"جفلة.. عتـّوك.. فحصة.. حفيظة.. بدرية".. ليست أكثر من عينات لأسماء صبايا الأمس واللواتي أصبحن اليوم جداتنا، وبعض تلك الأسماء ذهبت برحيل من كنّ يحملنها، حتى أصبح معظمها مهدداً بالزوال، فالأجيال اللاحقة ورثت ما ورثته وتركت ما تبقى في زاوية مهملة من الذاكرة، يوقظها بين الحين والآخر أحدهم فيطلق على مولودته الجديدة اسماً من زمان بات يراه الكثيرون أنه ليس لزماننا، فبعض فتيات اليوم يحملن أسماء لا يحبونها، وبعضهن يتمنين أو يلجأن لتغييرها، حتى تلك التي غنت: «أسامينا شو تعبوا أهالينا/ تلاقوها وشو افتكروا فينا». غيرت اسمها الحقيقي وأصبح "فيروز" بدل "نهاد حداد".
ولعل الساحل السوري كان يزخر بتلك الأسماء التي تحمل بين حروفها ومعانيها رائحة الحياة البسيطة والجميلة والتي أصبح تداولها نادراً، بينما كانت تعتبر في الماضي أسماء جميلة بالنسبة لأصحابها وذويهم، كما كان لها دلالات عديدة وتبريكات معينة، لكن من أين أتت هذه الأسماء ولماذا قل استخدامها وأصبح شبه معدوم؟.
أغلب الأسماء الحالية مستوردة من الغرب بالتقليد وهذا ناتج عن تمازج الثقافات
أسئلة حملها موقع eLatakia وتوجه بها للدكتور "خضر عمران" الباحث في الدراسات التاريخية القديمة والوسيطة والمعاصرة: «تولد الأسماء وتحيا.. تموت أحياناً ولكن في الغالب يموت حاملوها ولا تموت هي.
تفرضها سلطة ما كالآباء الذين يختارون أسماء أولادهم لسبب معين أو لمجموعة أسباب أو أنها تفرض نفسها على الأذهان نتيجة ظاهرة بارزة تركت أثرها المتشابه في المجموع، وتنتقل الأسماء هكذا من جيل إلى آخر».
عوامل عديدة تتدخل في اختيار الأسماء مثل الزمان والمكان والظروف الاجتماعية والاقتصادية، ولكن الدكتور "عمران" يرجح عاملين فيما يخص أسماء النساء في المنطقة الساحلية حيث يقول: «هناك عاملان هامان ومؤثران على اسم المرأة الساحلية هما "العامل الجغرافي" و"العامل التاريخي"، فالأول كان واضح الارتباط بالأسماء من خلال البيئة الطبيعية وقضية هجرة الناس والارتباط العروبي، فالساحل جمع العروبة بشقيها (الشمالي والجنوبي) وهذه ميزة خاصة انفرد بها سكان الساحل السوري عن غيرهم لذا تجدهم يحتفظون بالأسماء العربية الأصيلة، ناهيك عن العادات والتقاليد المتوارثة وظروف المناخ وجمال البيئة الجبلية والسهول الخضراء والساحل الممتع والأنهار والحيوانات وتعاقب الفصول الأربعة والأجرام السماوية "شمس- قمر- نجوم" فكل هذه الأمور ارتبطت بها تسمية النساء في الساحل السوري مثل "كوكب- شمسة- قمر- فضة".
أما بالنسبة للبعد التاريخي فهناك أسماء للمرأة قبل الإسلام وبعد ظهوره وحتى الآن، فقبل الإسلام كان هناك تأثيران هامان أحدهما ديني والآخر قبلي، التأثير الديني تجلى في العديد من أسماء النساء التي مازالت متداولة حتى يومنا هذا في الساحل السوري مثل "سارة- هاجر" وهما زوجتان للنبي "إبراهيم" (ع) واسم "كلثوم" وهي أخت سيدنا "موسى" واسم "زليخة" تلك المرأة التي كانت مع سيدنا "يوسف"، والتأثير القبلي قد ظهر واضحاً في بعض الأسماء "ليلى" نسبة إلى "ليلى العامرية" و"زرقاء" نسبة إلى "زرقاء اليمامة".
