رواية "برج لينا" كما اسمها تحرص على أن تكون جميلة, وهي للكاتب الرقي "تركي محمد رمضان", الذي يحرص كما يبدو من خلال روايته هذه على أن يكون عمله الأدبي مشغولاً عليه سواء من ناحية السرد الروائي, والسرد اللغوي, وهو ما يسهم في بلورة رؤية روائية, بدأت بهذا العمل, والذي سيتبعه قريباً, برواية ثانية, تحمل عنوان "عصافير الضحى".
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في البداية, لماذا هي رواية تاريخية بامتياز؟
الشعر ديوان العرب لصالح الرواية ديوان العرب, بشهادة السواد الأعظم من مثقفي النخبة العربية
هي رواية تاريخية بامتياز لأن "التغوير" يعتبر العنوان الأعرض لها, و"التغوير" سرد تاريخي, والسرد التاريخي يختلف عن التاريخ, فالسرد التاريخي يتوخى أن يكون التأريخ لحالة معينة بطريقة أدبية, عكس علم التاريخ الذي يهمه أن يؤرخ المعلومة فقط, وبطريقة علمية بحتة.
فـ"التغوير" لا يغفر لمن يريد أن يؤرخ عبر السرد, بالشذوذ عن قواعد السرد الروائي بحجة التوثيق، ومراعاة الحالة الموضوعية, فهو يتيح ذلك مع بقاء الروائي ضمن الخصوصية الأدبية السردية للرواية.
ومن خلال السرد الروائي، يؤرخ الكاتب للأحداث التاريخية التي عاشها أبناء منطقة "جعبر", خلال حقبة تاريخية معينة، فتراه يرصد لنا الغمر هذه الكلمة التي كانت تؤرق كاهل سكان هذه المنطقة، وتجثم على صدورهم مثل الكابوس, حتى جاء بناء سد "الفرات"، الذي كان المخلص لهم من هذه المأساة، وأسماء القبائل التي سكنت هذه المنطقة وعاداتها وتقاليدها وثقافتها, وطرق معيشتها، وتواصلها مع الجوار، والملاحم الرائعة التي سطرها أبناء هذه المنطقة بدمائهم لمواجهة الاستعمار.
«العودة إلى القرية محرمة عليكم كحرمة بناتكم وأخواتكم حتى لو كان ذلك من أجل التحصن للقتال أو الدفاع عن العيال .
أما من أراد البقاء ليحفر قبره ويفل نفسه ويتشاهد على روحه ويرجو الله أ ينال ثأره قبل أن يسلم أمانته.. ولا حول ولا قوة.. وإنا له وإنا إليه راجعون.. ويا هلا "أبو حنيك"...».
ويفرد الكاتب مساحة موازية لما ذكر آنفاً ليؤرخ من خلال السرد لبناء "السد"، ومراحل تنفيذه حتى دخوله حيز العمل، وما تلاه من تشييد لمدينة "الثورة"، لتصبح مدينة بمعايير حديثة تشبه الأحياء الروسية بتصميم أحيائها، وبناء "السد" حدث عظيم لفوائده الجمة ومميزاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ليس لأبناء هذه المنطقة فحسب بل لسورية الحبيبة ككل, وهذا ما أكد عليه السرد الروائي، ولا يفوت الكاتب الفرصة, فيؤرخ للتضحيات التي بذلها أبناء سورية من عمال ومهندسين، والخبراء الروس في سبيل انجاز هذا المشروع العظيم.
«لكنه الخبير وهو الذي يقدر.. الارتفاع شاهق يا إسماعيل.. أربعون متراً.
ـ ليلعب غيرها ..الأمر لا يحتاج خبيراً.. المسألة بسيطة، وهي واضحة أمامنا جميعاً، ثم أضاف وهو يضحك :
ـ صدقوني لو طلبنا من الخبير أن يقوم بقص القضيب لما تردد لحظة. انظروا.
ـ مستر.. تي ..في رابوته.. ابته.
ـ دا.. دا.. يس ..نعم
ـ أرأيتم لكن لماذا.. نحن فينا أرواح، وهو ليس فيه روح، لم ينته "إسماعيل" حتى من انجاز نصف القصة للقضيب المعدني حتى انكفأ اللوح الخشبي الثقيل ليرتطم به، ويسقطه بمشهد أشبه بالكابوس..».
