«ينحدر الآغا "آكوب صاغتليان" من أسرة "أورفلية" عريقة، ومحبة للعلم، وعلى قدر ما حباه الله بالخير والبركة، أجزل هو بعطائه للفقراء والمحتاجين.

ولم يقتصر عطاؤه على أبناء جلدته من الأرمن، بل تعداه ليصل إلى أهالي مدينة "تل أبيض" من العرب المسلمين والمسيحيين، على وجه الخصوص، وأبناء محافظة "الرقة" عموماً، ولتتوسع دائرة العطاء والدعم لتشمل الجمعيات الخيرية، والأندية الثقافية والاجتماعية والرياضية، وكنائس وأديرة الأرمن والسريان وجوامع المسلمين، ومطرانية الأرمن».

زرت العديد من الدول، وتعلمت التحدث بسبع لغات هي العربية والأرمنية والتركية والكردية والإسبانية والفرنسية والإنكليزية، وكُرمت بمحافل عديدة، ولسان حالي أن النية الصادقة أساس كل شيء، وأنا سعيد جداً في حياتي، وما قدّمته للآخرين، رغم أنني لم أتزوج نتيجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي فرضت علي العمل بجد أنساني نصفي الآخر

هذا ما ذكرته لموقع eRaqqa السيدة "تاكوهي مكرديج"، مديرة مدرسة "الحرية الخاصة"، وعضو المكتب التنفيذي السابق في معرض حديثها عن الآغا "أكوب صاغتليان"، رئيس الطائفة الأرمنية في مدينة "تل أبيض" سابقاً.

السيدة تاكوهي مكرديج

ويتحدث السيد "توفيق الإمام"، رئيس المركز الثقافي العربي في مدينة "تل أبيض"، معدداً صفات الآغا وخصاله، قائلاً: «عرفت الآغا منذ صغري، فهو صديق العائلة، ودائماً كان يشملني برعايته، وأذكر أول دراجة عادية اقتنيتها، كانت هدية منه، وهو شخصية اجتماعية مميزة على مستوى محافظة "الرقة"، وهو من الرجال الذين قلَّ أمثالهم، ومن المساهمين بدعم النشاط الثقافي والاجتماعي، ومتبرع من الطراز الأول للجمعيات الخيرية في المنطقة، يزكي ويتبرع من ماله الخاص للفقراء والمحتاجين».

وحول حياته ونشأته في المنطقة، تحدث "صاغتليان"، قائلاً: «ولدت في عام /1928/ ونشأت وترعرعت في منطقة "تل أبيض" فرداً من أبنائها، وكان أبي "دانيل" رحمه الله، قد جاء إلى سورية مهجَّراً مع سوقيات الأرمن في عام /1915/م، واستقر في منطقة "تل أبيض" شرقي، حيث رباه جماعة من البدو "الخرصة"، وعاش معهم بعد أن أطلقوا عليه اسم "أحمد"، وعمل راعياً للإبل والغنم، وبعد أربع سنوات، وأثناء مكوثه في مدينة "تل أبيض" التي بدأت بالنهوض حديثاً، صادف أن رأى شقيقته الكبرى "وارتوهي" المفجوعة بمقتل زوجها الذي قضى إبان السوقيات، وتركها مع ولديها وابنتها الوحيدة، تعانق الشقيقان، واختلطت الدموع، المصحوبة بالبكاء والنحيب بلقاء الشقيقين التائهين.

الآغا مع توفيق الإمام في عين العروس

بعد ذلك منحه البدوي الذي رباه ثلاثة أباعر، قيمة رعيته لديه خلال السنوات المنصرمة، ومن هذا الرأسمال بدأ يعمل بالتجارة، وفي عام /1925/ سافر أبي "دانيل" بصحبة شقيقته وأولادها الثلاث إلى مدينة "حلب"، واستقر هناك، حيث عمل بالتجارة، ثم مسؤولاً عن شركة السوس في المنطقة، حيث يقوم بتجميع ونقل السوس إلى مركز الشركة المصنعة في "حلب"، وكان الوكيل الحصري لمناطق "رأس العين" و"الرقة" و"تل أبيض"، وتطورت وتوسعت تجارته لتصل إلى حدود امتلاك أربع شاحنات للنقل، وفي تلك الفترة من عام /1946/م التحقت لمساعدته في أعماله بمجال تجارة السوس، التي توسعت لتصديره إلى تركيا بواسطة القطار، وصولاً إلى مدينة "إسكندرونة"».

وحول مشاركته في بناء جسر "المنصور" القديم في "الرقة"، يقول "صاغتليان": «في عام /1942/ السنة التي بني فيها جسر "الرقة" القديم، ونتيجة اندلاع حمى الحرب العالمية الثانية منذ عام /1939/م، وامتداد أوارها إلى المنطقة العربية، انعدمت السبل في الحصول على إطارات لشاحنات النقل التي يملكها والدي، وقيل له أنها متوفرة لدى الإنكليز الذين يزمعون بناء جسر على "الفرات" في مدينة "الرقة"، وبالفعل توجه والدي إلى هناك، حيث اتصل بالمسؤول عن بناء الجسر للحصول على الإطارات، لكنه فوجئ بعدم حصوله على الإطارات إن لم يوظف نفسه وآلياته في خدمة بناء الجسر، وكان إن عملنا أنا ووالدي وشاحناتنا في بناء الجسر، وهذا التاريخ هو المرحلة الأولى لدخولي العمل مع والدي رحمه الله».

