قد لا يعرفه الجميع باسمه الحقيقي، حتى أولئك الذين اعتادوا سؤاله بشكل شبه يومي عن الإصدارات اليومية للكتب والروايات الجديدة لـ"أحلام مستغانمي" و"حنا مينا" وآخرين، ربما اشتروا منه بصمت ورحلوا سريعا. "محمد حزوري" صاحب مكتبة الرصيف الذي يعرض كتبه يوميا منذ السابعة صباحا على أحد أسوار السرايا أو مبنى المحافظة في "حمص"، لا أحد في المدينة لا يعرفه كونه يجلس في الشارع الأشهر بها، ويمر به أغلب الموظفين ومن له معاملة رسمية.
بذقنه الطويلة وهندامه المرتب ومنظر الكتاب بين يديه أصبح جزءاً من الحياة الثقافية الشعبية بـ"حمص"، بقديمها وحديثها خصوصا إذا علمنا أن الرجل منذ عام /1958/ يمارس المهنة التي ورثها عن أباه.
كنت أساعد أبي في بيع الكتب، وبسطتنا كانت في حديقة الدبابير ومنذ ثلاثين عاما انتقلت إلى هنا، وبعد أن رحل والدي بقيت وحدي
ويتحدث العم "ممدوح" عن مهنته فيقول: «كنت أساعد أبي في بيع الكتب، وبسطتنا كانت في حديقة الدبابير ومنذ ثلاثين عاما انتقلت إلى هنا، وبعد أن رحل والدي بقيت وحدي».
لا يرى "الحزوري" أن تحميل الكتب عبر الانترنت كان له كبير الأثر على حركة بيع الكتب لديه، لأن زبائنه هم من كبّار السن غالبا وقلما استخدموا الانترنت أو قرؤوا على الكمبيوتر، لكنه يعترف أن هذا الزمن ليس زمن القراءة ويقول: «كل شيء تغير أصبحنا نبيع أقل، حوالي 20 كتاب يوميا لكن الحمدالله هناك ناس لم يتركوا القراءة ابدأ، الآن لو جلست لدقائق سترى أحدهم يسألك عن كتاب للفراهيدي أو ديوان لنزار قباني».
يقول العم "ممدوح" أن شعر "نزار قباني" هو الأشد طلبا على مر السنوات التي اشتغل بها ببيع الكتب، يلي ذلك الإصدارات الجديدة من الروايات مثل روايات "أحلام مستغانمي" ودواوين "محمود درويش". وكذلك بعض المجلات العربية القديمة كمجلة "العربي" والكتب المترجمة. وحين يطلب منه كتاب عن الأبراج أو رسائل الموبايل يقول "الحزوري" لسأله باللهجة العامية "بدك تعذرني" لا أتعامل مع هذه الكتب وأحيانا يقدم له النصح ويقول له أقرا (الأم لغوركي أو أو البؤوساء أو أحدب نوتردام).
يرى العم "ممدوح" أنه من واجب صاحب المكتبة أن يكون ملما بكتبه ويعرف ماذا يبيع، وهو يقرأ أغلب الكتب الموجودة لديه حتى لو لم تكن من اهتماماته.
يتباهى العم "ممدوح" أن مسؤولين كبار بالدولة كانوا ممن يسألونه عن الجديد في الكتب أمثال المهندس "محمد ناجي عطري" رئيس الحكومة حين كان محافظا لـ"حمص"، والدكتور "تامر الحجة" وزير الإدارة المحلية حين كان أمينا لفرع الحزب بـ"حمص"، وقبلهما الفريق "لؤي الأتاسي" وقائد الجيش "جمال الفيصل".
اليوم لا يخفي "الحزوري" قلقه بشأن مستقبل بسطته كما يقول: «البلدية في بعض الأحيان تطلب منا الرحيل، ولا يمكننا مخالفة التعليمات، أتمنى المحافظة على مكتبات الرصيف في "حمص" لأنها مظهر حضاري وموجود بكل أنحاء العالم».
وكذلك يتكلم "الحزوري" بحسرة عن مصادر بيع الكتب عندما كان يشتري من معرض منشورات وزارة الثقافة عشرات الكتب ويتحدث عن هذا الموضوع قائلا: «في أحد الأعوام اشتريت بأكثر من مئة ألف ليرة كتبا من معرض وزارة الثقافة، هذا المعرض كان ذخيرة أساسية لنا، اليوم أعتقد أن مستواه انخفض نوعا ما...، أتمنى أن يعود كما كان، وبالنسبة للذين يبيعون مكتباتهم الخاصة قلوا كثيرا».
وأخيرا يجد العم "ممدوح" أن ارتفاع سعر الكتاب بالنسبة لدخل الفرد من أهم تراجع عدد القراء، ويتمنى أن يكون هناك دراسة حكومية لتبني هذا الموضوع، رغم أن أسعار مكتبات الرصيف كما هو معروف أقل أحيانا ب30 أو 40 % من المكتبات العادية.
في السابعة من مساء كل يوم يرتب "ممدوح حزوري" كتبه في عربة من الحديد التي لا يقل عمرها عن عمر المكتبة نفسها و"يبيّت" الكتب في منزله... على أمل أن يزيد عدد القراء في المدينة فرزق هذا الرجل متوقف على زيادة الوعي بأهمية القراءة.
