ذات يوم وفي زمن بعيد كان يدعى بزمن الآغاوات حضر الآغا إلى قرية "دوير طه" احد المساءات وطلب من احد أهالي القرية أن يغير موضع منزله ويزيحه بضعة أمتار مساء اليوم التالي بحجة أن جزءا منه واقع في ملك ذاك الآغا الذي هدد بأخذ كامل المنزل فيما لم يغير موضعه.
الطلب كما يبدو تعجيزيا الهدف منه اخذ المنزل وهكذا احتار صاحب المنزل في أمره واجتمع بوجهاء القرية بكافة أطيافها المتعددة وخرجوا بقرار مفاده أن يجتمع أهالي القرية من رجال ونساء ممن هم قادرين على العمل أمام المنزل المراد نقله صباح اليوم التالي وحضر الجميع وكونوا ورشة عمل انتهى عملها بنجاح قبل الموعد المحدد وتم نقل المنزل.
يحكى أن "طه" هو أول من سكن القرية وامتلك فيها أرضا فكان الناس يدعونها "دوير طه" وهكذا استمرت التسمية حتى مع تعدد الناس والمنازل فيها
وتقول الرواية: ما إن وصل خبر النقل إلى الآغا حتى حضر إلى المنزل ووقف مدهوشا مما رآه وسأل صاحب المنزل: كيف فعلتم ذلك؟ هل انتم أناس ام جان؟ فأجابه الرجل: نحن أناس نؤمن بان المحبة أمضى سلاح لمواجهة جميع الأعداء فرد عليه الآغا: إن أناسا مثلكم لا يمكن لقوة على ظهر هذه الأرض أن تهزمهم...
تلك الحكاية هي ما يتناقله الناس في قرية "دوير طه" محط رحالنا اليوم لنعرفكم إليها وعلى سر حكايتها السابقة التي رواها لنا المهندس "محمود كفا" احد سكانها والذي تابع يحدثنا: «قريتنا جميلة مسالمة تمتاز بتعدد أطيافها ويبلغ عدد سكانها حوالي 2000 نسمة ترتفع عن البحر 208 م وتبعد عنه 3 كم وعن "طرطوس" 14 كم تابعة لناحية "السودا"»
وتابع يحدثنا عن خصوصية القرية قائلا: «القرية كما أخبرتكم تتميز بتعدد أطيافها وإذا ما أردنا تعريفها أكثر فهي باختصار تختزل الحياة الاجتماعية للمجتمع السوري بشكل مصغر أي على مستوى القرية وليس الوطن زائرها لن يستطيع التمييز بين أهلها وسيكتشف فور دخوله ارض قريتنا التعايش والمحبة اللذين تنعم بهما القرية فنحن نعيش في ظل مقولة الوطن للجميع والدين لله».
وأكملت السيدة "وفاء علي" وهي ربة منزل تحدثنا عن العادات والتقاليد في "دوير طه" قائلة: «عاداتنا وتقاليدنا تختلف عن بقية القرى الأخرى فنحن خليط متعدد العادات تعلمنا منذ الصغر من أهلنا أن نعيش مع بعضنا أفراحنا ومناسباتنا ففي عيد الصليب نشارك إخواننا المسيحيين احتفالاتهم وفي الشهر الفضيل يشاركوننا عاداتنا وهكذا تمضي أيامنا كما ولدنا عليها واعتدناها وزائر قريتنا سينتبه إلى تلاصق جدرانها وبيوتها فتقريبا نصف القرية تشترك بسطح واحد فنحن لا نحتاج إلى أكثر من صعود الدرج لنقيم سهراتنا العامرة بالود والمحبة حتى أننا نزور بعضنا من خلال الأسطح دون الحاجة إلى الخروج من المنزل فانا استطيع الآن أن ازور نصف القرية فقط من خلال الأسطح».
ويحدثنا السيد "حكمت درغام" حلاق القرية عنها قائلا: «لم نسمع عن أي مشكلة أو حادثة بين أهالي قريتنا منذ مئات السنين والسبب هو حبنا لبعضنا وتعاضددنا وطريقة تربيتنا على المحبة والأخوة هكذا تربينا وهكذا نربي أولادنا ففي عيد الميلاد تقوم الكنيسة بتوزيع الهدايا على جميع أطفال القرية دون استثناء».
ويتابع يخبرنا عن حدودها وموقعها فيقول: «تقع شمال شرق مدينة "طرطوس" يحدها من الغرب "الرويسة ومعمل الاسمنت" ومن الشمال بلدة "حصين البحر" و"بعشتر" ومن الشرق "البريج" ومن الجنوب "بلاطة"».
وتحدثنا السيدة "إيمان طحموش" وهي معلمة للغة العربية في مدرسة القرية قائلة: «انتقوا أي بيت في القرية وادخلوه فستجدون فيه كتاب القرآن الكريم إلى جانب الكتاب المقدس على طاولة واحدة وستجدون الرجال يستشهدون بكافة الأديان نتيجة الاطلاع والقراءة في كتب الأديان كافة».
وتابعت تحدثنا عن المحاصيل الزراعية في القرية قائلة: «تشتهر بالزراعات المحمية والخضراوات والزيتون والحمضيات واغلبها للاكتفاء الذاتي حيث أن معظم أهالي القرية يعملون في الوظائف الحكومية ونسبة الأمية لدينا صفر».
ويحدثنا الأب "بطرس حبيب" خوري رعية "دوير طه" عنها قائلا: «في كل المناسبات نجتمع تجد الخوري بجانب الشيخ خصوصا في المآتم نشارك بعضنا كل شيء حتى العمل والإحسان ننظم الحفلات ونعيش الفرح بكل معناه حتى إن الخوري الذي سبقني كان يقوم بزيارات لكل منازل القرية دون استثناء لمباركتها وتقديم النصح من اجل حياة أفضل».
وبالنسبة لمعنى اسم القرية فهناك رواية ضعيفة عنه مفادها كما حدثنا المهندس "محمود كفا": «يحكى أن "طه" هو أول من سكن القرية وامتلك فيها أرضا فكان الناس يدعونها "دوير طه" وهكذا استمرت التسمية حتى مع تعدد الناس والمنازل فيها».
وبينما كنا نجول في القرية لاستكمال مادتنا التقينا بأحد زوارها والذي أصر على أن يحدثنا عما يراه في "دوير طه" وهو السيد "محمود شاش" من قرية "رأس الكتان" حيث قال: «لي علاقات اجتماعية مع اغلب سكان القرية أزورها باستمرار وخصوصا في الأعياد سواء المسيحية أو الإسلامية فطقوسها رائعة ويجتمع فيها الجميع في ساحة القرية ما يدهش في هذه القرية الحب الذي تراه في عيون سكانها وطريقة التعايش فيما بينهم تشعر وكأنك تزور أسرة محبة وليس مجرد قرية».
وللوصول إلى قرية "دوير طه" هناك طريق واحد هو طريق عام "طرطوس- الشيخ بدر".
