الكوميديا السياسية السوداء هي وصف لواقع نعيشه أو يعيشه البعض في ظل ظروف أقرب إلى الصعبة من حيث التعامل، وإلى الغريبة من حيث المبدأ، وخاصة عند التطرق إلى وضع الأمة العربية ومواقفها المتعددة تجاه الأحداث والعمليات العسكرية في قطاع "غزة" الفلسطيني، وكيف يكتفي بعض زعمائها بالتنديد والاستنكار خلال قمة جمعتهم من المحيط إلى الخليج، وهذه قراءة واضحة أطلقتها وأعلنتها فرقة "طائر الفينيق" خلال فعاليات مهرجانها السنوي "مسرح الهواء الطلق" بدورته الثانية، ضمن عمل مسرحي يحمل عنوان "بانوراما طائر الفينيق" .
حيث تحدث العمل المسرحي عن عقد قمة عربية لمناقشة واقع قطاع "غزة" في ظل اجتياح بني صهيون له، ومعاناة الأهالي للجوع الفقر والحرمان، عبر صور واقعية رمزية، وما أسفرت عنه هذه القمة من نتائج متوقعة مسبقاً، وهنا يقول الأستاذ "فؤاد معنا" مدير فرقة "طائر الفينيق" لموقع eSyria: «العرض المسرحي "بانوراما طائر الفينيق" عمل كوميدي سياسي ساخر، يتحدث عن الواقع العربي بشكل عام، وعن الموقف العربي تجاه ما يحدث في قطاع "غزة" بشكل خاص في فترة من الفترات، مما أدى إلى عقد قمة عربية طارئة، لبحث الموقف العربي والرد على العدوان، وما سبب التباطؤ ونسيان عامل الوقت والزمن للرد، إضافة إلى البحث خلال القمة واقع المواطن العربي أينما وجد على مساحة الوطن العربي، وتوضيح هذا من خلال صورة رمزية واقعية، لأنه موضوع من اهتماماتنا كفرقة "سورية"، تؤمن بأن الوطن العربي وحدة واحدة لا تتجزأ، فالكوميديا السياسية الساخرة ليس تجربة أولى بالنسبة لنا» .
إن شر البلية ما يضحك، حيث أن بعد ثلاثة وثلاثين يوم من الحصار الدائم على "غزة" يقف الزعماء العرب لينددوا ويستنكروا، وهذا جعل النص الدرامي الذي هو من تأليفي وإخراجي يلبس ثوب الكوميديا السوداء، فنسمع ضحكات وقهقهات الحضور المتعالية على الحزن الذي يعصر قلبها من هول ذكرى هذا الحدث
ويتابع: «إن شر البلية ما يضحك، حيث أن بعد ثلاثة وثلاثين يوم من الحصار الدائم على "غزة" يقف الزعماء العرب لينددوا ويستنكروا، وهذا جعل النص الدرامي الذي هو من تأليفي وإخراجي يلبس ثوب الكوميديا السوداء، فنسمع ضحكات وقهقهات الحضور المتعالية على الحزن الذي يعصر قلبها من هول ذكرى هذا الحدث» .
وعن نص العرض يقول: «إن الإضاءة والصوت والديكورات والمؤثرات الخاصة، تحتاج إلى تقييم معايير وأداء خلال العرض، وخلال ثواني من بدءه، لكي لا تكون ذات تأثير سلبي على النص الدرامي، وخاصة أننا نعرض في الهواء الطلق، وهذا عمل كنت مسؤول عنه خلال العرض المسرحي أيضاً، فنحن كفرقة ومدير نعرض في الهواء الطلق منذ عام "1999" ضمن جميع مناطق ومدن المحافظة، مبتغين بذلك الذهاب إلى المشاهد أينما وجد» .
في العمل تم اختيار مجموعة من الأشخاص، لكل منهم عمله الخاص البعيد عن المهمة التي تم اختياره من أجلها خلال مراحل عقد القمة، وهنا تقول الممثلة "اليانا سعد" من فرقة "طائر الفينيق": «خلال العمل المسرحي وقبل عقد القمة العربية، دوري هو موظفة في ملهى ليلي، حيث طلب مني "المخرج" وهو دور أحد الممثلين في العمل بعد تعرفه عليّ، أن أعمل كصحفية لتغطية وقائع القمة العربية والنتائج الصادرة عنها، في جو من الكوميديا السوداء، التي تحاكي الواقع العربي بخطوطه العريضة لخلق نوع من المحاكاة الإنسانية والانبعاث والتجدد» .
