يجتمع الرجال في البادية بما يسمى "الربعَةَ"، والتي تقابل "الديوان" لدى أهل الحضر، ففي "الربعَةَ" تدار الجلسات، وتقدم القهوة المرة، وتعزف "الربابة" التي يرافقها قول "القصيد".
ولأخذ نظرة أكثر وضوحاً عن "الربعات" التقى eSyria السيد "مفرح هادي الخلاوي" وهو من سكان البادية، وينتمي إلى قبيلة "العنِزة"، من فخذ "الفدعان" فبدأ حديثه معنا قائلاً: «تتشابه "الربعَةَ" و"الديوان" في أغراضهما من حيث هي متلقى للناس فيها، والفرق الأساسي بينهما هو أن "الديوان" يبنى عادة من البيتون المسلح أو قديماً من اللبن والطين، أما "الربعَةَ" فهي بيت شَعَر، وسميت الربعة بهذا الاسم لأن "الرَبِع" "الأهل، والأصحاب" يجتمعون بها، إذ يجتمع "الرَبِع" مساءً في "ربعة" شيخ العشيرة أو "صاحب القهوة"، بمعنى آخر ببيت يسمى "بيت معنى" أي بيت يعنون أو يتوجهون إليه ويقصدونه طلباً للجلوس والتسامر، والمقصود بـ"صاحب القهوة" هو رجل معروف هو وأهله أباً عن جد بالكرم، ويعتبر جلوس الناس عنده شرف له، وإن الفقر لا يعفيه من استضافة الناس، ومن العيب الشديد أن يعتذر عن ذلك، لأنه حتى الأغنياء من البدو الراغبين في أن تقام عندهم هذه الجلسات لا يسمح لهم بذلك لأنه شيء تخص به الفئة الكريمة من الناس والمحافظة على الكرم أباً عن جد».
العتابا هي ما يقال من غناء شعبي على نغمات الرباب، ويقال للرجل الذي يغني على الربابة "شاعر" أو "مربرب" بلغة العوام
ثم يتابع السيد "مفرح" حديثه شارحاً كيفية إدارة الجلسة في "الربعة": «يسمى الحديث عند البدو "الهرْج" أو "السوالف" والذي يكون عند الأكبر سناً أو عند الراوي، ويسمى حكي البدو الأقدمين "مشترى وبيع" ومعنى ذلك أن يتكلم شخص واحد ولا يتكلم آخر إلا إذا أنهى الأول كلامه، ويعتبر من عيوب الحديث أن يستأثر شخص ما بالحديث، ولا يدع مجالاً لغيره، أي "يستلم المجلس" فينبهه الأكبر سناً قائلاً له: "خلّه الدور لغيرك" لأن الحديث إذا جاء من شخص واحد يعتبر مملاً وخصوصاً إن كان هناك من في المجلس يعرف هذا الموضوع الذي يتكلم عنه، وإذا اضطر شخص لمقاطعة من يتكلم وذلك لضعف رواية المتكلم، فيتم ذلك بأن يقول له "اشترِ مني"، فإذا عارضه المتكلم فيرد المقاطع للحديث ويقول له: "اعطيني دليل" أو "قصيد" ولو بيتين من الشعر، فإذا عرف قال له: "صح لسانك".
ومن آداب "الربعَةَ" ألا يرتكي فيها صغير السن ويسمى "غليم" بوجود من هو أكبر منه، و"المركى" أي مكان اتكاء الرجال عادة ما يكون مشتركاً فيما بينهم.
وإن أصغر "ربعَةَ" تتسع لحوالي عشرين رجلاً، بينما "الربعات" الكبيرة فتتسع من 50 إلى 55 رجلاً».
أما بالنسبة لما يعزف في "الربعَةَ" من ألحان وما يقال من "قصيد" فبينه "الخلاوي" بقوله: «إلى جانب الأحاديث والقصص التي تروى، فهناك وقت في المجالس للاستماع إلى عزف "الربابة"، والتي يرافقها "وحي": "وهو تسمية لصوت الرجل الذي يقول القصيد أو يغني مع الربابة"، والألحان التي تدق "تعزف" على الربابة عادة لا تتجاوز خمسة ألحان، لكن القصيد كثير، وغير محدد، ولا يشترط جمال الصوت لمن يغني مع الربابة، إنما الفحوى بأبيات الشعر التي يقولها، والتي هي كذلك ليس من الضرورة أن تكون من تأليفه، إنما هي أبيات يحفظها ويستطيع أن يؤديها.وللقصيد مكانة كبيرة عند البدوي، إذ كما يقولون: "السالفة أي الحكاية، ملحها أو شاهدها القصيد"».
وأكثر ما قيل من شعر مرافقاً للربابة هو العتابا، كما يوضح ذلك المرحوم الباحث "أحمد شوحان" في كتابه "ديوان عبد الله الفاضل وقصة حياته" بقوله: «العتابا هي ما يقال من غناء شعبي على نغمات الرباب، ويقال للرجل الذي يغني على الربابة "شاعر" أو "مربرب" بلغة العوام».
كما يستقبل الضيوف في الربعة ويتم إكرامهم فيها ويعتبر الضيف ضيف الجميع في البادية، ومما جاء في إكرام الضيف في الموسوعة العربية العالمية، في القسم الذي تحدث عن القبيلة ما يلي: «أما رجال القبائل في الشرق العربي فقد اشتهروا عبر تاريخهم الطويل بكرم النفس ورحابة الصدر والنخوة وإكرام الضيف، ويرى بعضهم أن استقبال الضيف في أي وقت من ليل أو نهار واجب مفروض عليه أداؤه، وإذا أقبل شخص على جماعة يأكلون يشاركهم طعامهم دون دعوة من أحد ويسقى الضيف القهوة العربية ثلاث مرات قبل أن يسأل عن حاجته التي أتى من أجلها وعن عشيرته، وليس فقر الرجل أو غناه سبباً في رفض استقبال الضيف، فإن لم يجد شيئاً يقدمه لضيفه استدان حتى يكرم ضيفه».
** مصادر تم الرجوع إليها:
الموسوعة العربية العالمية، الجهة الناشرة مؤسسة (أعمال الموسوعة)، في المملكة العربية السعودية.
ديوان "عبد الله الفاضل وقصة حياته"، للمرحوم الباحث "أحمد شوحان"، صفحة 16.