الآغا في مكتبه

وحول تاريخ بناء "عين العروس"، ومدينة "تل أبيض"، يتحدث "صاغتليان"، قائلاً: «أقام الأرمن سنة /1900/م في منطقة "عين العروس"، وكانوا من ملاك الأراضي هناك، ولم يكن فيها آنذاك سوى موضع لمقام النبي "إبراهيم الخليل"، وفي عام /1910/م، سنة الثلجة الكبيرة، استمر هطل الثلج مدة /40/ يوماً، وكانت عائلة "أميرزيان" قد استقدمت البنائين من مدينة "أورفة" لبناء سد على العين الكبيرة، وطاحونة ماء، ولم يشرعوا في البناء إلى حين انقضاء شهرين على مكوثهم وذوبان الثلج، فبنوا إلى جانب المقام طاحونة تعمل على الماء، وسوَّروا العين بجدار من الحجر المطلي بالجص، وأقاموا سداً من الحجر بعرض ستة أمتار، وكان النبع يحوي /11/ عيناً، تعتبر المصدر الرئيسي لنهر "البليخ"، وقد استمر العمل مدة أربع سنوات، حيث دارت الطاحونة بانقضائها.

أما مدينة "تل أبيض"، فقد بني فيها أول بيت في الأيام التي أعقبت سوقيات الأرمن، الذين توزعوا إلى جانب العين، وتخفوا بين الأدغال، والأجمات، والنباتات المجاورة لمساقط المياه في محيط "تل أبيض"، وفي مناطق "تل السمن" و"صكيرو" و"خربة الرز"، وبدؤوا هناك بامتلاك الأراضي، وزراعتها، وأذكر أن أبي روى لي أن /14/ رجلاً من الأرمن تزوجوا بـ/14/ امرأة في يوم واحد، وأقاموا لهم عرساً جماعياً في "تل السمن"، شمال "الرقة" بنحو /40/كم.

وفي مدينة "تل أبيض"، كانت الأرض الزراعية تنبئ بالخصوبة، مع توفر المياه، ولا يوجد فيها أحد، فوزعوا الأراضي بينهم، وبدأت حملة التشجير الواسعة للأشجار المثمرة، وبناء البساتين، وزراعة الخضار ومحاصيل القمح والشعير، وظلوا مقيمين في البساتين إلى سنة /1926/م حيث بدأوا ببناء البيوت والمدارس والكنائس والأديرة، وفي هذا العام كان عدد طلاب المدرسة من الأرمن نحو /375/ طالباً، وفيما بعد تعددت أعمالهم لتشمل التجارة بكل أشكالها».

ويتابع في السياق ذاته، قائلاً: «المدينة التي بدأت بأربعة بيوت، أصبحت تعج بالحركة، وتوسعت دور العبادة للأرمن والسريان والمسلمين، وكان لكرم سورية دور كبير في هذا النشاط، وفي توسع أعمالنا، لذلك أنا أعتبر نفسي وما أملكه، وما قدمته، وما سأقدمه في المستقبل لا يفي الديّن العظيم الذي قدمته لنا سورية، لقد كانت بالفعل حضننا الدافئ، الذي أنسانا همومنا وآلامنا.

في عام /1947/م تخليت بشكل نهائي عن متابعة تحصيلي العلمي في كلية الأمريكان بمدينة "حلب"، نتيجة مرض أبي، الذي توفي عام /1952/م، لكني تفرغت لتعليم شقيقيّ "أرشاك" و"صاغتل" الذين تخرجا مهندسين، الأول اختصاص مصاعد، والثاني ميكانيك طيران، وكان أبي قد ترك ديناً كبيراً خلفه، يقدر بنحو /41/ ألف ليرة، وكان بإمكاني مغادرة سورية، لكنني لم أفعل رغم الإغراءات التي جاءتني من الأرجنتين، حيث كانت عمتي وأولادها يقيمون فيها، ويعملون بنجاح في التجارة، وبقيت في سورية إلى حين سداد كامل المبلغ، وبعد ذلك سافرت إلى الأرجنتين، بعد أن أرسلت لي عمتي قيمة تذكرة الطائرة، وعملت هناك في التجارة لمدة سنتين، عدت على إثرها إلى سورية في عام /1964/م، وبدأت العمل من جديد في الأراضي التي ورثتها عن أبي، وقمت بحفر أول بئر ارتوازي، وبدأت المياه بالتدفق.

تقدر ملكيتي نحو /300/ هكتار من الأراضي المروية، /150/ هكتار من الأراضي البعلية، وعلى هذه الأرض أقيم مشاريعي الزراعية، حيث تابعت زراعة محاصيل القمح والقطن بشكل أساسي، وكنت أول من أدخل زراعة الرز في المنطقة عام /1953/م، وحصلت على جائزة بطل الإنتاج سبع مرات لإنتاجي المتميز لمحصول القطن، وفي عام /1974/ عينت رئيساً للطائفة الأرمنية في مدينة "تل أبيض"، وبقيت في هذا المركز مدة /30/ عاماً، كانت حافلة بالعطاء والبناء».

ويختتم الآغا "صاغتليان" حديثه، قائلاً: «زرت العديد من الدول، وتعلمت التحدث بسبع لغات هي العربية والأرمنية والتركية والكردية والإسبانية والفرنسية والإنكليزية، وكُرمت بمحافل عديدة، ولسان حالي أن النية الصادقة أساس كل شيء، وأنا سعيد جداً في حياتي، وما قدّمته للآخرين، رغم أنني لم أتزوج نتيجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي فرضت علي العمل بجد أنساني نصفي الآخر».