و"قاسم" هو رجل يعمل بائع جوال، وتم اختياره ليعمل كصحفي مع بدء عقد القمة، وهنا يقول الممثل "هاني فؤاد معنا" الذي جسد هذا الدور: «أنا أعمل ببيع المواد البسيطة ضمن صندوق أحمله على كتفي، لأعيش منها، إلى حين تم دعوتي من قبل شخص معين من قبل الأمير "مزود" كمخرج، للمشاركة في العمل كصحفي لتغطية نتائج القمة العربية المنعقدة نتيجة العدوان "الإسرائيلي" على "غزة"، والتي لم نكن نعرفها قبل العدوان، وكنا نستغرب عند ذكر اسم "غزة" ونعتقده اسم لفتاة جميلة لا نعرف من أين هي، لحين علمنا أن "العدوان الإسرائيلي" يقصف "قطاع غزة الفلسطيني"، فخفنا وتراجعنا إلى الوراء» .
ويضيف: «العمل ينطوي تحت الكوميديا السوداء، حيث ترى الكثير من الضحك والسعادة في العلن، ولكن وراءه عدم معرفة من تكون "غزة" وأين هي وما مشكلتها، حيث وجهنا ضمن العرض من يرغب في الوقوف إلى جانب "غزة" ومن لا، موضحين أن النتائج من مؤتمرات القمة العربية هي التنديد والاستنكار دوماً، وموائد الطعام أيضاً، في حين نحن نحتاج إلى أكثر من هذا» .
وفي لقاء مع الشاعرة "أحلام غانم" المشاركة في لجنة تقييم العرض تقول: «مهرجان "طائر الفينيق" هو حلم المدينة الحالمة النائمة على زند "البحر المتوسط"، ولا يستطيع قتلها لا الجمر والبارود، فلغتها إنسانية أعطتها للبشرية أجمع، والمسرح اليوم أعتقد أنه تمكن من استعادة جمهور المسرح النائم تحت الرماد بحساسية فائقة وإدراك نافذ، ليعيد تأكيد مقولة المسرح أبو الفنون، حيث يرصد المخرج والمؤلف الأستاذ "فؤاد معنا" خسارته وخسارتنا المتلاحقة بروح رياضية إذا جاز التعبير، وباستعداد لمواجهة كل ما يطرأ على الحياة، من مسارات وخيارات بما في ذلك الموت، الذي يرى به الحياة الأروع، ويبدو ك"طائر الفينيق" الناهض من بين الرماد ليعود قوياً متجدداً متحدياً الصعاب ومواجهاً أسباب السقوط والهزيمة في المعركة والحياة والعمل» .
وتتابع: «جميع الإسقاطات التي تمت خلال العرض كانت موفقة و ناجحة بشكل ممتاز، لأنها جذبت المشاهد والحضور جميعاً، فسمعنا قهقهات وضحكات الكثيرين منهم، فهي قراءة صريحة للجراح الكبيرة في الحياة العربية بشكل عام، إضافة إلى الأداء المميز للممثلين الذي بدا واضحاً الدقة والإتقان للحركات المعبرة عن الكلام، والفكرة المتأصلة التي تطرق للمرة الأولى في المحافظة، مما أعطى وحدة عمل متكاملة العناصر الفنية» .
أما الآنسة "غصون يوسف" أحد الحضور، رأت في المهرجان والعرض المسرحي روح التجدد والإنبعاث في الحياة المسرحية "الطرطوسية" الذي أنشأ مكوناً ثقافياً وضعه بين أيدي الناس من خلال الفكرة التي أوصلها بشكل جيد، والجهد الفني الذي لا يمكن نكرانه للممثلين، مضيفةً: «عندما نرى هذا الانجاز الكبير بتلك الإمكانيات الصغيرة والمتواضعة، نأسف لعدم دعم هذا المهرجان مادياً ومعنوياً وإعلامياً، حيث يجب ألا يطغى الفقر عليه ضمن فعالياته، لأننا بحاجة ماسة إلى هذا النوع من المسارح التي تحمل فكرة توجيهية تنويرية تجاه الأحداث والواقع، وهذا ضروري أن يصل إلى أكبر عدد من فئات المجتمع كافة» .
مؤكدة أن: «حضور المسرح شيء جميل وممتع ومفيد، وهو فكرة رائعة لممارسة عملية التوعية للمواطنين تجاه أحداث وأفكار معينة، وهو إغناء للحركة الثقافية والوعي الثقافي في "طرطوس"، خاصة أننا في زمن الصوت والصورة والكليب الغنائي والتضحيات والعيش على الهامش، لذلك أعتبر هذا المهرجان بجميع فعالياته قفزة نوعية في طريق الحركة الثقافية» .
