«لا يختلف اثنان ما لنبع "عين العروس" من أهمية لعموم منطقة "تل أبيض"، فهو مصدرهم لمياه الشرب النقية والعذبة، ومنه يتشكّل نهر "البليخ"، الذي طالما ألهب خيال الشعراء الذين شاءت الصدفة أن يمروا بجواره، متغنين بمياهه العذبة الرقراقة، وأشجاره الوارفة الظليلة، وسهوله الخضراء الواسعة، وعلى جانبي سرير النهر، قامت الحضارات واندثرت، وسكن الإنسان الأول واستوطن، وما زالت شواهد هذا الاستقرار باقية، ومتجلية في التلال الأثرية المنتشرة على ضفتي النهر، لتشهد على عظمة الإنسان الذي مر بهذه البقاع.
يجمع أهالي مدينة "تل أبيض" عشقهم لنبع "عين العروس"، فطالما وحّد النبع أمانيهم، وجمّعهم في أفيائه الرطبة، أصدقاء وأحبة، تحت أشجاره الوارفة، ومياهه الثرّة الدافقة، وما زالت ذكريات النبع، رغم كرّ السنين، تلامس شغاف القلوب، فبالأمس فقط كنّا أطفالاً صغارا، نتدافع قرب المنبع، نتراشق مياهه بأكفنا الناعمة الصغيرة، وحالنا اليوم كحالنا بالأمس، عادت فيه الذكريات لتدغدغ أحلام الطفولة، ورغائبها العجائبية، في اصطياد القمر من قعر الحوض المائي الشفاف».
ضمن خطة المجلس الاستثمارية لعام /2008/، قمنا بإعادة رصف الطريق الذي يربط طريق عام "الرقة" ـ "تل أبيض" بموقع النبع، بكلفة وصلت إلى /700/ ألف ليرة، وأكملنا المشروع في خطة العام الحالي /2009/ بكلفة /600/ ألف ليرة، وعبّدنا طريق آخر ببقايا المقالع والكرابية الكلسية، وهو عبارة عن محلق خارجي يربط "عين العروس" بالنبع من الجهة الشمالية، وتم تعبيد طريق آخر يصل الطريق العام بالمقصف، الذي يطل على النبع من الجهة الشمالية، وقد أعلن المجلس عن مناقصة لإعادة تأهيل المقصف واستثماره، وقد رسا على أحد المتعهدين، وسيوضع في الاستثمار لاحقا بعد صيانته وتأهيله
هذا ما ذكره السيد "توفيق الحاج إمام"، من أهالي قرية "عين العروس"، وهو يتحدث لموقع eRaqqa بتاريخ (15/10/2009)، عن ذكريات النبع، ونهر "البليخ"، وما يشكلانه في الذاكرة الجمعية لعموم أهالي منطقة "تل أبيض".
وعن أهمية موقع النبع، يضيف الباحث "حمصي فرحان الحمادة"، قائلاً: «تنبع أهمية موقع نبع "عين العروس" من اجتماع عدة عوامل، يأتي في مقدمتها الأجواء الرطبة التي جعلت من المنطقة نقطة جذب سياحي هامة، وإلى الشرق من النبع كان هناك نبع آخر للمياه الكبريتية الساخنة، يسمى حمام "علي"، وكان الناس يقصدونه بغرض الاستشفاء من الأمراض الجلدية، وأعطى وجود مقام النبي "إبراهيم الخليل" عليه السلام، بعداً آخر للسياحة الدينية في المنطقة، كل هذه العوامل مجتمعة، أعطت ميزة إضافية لفرادة موقع نبع "عين العروس"، وكنّا في الماضي القريب نتلمس آثار هذه الميزة، من خلال أعداد المصطافين وطالبي الراحة والاستجمام، الذين يؤمون المنطقة في ليالي الصيف القائظة.
بدأت مياه النبع تغور منذ بداية التسعينيات من القرن المنصرم، إلى أن نضبت نهائياً، وكان ذلك نتيجة مباشرة لاستنزاف المياه الجوفية في عمليات الري، والتي تشكل الحوض المغذي لمياه النبع، ليتحول النبع على إثرها، إلى مكبٍ لنفايات المدينة، وباتت أقنية الصرف الصحي تصب مياهها الآسنة في مجراه، فتحولت المنطقة المحيطة بالنبع إلى بؤرة للأوبئة، وفي السنوات الأخيرة عاد النبع إلى الجريان، وأصبحت مياهه تجري طيلة فصل الشتاء والربيع، وتنضب في الصيف، ولكن في السنتين الأخيرتين بات النبع دائم الجريان، فماذا فعلنا في سبيل إيجاد مكب قمامة بديل وتنفيذ محطة للصرف الصحي؟».
