«يعتبر "أبو العبد" واحد من أنشط عمال النظافة الذين عرفتهم في حياتي، وهو ـ اللهم لا حسد ـ يتمتع بقدرة مدهشة على العمل، فأنا لا أذكر أنه تغيب يوماً عن عمله، بالإضافة لكونه رجل لا تفارق البسمة ثغره، ولديه حضور رائع، جعل الكبير والصغير في حيِّنا يحبه ويألفه ويقدره».

هذا ما قاله السيد "إبراهيم عبد اللطيف" أحد سكان حي "النهضة"، الذي يعمل فيه عامل النظافة السيد "أحمد العكلة" المعروف بـ"أبي العبد".

بدون أي مبالغة، إنني أعتبر أن سكان الحي الذي أعمل فيه، هم أسرتي الكبيرة، كيف لا؟ وقد اعتدت رؤيتهم كل يوم، ولمدة ست سنوات كاملة، شاركتهم خلالها بأفراحهم وأحزانهم، وأنا الشخص الوحيد بينهم الذي يعرف جميع سكان الحي، علماً أن عدد المنازل فيه يتجاوز الـ/350/ منزلاً، فهو يمتد من مدرسة "أسامة بن المنقذ" غرباً إلى الفيلا المعروفة بفيلا "أحمد طيَّار" شرقاً، وهو ـ أي الحي الذي أعمل فيه ـ جزء من حي "النهضة". وعلاقتي مع جميع سكان الحي جيدة، والكل ـ ولله الحمد ـ يكنُّ لي الاحترام ويشكرني على العمل الذي أبذله، ولم يسبق أن حدث أي خلاف بيني وبين أي أحدٍ منهم، والدليل على هذا الكلام، هو أنني مستمر في عملي وفي ذات المنطقة منذ ست سنوات

موقع eRaqqa وبتاريخ (15/10/2009) التقى عامل النظافة السيد "أبا العبد"، وسأله عن بداياته مع هذه المهنة، والسر الذي يكمن وراء نجاحه فيها، فتحدث قائلاً: «ولدت في مدينة "حلب" عام /1966/م، وهناك عملت في العديد من الأعمال الحرَّة، كما عملت راعٍ للأغنام مدة طويلة، وفي بداية الثمانينيات من القرن العشرين انتقلت للعيش في مدينة "الرقة"، لكنني ـ وبسبب ضيق ذات اليد ـ لم أستطع شراء منزل في المدينة، لذلك اضطررت لشراء قطعة من الأرض في الريف القريب من "الرقة"، وتحديداً في قرية "العكيرشي"، التي تبعد حوالي /17/ كم عن مركز المدينة، وبنيت هناك منزلاً لي ولعائلتي.

أبو العبد خلف عربته

وبدأت في هذه الفترة بمزاولة مهنة البناء، حيث عملت بنَّاءً في مدينة "الرقة" وريفها، لأكثر من عشرين عاماً، ورغم الدخل الجيد الذي كانت تدره علي هذه المهنة، إلا أنه لم يكن مستقراً، فكثيرة هي الفترات التي أمضيتها دون عمل، سيما في فصل الشتاء، الذي تتوقف فيه حركة البناء تقريباً، فبدأت بالبحث عن عمل ذو دخل ثابت، وهذا ما يحققه العمل في القطاع الحكومي، وبالفعل وفي عام /2003/م، أي منذ ست سنوات تماماً، وقعت عقداً مع مجلس مدينة "الرقة"، للعمل بصفة عامل تنظيفات، وما زلت حتى هذا التاريخ أقوم بهذا العمل».

ويتابع "أبو العبد" حكايته مع هذه المهنة، والصعوبات التي واجهها، وكيف تغلب عليها، حيث يقول: «في البداية كنت أتوقع وجود بعض الصعوبات، لكن مع بداية أول يوم عمل، وبعد أن استلمت عدة الشغل، تبين لي أن الأمور أفضل بكثير مما توقعت، وقد كنت يومها متحمساً جداً للعمل، وكأنني في مسابقة للتنظيف، حيث أبدأ عملي من الساعة السابعة صباحاً وحتى الثانية ظهراً، وكثيراً ما أستمر بالعمل حتى الساعة الثالثة أو الرابعة، وقد كان ينصحني بعض زملائي القدامى، أن أخفف من حماسي بداعي أنني لن أستطيع متابعة العمل بنفس الوتيرة، وأن الفتور سيتسلل إلى نفسي بعد فترة من العمل بهذه المهنة الصعبة والشاقة.

لكنني وبفضل من الله، ومنذ اللحظة التي باشرت فيها العمل وحتى هذا التاريخ لا أذكر أنني تغيبت عن عملي إلا في حالات المرض، أو الظروف القاهرة، علماً أنني أعاني كثيراً كي أصل في الوقت المناسب للدوام، نتيجة بعد منزلي عن المدينة، وهذا يتطلب مني الاستيقاظ الباكر ومن ثم انتظار السيارة التي ستوصلني إلى المدينة، ثم المشي من "الكراج" إلى مركز العمل، وهذه الأمور تعتبر معاناة حقيقية في فصل الشتاء.

ومن أكثر الأمور التي كانت تسبب لي الحرج مع سكان الحي الذي يقع في دائرة عملي، هو أنني كنت مضطراً لصعود أدراج الأبنية وقرع أبواب البيوت لاستلام أكياس القمامة، وهذا يأخذ وقتاً وجهداً كبيرين، بالإضافة إلى أنه قد يكون مصدر إزعاج لراحتهم، خاصة عندما يكونونَ نياماً.

لكنني وبعد سنتين من ذلك، ابتكرت طريقة جديدة كانت هي الحل الأمثل لهذه المشكلة، حيث اشتريت "صفَّارة"، وهي نفس "الصفَّارة" التي يستخدمها حكام كرة القدم عادةً، وأقوم بالتصفير بواسطتها، إعلاماً للناس أنني بالقرب من منازلهم، ليقوموا بوضع أكياس القمامة أمام منازلهم، علماً أنني لا أقوم بهذه العملية قبل الساعة العاشرة صباحاً، تلافياً للإزعاج، وقد حققت هذه العملية نتائج رائعة، فلم يعد بمقدور أحد أن يتذرع بعدم مروري من أمام منزله، وبنفس الوقت وفَّرت على نفسي الحرج الذي كان يسببه لي قرع أبواب المنازل».

وعن علاقته بسكان الحي الذي يعمل فيه، يقول "أبو العبد": «بدون أي مبالغة، إنني أعتبر أن سكان الحي الذي أعمل فيه، هم أسرتي الكبيرة، كيف لا؟ وقد اعتدت رؤيتهم كل يوم، ولمدة ست سنوات كاملة، شاركتهم خلالها بأفراحهم وأحزانهم، وأنا الشخص الوحيد بينهم الذي يعرف جميع سكان الحي، علماً أن عدد المنازل فيه يتجاوز الـ/350/ منزلاً، فهو يمتد من مدرسة "أسامة بن المنقذ" غرباً إلى الفيلا المعروفة بفيلا "أحمد طيَّار" شرقاً، وهو ـ أي الحي الذي أعمل فيه ـ جزء من حي "النهضة".

وعلاقتي مع جميع سكان الحي جيدة، والكل ـ ولله الحمد ـ يكنُّ لي الاحترام ويشكرني على العمل الذي أبذله، ولم يسبق أن حدث أي خلاف بيني وبين أي أحدٍ منهم، والدليل على هذا الكلام، هو أنني مستمر في عملي وفي ذات المنطقة منذ ست سنوات».