تقع "المدرسة الشاذبختية" أو كما تُعرف بجامع "معروف بن جمر" إلى الغرب من "قلعة حلب" وتحديداً في وسط "سوق الزرب" /"سوق النشابين" سابقاً/ الذي ينتهي غرباً بباب إنطاكية وشرقاً بالقلعة، وهي من المدارس القديمة في مدينة "حلب" التي ضمت ولأول مرة محراباً رخامياً مزخرفاً بزخارف هندسية متشابكة.
للحديث عن تاريخ هذه المدرسة ومميزات عمارتها، موقع eAleppo التقى بالباحثة الأثرية الدكتورة "لمياء الجاسر" التي افتتحت حديثها بالقول: «قام بتشييد هذه المدرسة "شاذبخت" معتوق الملك العادل "محمود بن زنكي" سنة 589هجرية 1193 ميلادية وذلك مؤرّخ على بابها، وقد عُرفت أيضاً بالمدرسة "العديمية" نسبة إلى أحد مدرسيها من "بني العديم"، أما الشيخ "معروف" الذي تنسب إليه المدرسة منذ أوائل هذا القرن فلم يُعثر على ترجمة له».
قام بتشييد هذه المدرسة "شاذبخت" معتوق الملك العادل "محمود بن زنكي" سنة 589هجرية 1193 ميلادية وذلك مؤرّخ على بابها، وقد عُرفت أيضاً بالمدرسة "العديمية" نسبة إلى أحد مدرسيها من "بني العديم"، أما الشيخ "معروف" الذي تنسب إليه المدرسة منذ أوائل هذا القرن فلم يُعثر على ترجمة له
وأضافت: «في حوالي العام 1924م أخرج المتولي عليها "محمد رضا الخواجكي" حانوتين منها اقتطعهما من الإيوان وعمّر حُجرتين صغيرتين يسار القبلية وحُجرة كبيرة يمينها وهناك نص فوق باب الأخيرة يؤرّخ ذلك، وفي العام 1928م أنشئ البئر شمالي الصحن وهناك نص على واجهته يؤرّخ ذلك، وفي العام 1976م تم تحويل ملقف كان في جدار الإيوان إلى دكان فتح على الشارع وفي العام 1988م أُجريت للقبلية أعمال إكمال من زريقة ودهان وتبليط موزاييك».
وعن مخطط هذه المدرسة قالت "الجاسر": «تتألف المدرسة من المدخل وفيه بوابة خارجية مسقوفة بنصف قبة نصف كروية مفصصة تستند على مقرنصات أما الدهليز فمسقوف بقبة منخفضة مسنودة على رقبة قليلة الارتفاع مضلّعة /12/ضلع تستند على قوسين مقطوعين فوق البابين وجدارين جانبيين، ثم الباحة وهي مستطيلة الشكل مبلّطة بحجارة صفراء، والقبلية تنقسم بواسطة قوسين مدببين إلى ثلاث مجازات أوسطها يضم محراباً، أما المجازان الطرفيان فقد سُقف كل منهما بنصف قبة مربعة مبنية بالحجارة المنحوتة، إنّ المحراب الرخامي الموجود في قبلية "المدرسة الشاذبختية" يشبه محراب "مدرسة الفردوس" وقد كُتب عليه اسم صانعه "أبي الرجاء وعبد الله بن يحيى"، تجويفه نصف دائري متجاوز ويتناوب فيه اللونان السماقي والأبيض ويضم ناصيتين مجوفتين يتقدمهما عمودان من الرخام الأبيض لهما تاجان مزخرفان بصفين من الأشكال الحلزونية وواجهته عبارة عن خطوط مضفورة ومتشابكة على هيئة أنصاف الدوائر تضم فيما بينها فراغات مثلثية.
