ماذا سأطبخ اليوم؟ سؤال يكاد يؤرق العديد من ربات البيوت لاسيما الموظفات وقاطنات المدن بينما لا يشكل هذا السؤال أي عبء على ربات البيوت في الأرياف، فالمطر قد هطل وامتلأت الأرض بالنباتات التي تشكل الجواب على ذاك السؤال.
موقع eSyria زار قرية "سربيون" ليتعرف على طعام الريفيين في فصل الشتاء والبداية مع الآنسة "سهيلة سليمان" والتي قالت: «أنا مدرسة في مدرسة القرية أذهب كل يوم في الصباح الباكر إلى عملي لأعود إلى المنزل دون أن أفكر بعبء تحضير الطعام فـ"الهندباء والخبيزة ولسان الحمل ولسان الثور والسلبين والمقسيطة وقرص العنة" جاهزون على موائدنا دائماً وتحضيرهم سهل جداً ولا يأخذ الكثير من الوقت نصف ساعة على أبعد تقدير».
أتمنى أن تسألي هذا السؤال لجارتي "عليا" فهي أمهر من طبخ هذه الأكلات
الجدة "حسنة خليل" تحدثنا عن هذه الأكلات منذ قديم الزمان قائلة: «عمري الآن يزيد عن الثمانين عاماً وما زلت بصحة جيدة والسبب يعود إلى تلك الأكلات البسيطة التي ولدنا لنجدها على موائدنا في الصباح والظهر والغداء».
وتتابع: «المتعة والفائدة في هذا الطعام تبدأ من اللحظة الأولى للحصول عليه، تعالي معي نحضره ونطهوه معاً وستكتشفين كم هو شهي وبسيط».
وبالفعل ارتدينا "جزمات البلاستيك" المطرية ونزلنا إلى الأرض الموحلة وبدأت الرحلة التي سترويها لنا الجدة "حسنة": «انظري إن ما ترينه هنا هو "الهندباء" نجلب السكين ونشكها في الأرض على مقربة من جذع النبتة وندورها، وها هي "الهندباء" قد اقتلعت من الأرض.. خذي السكين وجربي».
وبالفعل تناولت السكين منها واتبعت نفس الخطوات ونجحت في ذلك وكم كان إحساساً جميلاً حتى أني سابقتها في الحصول على "الهندباء" أو "الهنيدبة" كما يدعوها سكان القرية، وهكذا تابعنا رحلتنا في الأرض الموحلة لنحصل على كمية كبيرة من الأعشاب المتنوعة بين "الهندباء والخبيزة وقرص العنة ولسان الحمل والثور" تكاد تكون مؤونة أسبوع كامل لعائلة كبيرة وأكملت الجدة "حسنة" قائلة: «الآن دعينا نذهب إلى باحة البيت لنجهز تلك الأعشاب ونفرزها استعداداً للطبخ».
ولا أخفيكم سراً أني ارتعبت لمجرد التفكير أني سأجلس لساعات وأنا أنظف وأرتب تلك الخضراوات وبدت الجدة "حسنة" وكأنها عرفت ما يدور في خلدي فضحكت وقالت: «لا تخافي فنحن حين نصل للبيت ستجدين الجارات وقد سبقننا للمساعدة.. أرجو أن أجد سكيناً شاغراً لك».
وبالفعل لم نكد نصل حتى وجدنا الجارات قد اجتمعن للمساعدة، وهنا نظرت إلي الجدة قائلة: «والآن ننظف الأعشاب من الأوراق الصفراء وبعد أن ننتهي نقوم بغسلها جيداً من الأتربة العالقة، ونفرمها استعداداً للطبخ».
وهل تطبخونها مع بعضها البعض؟
«أتمنى أن تسألي هذا السؤال لجارتي "عليا" فهي أمهر من طبخ هذه الأكلات».
وحين توجهت بسؤالي للسيدة "عليا يوسف" قالت: «نفرم كل نوع منها بطريقة مختلفة فـ"الخبيزة" نفرمها ناعماً جداً ونقوم بتقليبها على النار مع الثوم والزيت وحين تنضج بعد عشر دقائق، نضيف إليها عصير الحامض لتصبح جاهزة للأكل، وأما "الهندباء" نقطعها بشكل خشن ونسلقها مع الماء حتى تنضج، وبعد ذلك بإمكاننا طبخها بطريقتين الأولى "طرطوسية" وتسمى "شبشول" والسبب في ذلك أننا نسلقها دون تقطيع وبعد السلق نعصرها جيداً من الماء ونضيف إليها الزيت والثوم والحامض، وبعد ذلك تصبح جاهزة للأكل.
