استقرار اجتماعي نموذجي، وجلّ المنازل السكنية الحديثة بقروض مصرفية، تلك هي بعض العلامات الفارقة في بلدة "القمصية" بحسب حديث مختار البلدة، الذي يعتبر الناحية مدينة صغيرة متكاملة الخدمات باستثناء النقل الداخلي، معتمدة على وسائل النقل العامة بين مركز البلدة وقراها.

وبلدة "القمصية" هي إحدى نواحي مدينة "الشيخ بدر"، التي تبعد عن مركز محافظة "طرطوس" حوالي ثلاثين كيلومتراً، ارتفاعها عن سطح البحر 600 متر، بإطلالة تمتد من مدينة "طرابلس" جنوباً حتى محافظة "اللاذقية" شمالاً، لتشمل أيضاً قلاع "المرقب، القدموس وأرواد"، عندما يكون الجو صافياً.

توجد مساحات حراجية طبيعية بنسبة حوالي سبع عشرة بالمئة من مساحة البلدة، وأغلبها أشجار طبيعية، إضافة إلى مساحة بسيطة مشجرة اصطناعياً في موقع "المسطح"

مختار البلدة "عارف علي محمد"، حدثنا في بداية لقائنا عن مواقع منزله ومجلس البلدة، فسألناه عن باقي الأحياء وأقدم العائلات التي سكنت فيها، وأجاب: «توجد في البلدة عدة أحياء هي "الكروم، بيدر الزعتر، القنبر، وبيت الصافتلي"، والعائلات الأساسية هي "إسماعيل، المحمد، حميد ورضا"، حيث كان آل "المحمد" من ملاك القرية وأراضيها، وقد عرفوا بسمعتهم الحسنة وفعل الخير حتى اليوم، ويقال إنّ التسمية جاءت من "القانصة"، وهي كلمة رومانية بحسب ما هو متداول».

المختار "عارف محمد"

أغلبية سكان البلدة هم في الأصل من أبناء المنطقة، فما المستوى المعيشي؟ بحسب تحليله: «التعداد السكاني هو خليط من الجوار، والمستوى المادي متوسط؛ حيث توجد نسبة حوالي أربعين بالمئة تحقق الاكتفاء الذاتي، وحوالي عشرة بالمئة بحاجة دائمة ومستمرة، وتوجد نسبة حوالي خمسين بالمئة من تعداد السكان يعملون في القطاع العام، والعديد من المحلات الحرفية المتنوعة، مثل الحدادة والنجارة، كما توجد عدة محلات جملة ومفرق».

إذا كانت الطبقة متوسطة الدخل تشكل أغلبية سكان بلدة "القمصية"، فما مستوى التكافل الاجتماعي؟ هو مصدر لراحة الأهالي ومركز الناحية أيضاً، بحسب قوله: «بشكل عام البلدة خالية من الخلافات، ويوجد تفاهم بشكل ممتاز، وربما يعود ذلك إلى أنّ معظم الأهالي غير ملاكين للأراضي، فلا توجد خلافات جذرية، وحتى الشكاوى الخفيفة المقدمة للناحية نادرة، وبحسب معلوماتي توجد شكويان خلال الأعوام السابقة».

رئيس مجلس البلدة "نبيل محمد"

بحسب المساحات الخضراء على طول الطريق المؤدي إلى البلدة، فأشجار "الزيتون" تشكل إحدى الزراعات الهامة، لكنّ كلامه بين أنّ هناك طفرة استثنائية، وعلى مستوى بعض المحاصيل؛ فذلك لقلة مياه الري: «نسبة الاعتماد على الزراعة أقلّ من الوسط، فأهمّ الزراعات البقوليات، وهي لاتكاد تكفي للمؤونة، أما "الزيتون" فلم ينجح في أراضي البلدة، على الرغم من الإجراءات المتعددة بقصد تحسين الإنتاج، كجهود فردية أو مع الوحدة الإرشادية، علماً أنّ أشجاره في المناطق المجاورة عادية وجيدة».

في مثل هذه المناطق المرتفعة، نتوقع أن تشكل مادة "التفاح" أحد أهمّ المحاصيل، لكن يبدو أنّ السؤال يخص فترة ما قبل عقد ونصف من الزمن: «بالنسبة للأشجار المثمرة، توجد البعض منها للحاجات المنزلية، وكانت هناك مساحات هامة من أشجار "التفاح"، لكنها بدأت تدريجياً بالتناقص بسبب الآفات الأرضية، ولم يتبق منها إلا القليل، وقد كانت لجنة التسويق قبل ذلك تبقى لمدة أسبوعين تقريباً في مقر "الجمعية التعاونية الفلاحية" لتسويق مادة "التفاح"، حيث كان يقدر إنتاج الموسم بحوالي 150 طناً».

أحد شوارع البلدة

ويفسر تراجع هذا المحصول بحسب خبرته: «يمكن القول إنّ سبب هذه الآفات الأرضية هو قدم تربة الأراضي الزراعية التي تحتوي على أشجار "التفاح"، وبالمقارنة مع تربة منطقة "القدموس"، نجد أنّ الأراضي الزراعية هناك حديثة بالنسبة لأراضي بلدة "القمصية"، والآفات الأرضية هناك أقلّ، وبحسب معلوماتنا، أنه في الفترة التي اشتهرت فيها بلدة "القمصية" بإنتاج مادة "التفاح"، كانت حينها بدايات إنتاجه بالنسبة لمنطقة "القدموس"».

وماذا عن حصة "الحراج" في البلدة؟ هي النسبة الخضراء الأكثر استقراراً بحسب قوله: «توجد مساحات حراجية طبيعية بنسبة حوالي سبع عشرة بالمئة من مساحة البلدة، وأغلبها أشجار طبيعية، إضافة إلى مساحة بسيطة مشجرة اصطناعياً في موقع "المسطح"».