أما بعد ظهور الإسلام فقد كان هناك تأثر واضح بتلك الحقبة فكان هناك العديد من النساء ممن حملن أسماء زوجات النبي الكريم وبناته أو أبناء الأئمة والصحابة وهي أسماء لا تزال باقية حتى الآن في الساحل السوري مثل "خديجة- آمنة- زينب- رقية- أم كلثوم- فاطمة- البتول- أسماء- نسيبة"، وهناك أسماء أخرى عرفت باسم "ربات الخدود" وهي موجودة إلى الآن "سعدة- عتبة- علوة- علياء- هند"، وهناك أسماء أخرى لها أصالتها العربية، تداولها الشعراء وكانت موجودة في الساحل وقد قل استعمالها مثل "خزنة- حبابة".
كما توجد أسماء ارتبطت بالطبيعة الساحلية الزراعية والحيوانية والنباتية وهي مستمرة حتى الآن "نرجس- وردة- زهرة- خزامة- ريم"».
أسباب كثيرة أدت لإهمال بعض الأسماء من وجهة نظر الدكتور "عمران" وهي كما يقول: «حب الخروج عن التقاليد والأعراف السابقة عند الكثيرين من سكان الساحل السوري بعد انتشار العلوم المختلفة والانفتاح على الحضارة الغربية وذلك منذ بداية القرن العشرين.
والاختلاط والتزاوج والعيش مع المجتمع الأوروبي في فترة التاريخ المعاصر وفي فترة العلاقات العلمية والثقافية والاقتصادية أيام البعثات التبشيرية وقد تقبل الذوق العربي في الساحل السوري الأسماء الأجنبية فليس هناك موانع من قبل القوانين والأنظمة حول استخدام الأسماء الأجنبية، وظهرت أسماء أنثوية هجينة على اسم المرأة العربية المتوارث مثل "مادلين- مجدولين- يارا- ماريا- جانيت- مارغريت".
ومن المعروف أن الشعوب بشكل عام تتأثر بالشعوب صاحبة السطوة الحضارية في جميع النواحي ومنها الأسماء، كما يجب ألا ننسى دور الأقليات غير المسلمة في انتشار هذه الأسماء الأنثوية غير العربية».
الأسماء القديمة في الساحل السوري لم تكن غريبة عن اللغة العربية أو غريبة عن المجتمع العربي- بحسب رأي الكاتب الأستاذ "فيصل سليطين" فيقول: «في الماضي كانت الأسماء مستقاة بمعظمها من منبت الطبيعة الجميلة لكن لفظها كان عامياً وفيه بعض التجاوزات مثل اسم "تمرة" وهو مشتق من حبات التمر كان يلفظ "تميرة" واسم "دوامة" من نبات "الدوام"، وهناك أسماء اشتقت من أسماء الطيور ولم تكن آتية عن عبث فمثلاً اسم "جرادة" نسبة للجرادة لأنها كانت تؤكل وكان يلفظ "جرادي" واسم "نمرة" نسبة للنمر القوي كان يلفظ "نميرة"، واسم "حمامة" كان يلفظ "حمامي"، وأسماء إسلامية مثل "عاتكة".
ولأن لكل امرئ من اسمه نصيب لذا كانت معظم الأسماء القديمة تسمى تيمناً بالفضيلة كما أنها كانت أسماء تعريفية "تراثية- طبيعية"».
وعن الأسماء الحالية يقول "سليطين": «أغلب الأسماء الحالية مستوردة من الغرب بالتقليد وهذا ناتج عن تمازج الثقافات».