أما الإيوان فهو كبير وقد اقتطع جزء منه، على طرفيه خزن جدارية يعلوها قوس مستقيم وفوقه قوس مثلثي عاتق وهو مسقوف بقبو متطاول ينفتح على الباحة بقوس كبير مدبب وينتهي من الداخل بنصف قبو مربع وهو مبني من الحجارة المنحوتة جيداً، وهناك أيضاً غرفة الأساتذة وتُستعمل اليوم كغرفة للشيخ، أما المدفن فيرتفع عن الباحة بثلاثة درجات ويضم ضريح الشيخ "معروف بن جمر"».
وأخيراً تحدثت الدكتورة "لمياء" عن مميزات العمارة في "المدرسة الشاذبختية" بالقول: «من حيث التصميم المدرسة صغيرة الحجم، القبلية مستطيلة وهي ممتدة مع الجدار الجنوبي ومقسّمة بواسطة قوسين إلى ثلاثة أقسام شأن باقي المدارس الأيوبية، كما اُستعمل فيها المدخل المنحرف عن القبلية ليسمح بوضع الإيوان في مواجهة القبلية وهو مكوّن من بوابة أمامية مقرنصة ودهليز، وفي مجال الإنشاء فقد اُستعمل في التسقيف القبو المتطاول /الإيوان/ والمربع /القبلية/ ونصف قبة نصف كروية مفصصة /المدخل/ وقبة حجرية نصف كروية /المدفن/ ومنخفضة /القبلية ودهليز المدخل/ وفوق رقبة مثمنة /المدفن/ أو اثني عشرية /دهليز المدخل/ أو بدون رقبة /القبلية/، وفي الواجهات تم استعمال القوس المدبب /القبلية والإيوان/ والعاتق /المدخل والإيوان/ ونعل الفرس المدبب /دهليز المدخل/ والمجزوء /غرف المجاورين والقبلية/ والمفصص والعقد المركب /المدخل/ والعقد الثلاثي /القبلية/.
وبالنسبة للزخرفة فقد ظهر في المدرسة ولأول مرة المحراب الرخامي المزخرف بزخارف هندسية متشابكة والبوابة المقرنصة كما اُستعملت فيها الزخارف الحلزونية وذك في تيجان أعمدة المحراب في القبلية».
أما الباحث الأثري المهندس "عبد الله حجار" فيقول عن المدرسة: «"الشاذبختية" هي مدرسة وتربة ينتهي بابها بنصف كرة ومقرنصات بديعة وبالداخل غرفة مربعة كان يتقدمها أقواس تهدمت في الوجه الغربي للباحة الداخلية وتعلو القبلية قبة تضم محراباً رائعاً أيوبي الطراز من المرمر وفيه عمودان مرمريان ينتهيان بتيجان جميلة وفي أعلاه لوحة كُتب عليها سطران بخط نسخي أيوبي <<عمل "أبي الرجا وأبي عبد الله ابني يحيى رحمهما الله>> وهما نفس الأخوين اللذين كتبا اسمهما على محراب "مشهد الحسين"».
وحول الكتابات الموجودة في المدرسة يقول "حجار": «في أعلى مدخل الباب توجد كتابة نسخية بأربعة اسطر أبعادها 90سم-35سم تتضمن: <<بسم الله الرحمن الرحيم، وقف هذه المدرسة على أصحاب الأمام الأعظم سراج الأمة "أبي حنيفة" رضي الله عنه في أيام الملك الظاهر "غازي بن يوسف" عز نصره العبد الفقير إلى رحمة ربه "شاذبخت" عتيق الملك العادل "محمود بن زنكي" في سنة تسع وثمانين وخمسمائة>> وهذه الكتابة نفسها موجودة على نجفة نافذة غرفة المدفن المطلة على السوق والتي تحوي قبر الشيخ "معروف"، وفي قرص دائري موجود أسفل كتابة المدخل توجد كتابة أخرى وهي مكتوبة بالخط النسخي الأيوبي وتتضمن <<صنعة "قاسم بن سعيد" الفقير إلى رحمة الله>> وكلمة الله موجودة في أعلى القرص كالعادة، ويُعتقد أنّه اسم معمار المدرسة».