لم نشاهد أية مواقع أثرية أثناء مجيئنا؛ فهل هي بعيدة عن الشارع العام؟ هي بأغلبيتها مكتشفات حديثة كما أوضح، لكنها تقع تحت مستوى سطح الأرض: «المعالم الأثرية الموجودة حتى الآن؛ هي موقعان أثريان تمّ اكتشافهما منذ حوالي عامين ضمن البلدة، أحدهما قرب مقر البلدية، يمثل مدافن جماعية أثرية، وقد تمّ اكتشافه أثناء إشادة بناء لأحد المواطنين، فعند الإعلام عنه تمّ توقيف البناء، وتابعت "دائرة الآثار" الإجراءات اللازمة للكشف عنه، والثاني أيضاً مماثل، ويقع أمام مقر الناحية، تمّ اكتشافه أثناء توسيع الطريق العام الداخل إلى البلدة، وهو طريق عام "طرطوس الشيخ بدر"».

الأنشطة الثقافية في البلدة ما تزال في المرحلة التمهيدية، إن كان لغياب المركز الثقافي طوال الأعوام السابقة، أو عدم وجود مهتمين، وبحسب المختار "عارف" الذي علّق: «تمت الموافقة على إحداث مركز ثقافي العام الماضي، ويجري حالياً تجهيزه باللوازم من مكتبة وغيرها، حيث خصصت غرفة في مركز البلدية ريثما يتم تأمين موقع مستقل، كما أقيم هذا العام خلال شهر نيسان مهرجان شعري في البلدة، ساهم في تنظيمه المركز الثقافي في مدينة "الشيخ بدر" ومجلس بلدة "القمصية"، واستضاف عدداً من شعراء المحافظة».

بالإضافة إلى بلدة "القمصية"؛ تضم الناحية بلدية "معتي"، التي يتبع لها ست قرى هي "بلوزة، الموشة، طراق، درتي، بيت الفليح، القصيبة"، ورئيس مجلس البلدة "نبيل إسماعيل محمد"، شرح عن التعداد السكاني الخاص بالبلدة والقرى التابعة لها، فقال: «أحدثت البلدة عام 1983، والتعداد السكاني بحسب تاريخ الحادي والثلاثين من شهر كانون الأول من العام الماضي بلغ 12200 نسمة، ويتبع للبلدة القرى التالية: "الصفلية، الجباب، عرقوب، العودية، الشبوبية"، وقد تمّ توسيع الحدود الإدارية عام 1987 حيث شملت قرية "القمقعة"، وعام 2007 لتشمل قرية "قمصو"، وفي بداية هذا العام تبعت لها مزرعتي "بلاط والشاعري"».

حتى الآن ما يزال تعداد الدوائر الرسمية الأساسية في البلدة، بالإضافة إلى ثانوية عامة، وخمس مدارس للتعليم الأساسي، يفوق عدد القرى التابعة لها، أما عن موازنتها فيوضح رئيس المجلس: «بلغت موازنة البلدة للعام الحالي أحد عشر مليون ليرة سورية، كما تمّ دراسة وإعلان مشاريع هامة حتى الآن بقيمة ثمانية عشر مليون ليرة سورية، من اعتمادات الموازنة المستقلة لهذا العام، إضافة إلى مشاريع تتم دراستها حالياً، وبقيمة تزيد على عشرة ملايين ليرة سورية».

قبل الوصول إلى مقرّ مجلس البلدة، يمكن ملاحظة بعض الشوارع المعبدة والأرصفة، التي تبين نوعية الاهتمام الجيد بتلك الشوارع، وعن المشاريع المنفذة والواقع الخدمي، يضيف: «تمّ تنفيذ كافة الشوارع الرئيسية، ومعظم الطرق الفرعية في البلدة، والقرى التابعة لها، وفق المخطط التنظيمي لهذه القرى، وذلك وفق خطة خمسية خاصة بمشاريع البلدة، وأهمها مشاريع الطرق، وبالنسبة للصرف الصحي؛ فقد تمّ تخديم حوالي ستين بالمئة فقط من مركز البلدة، ولم نتمكن من تخديم القسم المتبقي، نتيجة التلوث وعدم موافقة البيئة».

أكثر ما يميز البلدة هو الطبيعة والارتفاع عن سطح البحر، فما المواقع التي تعتبر سياحية؟ يبين: «أهم المواقع المميزة "المسطح" الذي تعود ملكيته للبلدة بمساحة 151 دونماً، وتم عرضه في سوق الاستثمار السياحي، برعاية السيد رئيس مجلس الوزراء يوم الأربعاء بتاريخ الثامن والعشرين من نيسان 2010، وهو عبارة عن مسطحة تطل على البحر بخط نظر ثمانية كيلومترات ونصف، وارتفاعها عن سطح البحر 600 متر، والموقع مخدم بالطرق، الصرف الصحي، المياه والهاتف».

هل تؤثر هذه المسافة عن مركز المحافظة، بنقص الخدمات؟ بحسب رئيس مجلس البلدة: «تتمثل المعاناة بمسألة الصرف الصحي وتأمين محطة معالجة، بالإضافة إلى صعوبة تأمين المياه حتى الآن، حيث بدأ العمل بمشروع لجر المياه من قرية "مرقية" إلى بلدة "القمصية" بحدود ثلاثين إنشاً، من أجل تغطية كافة قرى الناحية، علماً أنّ قرى البلدة تروى من مشروع "جورة الحصان"، وهذا المشروع قاصر لا يفي بالحاجة، ويوزع على المواطنين بشكل عادل من قبل إدارته».