السيدة العجوز "سكينة عبد المجيد" وهي في الثمانين من العمر وتلقب بأم الشهيد، تقول عن الأسماء القديمة: «كانت الأسماء القديمة جميلة جداً ومباركة بمعظمها وكانت تسمى بعدة طرق، فالبعض كان يسمي أبناءه بأسماء الصالحين، والبعض كان يسمي حسب شكل المولودة أو يوم ميلادها والمناسبات القريبة، والبعض كان يطلقها على القافية مثل "مجيدة- حليمة- سكينة- كريمة- نجيبة- بهيجة- عبيدة- صديقة" والبعض كان يسمي أسماء غير مألوفة "عويرة- بربهان- رنجوس- دارنجة"، تلك الأسماء بالنسبة لي هي الصواب وليس الأسماء الحالية الغريبة التي لم أسمع بها في الماضي، أستغرب الأولاد الجدد الذين لا تعجبهم أسماؤنا ويرفضون التسمي بها، ومع ذلك وعلى الرغم من أني أحب الأسماء القديمة إلا أني لم أتدخل يوماً لدى أولادي كي يسموا بناتهم على اسمي مخافة أن تكره الفتاة جدتها عندما تكبر فزمانها غير زماني».
أما "آية حاج إبراهيم" وهي طالبة في مقتبل العمر فكان رأيها حازماً تجاه الأسماء القديمة وهي تقول: «أحب اسمي لأنه خفيف في اللفظ وسهل، كما أنه يعتبر من الأسماء الجديدة فلم ألحظ أنه كان متداولاً في الماضي، ولو أنه كان قديماً لكرهته فأنا لا أحب الأسماء القديمة ولا أحب أن أسمى على اسم جدتي أو ما شابه، ولو كان اسمي من الأسماء الغريبة على العصر ولا يناسبني لقمت بتغييره دون تردد، فصديقتي تدعى "مقبولة" لكن لا أحد يعرفها بهذا الاسم والكل ينادونها "ميمي" وهي ترتاح لهذا الدلع».
وتضيف "آية": «إذا كانت الأسماء موجودة فلماذا لا نستخدمها فلكل زمان أسماؤه، فما هو موجود اليوم لا يجب أن أنقلهُ إلى ابنتي بل يجب أن أسميها اسماً يتماشى مع العصر، فإذا أطلقت عليها اسماً غريباً فمن الجائز أن تصبح موقع سخرية من صديقاتها ما سيؤثر على شخصيتها وهذا ما لا أريده».
فيما تقول "منار درويش" وهي شابة مقيمة في إحدى القرى الريفية: «لا أحب الأسماء القديمة لأنها تدل على "التخلف" فالناس تتعامل مع تلك الأسماء باستغراب وسخرية، ولكل زمان أسماء تليق به، فالفتاة التي تحمل اسماً غريباً تجد مشكلة في البوح به حتى للحصول على وظيفة أو في المدرسة، وأذكر أيام المدرسة صديقة لي تدعى "عناكب" كانت تجد حرجاً في ذكر اسمها حتى للأستاذ، وهذا كان عاملاً سلبياً بالنسبة لها رغم إنكارها أحياناً».
كل هذه الأسماء التي ذكرناها وغيرها الكثير مثل "زهية- سودا- سمرة- شقرة- سكر- حفيظة- عدنه- شعشع- ردانة- وطفة- فحصة- كفى- أمون- زودة" هي أسماء أصبحت محور جدل عميق بين الأهالي والأبناء وبين علماء التاريخ وعلماء اللغة، فالقدماء أرادوا الحفاظ عليها وأغلبية أبناء اليوم يرفضونها ويطالبون بالأسماء الوافدة التي أتت بمعظمها من الغرب.. فهل استهلكت أسماء أمهاتنا وجداتنا وأصبحت منتهية الصلاحية؟ وهل سيسري ذات المصير ليطول أسماء اليوم وتصبح هي الأخرى بضاعة بالية في المستقبل القادم؟؟!!.