وتضيف قائلة: «أما الطريقة الثانية فهي الطريقة "الجبلاوبة" حيث نعصرها من الماء طبعاً بعد أن نكون قد قطعناها بشكل خشن ونقطع بصلة بشكل متوسط ونضعها على النار مع الزيت، وحين يصبح لونها ذهبياً، نضيف إليها "الهندباء" المعصورة جيداً وبعد أن تنضج نرش فوقها عصير الحامض وتكون بذلك جاهزة للتقديم ومثلها يطبخ "لسان الحمل ولسان الثور" ولكن دون سلق وبالنسبة "للسلبين" فهو لذيذ جداً مع اللحم الأحمر والبيض بنفس طريقة "الهندباء" ولكن نضع اللحم بدلاً من البصل وعند النضج نضيف الحامض والثوم».
وهنا أخذت الحديث السيدة "اعتدال حيدر" تخبرنا عن طريقة صنع "قرص العنة" فقالت: «"قرص العنة" لا يطبخ وإنما يستخدم في السلطة فنحن نفرمه ناعماً جداً ونقوم بفركه جيداً مع الملح حتى نتخلص من جميع مائه، وبعد ذلك نضيف إليه البندورة المفرومة ناعماً والثوم المهروس وعصير الحامض وزيت الزيتون، وهو من أشهى أنواع السلطات وهناك حكاية قديمة مرتبطة بهذه العشبة وقد سمعتها كثيراً من أمي مفادها أن "الثعلب" وبعد أن يفرغ من أكل "فريسته" يبحث عن نبات "قرص العنة" ليأكله وبعد ما انتبه الفلاح إلى ما يفعله "الثعلب" نزع "قرص العنة" من الأرض ولم يترك منه شيئاً ليستيقظ في اليوم الثاني ليجد "الثعلب" وقد مات وهذه الحكاية تخبرنا عن مفعول هذه العشبة وقدرتها على قتل الميكروبات من الجسم».
أما السيدة "ملكة أحمد" فتقول: «هذه الأكلات شهية ومفيدة ومطلوبة جداً من الجميع فهي تشكل غذاء سهل التحضير، ودائماً نختارها حين نمل من الأكل الاعتيادي فطعام الشتاء يعتمد بشكل كامل على الأرز، لاسيما إذا طبخ كل يوم فتأتي هذه الأكلات على سبيل التنويع المفيد جداً وأنصح الجميع بتجربتها لاسيما أنها موجودة في أسواق الخضراوات».
وحين توجهنا إلى سوق خضار "طرطوس" بالفعل وجدنا جميع أنواع الخضراوات والأعشاب وقد تحدثنا إلى البائع "جميل عبد الله" قال: «نحن نأتي بهذه الخضراوات من الأرياف ونبيعها هنا في المدينة والطلب عليها كثير جداً ونادراً ما يبقى منها شيء في نهاية اليوم وتتعدد أنواعها فمنها "الهندباء" البرية والتي تزرع من قبل المزارع وهناك "الخبيزة" و"السلبين" و"لسان الحمل" و"لسان الثور" و"المقسيطة" و"اللوف" وجميعها تباع بأسعار بسيطة نظراً لأنها لا تكلف شيئاً فهي مجانية من الطبيعة».
ويقول الاختصاصي في التغذية د."شكيب الموعي" حين زرناه في عيادته بـ"طرطوس" حيث حدثنا قائلاً: «دائماً أنصح مرضاي لاسيما البدناء منهم بتناول تلك الأغذية لما لها من قدرات هائلة فهي ملأى بالألياف والفيتامينات حتى إن بعضها يعتبر مطهراً للجسم وقاتلاً للميكروبات وتلك الأعشاب تمد الجسم بالحديد وتساعد على الهضم وأنصح بتناولها دائماً واستغلال هذه الفترة التي تنبت بها ولمن أمكنه أنصح بالصيام عليها».