إثر عودة النبع للتدفق، قام مجلس مدينة "تل أبيض" بمشروع متكامل لإعادة إحياء منطقة النبع، وشمل المشروع عدة مراحل متلاحقة، حدثنا عنها السيد "خليل الباكو"، رئيس مجلس المدينة، قائلاً: «نفّذ مجلس المدينة مشروعاً متكاملاً لإعادة تأهيل نبع "عين العروس"، وعلى مراحل، وشملت المرحلة الأولى منه تعزيل أرضية النبع وتسويته، وفرشه بالبحص الفراتي الخشن، وإنشاء قاعدة استنادية من البيتون المسلّح، مع حصيرة من الحجر البازلتي، تمنع انهيار الحواف، وبوابات لعبور المياه، بكلفة قاربت /4/ ملايين ليرة سورية.
وشملت المرحلة الثانية، إنشاء رصيف دائري يحيط بالنبع، ودربزون داخلي وخارجي، مع إنارة تزيينية ومقاعد حجرية، وأحواض للزهور ونباتات الزينة، بكلفة قاربت /1,7/ مليون ليرة، وقد انتهى المشروع بمرحلتيه الأولى والثانية، وباشرنا في المرحلة الثالثة بتنفيذ حديقة تطل على النبع من الجهة الشمالية الغربية، مساحتها /14/ ألف م2، حيث تم الانتهاء من أعمال تصوينة الحديقة بكلفة /3,4/ مليون ليرة، وقد تم إعداد الدراسة الفنية اللازمة لتجهيز الحديقة بكلفة /6/ ملايين ليرة، وسنقوم بتجهيزها فور توفر الاعتماد اللازم».
وعن كافة الأعمال التي قام بها مجلس المدينة في سبيل تأهيل منطقة النبع، وتعبيد الطرق المؤدية إليه، أضاف "الباكو"، قائلاً: «ضمن خطة المجلس الاستثمارية لعام /2008/، قمنا بإعادة رصف الطريق الذي يربط طريق عام "الرقة" ـ "تل أبيض" بموقع النبع، بكلفة وصلت إلى /700/ ألف ليرة، وأكملنا المشروع في خطة العام الحالي /2009/ بكلفة /600/ ألف ليرة، وعبّدنا طريق آخر ببقايا المقالع والكرابية الكلسية، وهو عبارة عن محلق خارجي يربط "عين العروس" بالنبع من الجهة الشمالية، وتم تعبيد طريق آخر يصل الطريق العام بالمقصف، الذي يطل على النبع من الجهة الشمالية، وقد أعلن المجلس عن مناقصة لإعادة تأهيل المقصف واستثماره، وقد رسا على أحد المتعهدين، وسيوضع في الاستثمار لاحقا بعد صيانته وتأهيله».
وحول مصادر تلوث مياه نبع "عين العروس"، والإجراءات التي اتخذها المجلس بهذا الخصوص، يقول رئيس المجلس: «سعينا من خلال كافة الجهات المعنية لتأمين مكب بديل لقمامة المدينة، وخاصة بعد عودة الحياة لمياه النبع، وتماشياً مع المشروع المتكامل لإعادة التأهيل، واصطدمنا بعوائق كثيرة في هذا المجال، فما أن يتم إقرار موقع بديل لمكب القمامة، حتى تبدأ معارضة الأهالي، وقد توقف المشروع مراراً، وما زلنا نبحث عن البدائل.
ونحن حالياً ننتظر الموافقة والإيعاز لشراء قطعة أرض، وبالأسعار الرائجة، تكون صالحة كمكب للقمامة، وبديلاً عن المكب الحالي الذي يلوث مياه النبع، أما فيما يخص محطة المعالجة فقد تمت الموافقة على تنفيذ المشروع، وأجريت عليه كافة الدراسات الفنية اللازمة، وتم الإعلان عن تنفيذه من قبل وزارة الإسكان، ونأمل أن تنتهي مشكلة المكب ومحطة المعالجة مع انتهاء مشروع تجميل النبع، حتى تعود المنطقة إلى سابق عهدها، في استقطاب السياح والمصطافين».
ويختتم الباحث "الحمادة" حديثه عن النبع، قائلاً: «اليوم يعود النبع ليقص لنا حكايات الزمن الغابر، ولحديثه لحن عذب، وحلاوة مستساغة، لا يدركها إلا من سكن النبع سويداء قلبه، فذكرياتنا عن النبع لا تنسى، فعلى ضفافه دفنا أجمل الذكريات، وفي أفيائه غنّينا أعذب الألحان، وأشجاها، وكلنا حنين أن يعود ذاك الماضي الدافئ، سيما ونحن نشهد بوادره الأولى، بعودة المياه إلى مجاريها، والمشروع المتكامل الذي يجري تنفيذه حالياً، والذي سيسهم في إعادة الحياة إلى منطقة النبع، وإعمارها.
زرنا موقع نبع "عين العروس" مراراً، وذلك أيام كان النبع من المقاصد السياحية الهامة على مستوى المحافظة، وكنّا نذهب إليه بصحبة الأهل والأصدقاء، نقضي على ضفافه أجمل الأوقات، ولا نعود إلا والشمس تجنح إلى المغيب، وفي زيارتنا الأخيرة للنبع، بعد زمن طويل مضى، بثنا شجونه وأحزانه، وكان حديثه خافتاً وهو إلى الهمس أقرب».
