاية السبعينيات، كان لدينا 12 سيارة إطفاء في تلك الفترة وعدد العناصر 40، كان "جميل شخيص" مدرباً لنا وفترة تدريبنا كانت قصيرة جداً فشاركنا بمهمات إطفاء الحرائق مباشرة».
وعن عدد الحرائق التي ساهم في إطفائها والناس الذين قام بإنجدتهم قال السيد "فيصل": «العدد كبير جداً ولا أذكر بالتفصيل كم حريق أو كم شخص قمت بنجدته لأنك عندما تقوم بعمل إنساني لا تفكر حينها بلغة الأرقام والكميات».
كما حدثنا عن المهام الأخرى التي يقوم بها الإطفائي غير المعتاد عليها: «كنا مسؤولين عن تأمين مياه الشرب عند الانقطاع للمواطن وتأمين مستشفيات للجرحى وحوادث الطرقات بالإضافة للمشاركة في الإنقاذ الناتج عن فيضانات وانهيارات، والغرق في البحر والأنهار والسدود».
عاد "الشافعي" بذاكرته إلى الوراء ليحدثنا عن حادثة تؤلم روحه حتى الآن فقال: «حصل حريق وانهيار مبنى ما في اللاذقية، وعند وصولنا اكتشفنا وجود حريق في صومعة من الصوامع الموجودة في مرفأ "اللاذقية" كذلك، فسهرنا ليالي لإطفاء الحريق وانتشال الضحايا من تحت حطام البناء الذي تعذبنا جداً للوصول إليهم، لعدم معرفة مداخل ومخارج المبنى، لكن من جهة أخرى حصل حريق وانهيار لبناء آخر قمنا بانتشال الضحايا والأشخاص الذين على قيد الحياة بكل سهولة لوجود شخص يعرف مداخل ومخارج المبنى، طبعاً تلك الحادثة دائماً موجودة في مخيلتي».
ومن جهة أخرى قص لنا حادثة يشعر بالفخر عند ذكرها فقال: «حدث حريق في منزل موجود فيه مجموعة من الأطفال فقمنا بنجدتهم رغم كثافة النار والدخان طبعاً هذا الموقف لا ينسى وبغض النظر أنك أنقذت أطفالا من الموت لكنك في النهاية قمت بزرع بصيص جديد من الأمل لكل إنسان تنقذه وهذا بالنهاية واجب إنساني تربيت على إنجازه فماذا لو كان ابنك أو أخوك مكان الأطفال وأحد أنقذهم فمن المؤكد أني سأكون فرحاً وفخوراً بالأشخاص الذين قاموا بذلك.
كما أن هناك حوادث أخرى كانت صعبة وشائكة مثلاً إنقاذ أناس موجودين في المصعد مع وجود حريق بنفس الوقت قمنا بنجدتهم بكل شجاعة وعزم، وبعد كل عمل نقوم بإنجازه يسكننا شعور لا يوصف، هو فرحة فخر واعتزاز، لا أدري، ولكن بالنهاية ضميري مرتاح».
وأضاف: «كنا وما زلنا عندما يكون هناك مهمة إنقاذ أو إطفاء نختلف على المجموعة التي ستقوم بالمهمة فالكل كان يحب الذهاب والمشاركة وأنا بشكل شخصي عرض علي كثير من المهمات الإدارية لكني رفضت لأن المهام الميدانية صارت مني ولا أستطيع أن أسمع بحادثة ولا أذهب لمكان الحدث، وحتى بعد تقاعدي من وظيفتي في فوج الإطفاء سأتابع بنفس المجال لأني عملت دورات في كيفية تعبئة اسطوانات الإطفاء وصيانتها لأن الموضوع بالنسبة لي أكبر من كونه عملا وظيفيا، صار أبعد بكثير فقد شربت هذا المهنة كما الطفل الذي يرضع من أمه ولا يستطيع البعد عنها وحتى أولادي "رنا" و"عبد القادر" و"محمد" قاموا بعمل دورات في الإطفاء والدفاع المدني، كما أتمنى أن يدرس الإطفاء كمادة أساسية في المدارس لأنه علم بحد ذاته يفيد الشخص الدارس له بالتعامل مع أي حدث طارئ».
أما عن الطرائف التي حدثت معه أثناء عمله فقال: «بلغنا بوجود حريق في بيت فذهبنا لمكان الحدث ففوجئنا بوصول سيارة الإسعاف والشرطة قبلنا ثم قمنا بالصعود لمكان الحريق المفترض فلم نجد أي شيء قمنا بالتقصي عن هذا البلاغ الغريب فكانت النتيجة رجل يقوم بتعنيف ابنه وزوجته بصوت عال جداً وفي الجوار الناس كل منهم حلل الموضوع على هواه فمنهم من اتصل بالإسعاف تخميناً منه بوجود إصابة ومنهم من أبلغ الشرطة خوفاً من وقوع أي حادث والآخر اتصل بنا».