ويضيف: «حال الدخول من "باب إنطاكية" الخشبي الكبير والمغطى بالأربطة الحديدية والمسامير الكبيرة نجد في سقف البرج من الداخل كرة معدنية قطرها حوالي 20 سم معلقة بسلسلة تُسمى "كلّة معروف" وتنتسب إلى الشيخ "معروف بن جمر" البطل العربي الفدائي أيام الفرنجة والمدفون في "المدرسة الشاذبختية" على بعد حوالي 700 متر إلى الشرق من "باب إنطاكية"، أما "شاذبخت" باني المدرسة فقد كان طواشياً هندياً مملوكاً لنور الدين وقائد القلعة عند موت "نور الدين" في أيار من العام 1174م وهو الذي أمّن خلافة الصالح "إسماعيل" الابن الأصغر لنور الدين وقد كان مقيماً في "دمشق" وذلك بأخذ ولاء كبار أمراء "حلب" له قبل أن ينتشر خبر وفاة "نور الدين"».
وفي المصادر التاريخية، يقول الشيخ "كامل الغزي" 1853 -1933 في الجزء الثاني من كتابه /نهر الذهب في تاريخ "حلب"/ ما يلي: «مسجد الشيخ "معروف" محله في أواسط "سوق الضرب" بالصف الموجّه شمالاً وهو ليس بمسجد إنما هو مدرسة كانت تُعرف باسم "الشادبختية" نسبة إلى منشئها الأمير "جمال الدين شاذبخت" الخادم الهندي الأتابكي الذي كان نائباً عن "نور الدين محمود بن زنكي" بحلب وعُرفت أيضاً بالعديمية نسبة لأحد مدرسيها من "بني العديم" وأما الشيخ "معروف" المنسوبة إليه /المدرسة/ في عصرنا فهو رجل يقول الناس عنه إنّه أحد الأبطال الفداوية ولم أر له ترجمة».
أما المؤرخ "محمد راغب الطباخ" 1877 -1951م فيقول في الجزء الثاني من كتابه /إعلام النبلاء بتاريخ "حلب" الشهباء/ مايلي متحدثاً عن الآثار التي خلفها نواب "نور الدين" في مدينة "حلب": «"المدرسة الشاذبختية" أنشأها الأمير "جمال الدين شاذبخت" الخادم الهندي الأتابكي وكان نائباً عن "نور الدين محمود" في "حلب" وأول من درّس فيها "موفق الدين أبو الثناء محمود بن النحاس" ثم "عمر بن العديم"، ويقول "ابن الشحنة" ولم يزل المدرسون ينتقلون بها إلى أن اتصلت إلى سيدي الوالد /والد "ابن الشحنة"/ ومن بعده إليّ /أي إلى "ابن الشحنة"/ بورود توقيع شريف باسمي بعرض الأمير "سيف الدين قصروه" نائب "حلب" ولم تزل بيدي حتى نزلت عنها لولديّ "أبي اليمن محمد" و"أبي محمد عبد البر"».
وحول أهم الذين درّسوا في "المدرسة الشاذبختية" يقول "ابن شداد" 1217-1285م–مؤرخ "بلاد الشام" في عصر "الظاهر بيبرس" في كتابه /الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء "الشام" و"الجزيرة" /: «أول من درّس فيها "موفق الدين أبو الثناء محمود ابن النحاس" ثم وليها بعده "صفي الدين محمد بن أحمد بن يوسف الأنصاري" /السلاوي/ ولم يزل مدرّساً فيها حتى توفي في شهر رجب سنة عشرة وستمائة فوليها بعده ولده "شمس الدين محمد" ولم يزل مدرّساً فيها حتى توفي فوليها بعده "نجم الدين أحمد بن الصاحب كمال الدين ابن العديم" الذي توفي سنة ثمان وثلاثين وستمئة فوليها "افتخار الدين أبو المفاخر محمد بن يحيى بن محمد بن أبي جرادة" المعروف بابن العديم».