وما يشد للرواية، ويحبذ القارئ للاستمرار بها، والنهل منها، الأسلوب السردي الجميل الذي استعمله الكاتب، فهو يجعل السرد على محورين متناوبين، محور يؤرخ لمنطقة "جعبر"، ومحور لبناء السد، جاعلاً المحورين على شكل فصول قصيرة، قاطعاً كل فصل عند نقطة، تجعلك دائماً في حالة من الإثارة والتشويق، وهذه الطريقة في السرد تذكرنا برواية "وليمة لأْعشاب البحر" للروائي السوري المعروف "حيدر حيدر", ولكن "تركي محمد رمضان", استفاد من هذه الطريقة بشكل مختلف نسبياً، فالمكان واحد في روايته بعكس الروائي "حيدر حيدر", الذي كان ينتقل بنا خلال السرد بين مكانين مختلفين, هما العراق والجزائر، والفصول قصيرة عند "تركي محمد رمضان" تبقي عنصر التشويق والإثارة ذو فاعلية عالية, "بعكس حيدر حيدر", الذي كانت الفصول لديه كبيرة نسبياً, مما أفقد الرواية الكثير من فاعلية التشويق والإثارة, فالفصل التقسيمي للرواية لديه يصل للخمسين صفحة من القطع الكبير, مما يقود إلى الملل والسأم في بعض مواطن الرواية.
والحفر "السيكولوجي" للشخصيات في الرواية حاضر بقوة, من خلال السرد الروائي، مؤكداً على أن اختياره لشخصياته، ليس اعتباطياً إنما من موقع العارف بعوالم شخصياته الروائية, فهو يقدم للقارئ شخصياته مبيناً لنا صفاتها النفسية, ومستواها العلمي، والثقافي, وإيجابياتها, وسلبياتها, وبلورتها خلال صيرورتها الحياتية وإلى ماذا تطمح وأين وصلت.
وهذا الحفر السيكولوجي العميق للشخصيات يذكرنا برواية "هنريت عبود"، "البنسيون"، التي تستعمل الكاتبة فيها نفس الأسلوب في تقديم شخصياتها. وهو يؤكد من خلال التحليل النفسي لشخصياته على أن الرواية ليست سرداً أدبياً لا طائل منه، بل يجب أن تتضمن العلمية والموضوعية, بلباس أدبي روائي، فالرواية النموذج الأدبي الأكثر نضوجاً في القرن الواحد والعشرين, وهي التي أسقطت مقولة: «الشعر ديوان العرب لصالح الرواية ديوان العرب, بشهادة السواد الأعظم من مثقفي النخبة العربية».
والحفر"السيكولوجي" في النص الروائي كان مترادفاً مع "التبئير", فأخذ الجانب المميز في كل شخصية، والشغل عليه, يقلل من الاستعراض السردي الوصفي, ويعطي للشغل على الشخصيات تكثيف عالي المستوى, يسهم بتقديم الشخصيات كما يجب أن تكون.
وما يؤخذ على نص "تركي محمد رمضان" بالمقابل, استعمال اللهجة العامية بشكل مفرط نسبياً, عندما يضطر لاستعمالها لخدمة فكرته, وكذلك الإكثار من العبارات باللغة الروسية لنفس الغرض حيث كان بإمكانه استعمالهما بشكل أضيق لخدمة فكرته, فاستعمالهما ضروري لإيصال الفكرة بمصداقية كبيرة، ولكن ليس بهذا الشكل الذي يعيق الانسيابية السردية في بعض المواطن من الرواية.
« ـ اشرب اشرب.. الشاي مهو طيب ولاردى... فنطزة عقب الغدا
ريتها عامر إن شاء الله وأنا نيابة عني وعن زملائي ممنونين هالضيافة والكرم».
وينطبق ما ذكر آنفاً على التقنيات السردية "ما تحت أدبي" من أغاني شعبية وشعر محكي وأمثال, حيث كان بإمكانه التخفيف منها حتى لا تبدو تراكميتها، أو الإكثار منها جسماً دخيلاً على النص الأدبي الروائي.
«عالميمر وعلميمر وعلميمر.. ضعن الوالف لجعبر شال وحدر
أبو خدين وردتين اللالا.. حط بقلبي لولا ودشر
ريام جعبر واردات.. اتبع أثرهن بالندى وورودي
أشيل سيفي وخنجري وبارودي.. قال الهتيمي هين عانة تذكر».
"تركي محمد رمضان", روائي مبدع, ويأتي إبداعه من مقدرته على الاستفادة من الحكاية العادية، وتحويلها لرواية، مستعملاً التقنيات السردية الروائية, وهنا يكمن الذكاء الأدبي, بتحويل ما هو عادي إلى حالة أدبية متميزة.
