ليس غريباً أن تستفيق مدينة موغلة في القدم والعراقة كـ"مصياف" بين الحين والآخر على اكتشاف أثري جديد، يميط اللثام عن وجه من وجوه التاريخ. فقد عثرت البعثة الوطنية خلال قيامها بأعمال سبر في بعض النقاط الأثرية في قلعة "مصياف" على 350 نقداً أثرياً إسلامياً والتي تعتبر من أهم وأندر النقود الإسلامية التي لم يكشف بمثلها في سورية من قبل نظراً لقيمتها التاريخية التي تمثل فترات حكم مختلفة لأشهر الملوك والسلاطين من بينهم "هولاكو" و"نور الدين زنكي" و"صلاح الدين يوسف بن أيوب" والملك الظاهر "غازي" ملك "حلب" إضافة إلى سلاطين المماليك والعثمانيين.
موقع eHama زار القلعة الأحد 23 آب 2009 والتقى المشاركين بالتنقيب.
ومن الأشياء التي عثرت عليها البعثة أيضاً هي لقى حديدية ومعدنية وعظمية تشير إلى الحياة اليومية في القلعة خلال مراحل تاريخية مختلفة
«بموجب خطة وضعتها المديرية العامة للآثار لدراسة الهيكل الرئيسي لأقسام وطبقات القلعة الستة والتي تمثل مراحل تاريخية مختلفة بدأ من العصر البيزنطي، قامت البعثة الوطنية العاملة في قلعة "مصياف" بسبر عدة قاعات أثرية محددة هي القاعة 15A والقاعة 17A والقاعة 18e بعد أن تم وضع مخططات رئيسية لها منذ بداية العمل».
هذا ما ذكره "هيثم حسن" معاون مدير التنقيب في المديرية العامة للآثار والذي أضاف قائلاً: «عثرت البعثة على مجموعة من النقود الإسلامية النادرة من حيث الحجم والعدد والتسلسل التاريخي وهذه القطع تعتبر نوافذ وشواهد تنقل لنا أحداث ومراحل تاريخية عن توالي الحكم والصراع في المنطقة كما تساعد في التعمق باتجاه حل جميع الألغاز والأسرار التاريخية التي جرت في "مصياف" والمرتكزة على قاعدة العلاقات المبنية مع الممالك الأخرى».
كما التقينا "نزار عليقي" آثاري ومشارك بأعمال التنقيب والذي تحدث قائلاً: «كشفت أعمال السبر والتنقيب أيضاً عن نتائج مهمة للغاية ليس فقط من ناحية العثور على نقود وإنما من الناحية المعمارية للقلعة والتي أثبتت أن القاعة 15A التي كانت غير معروفة ومجهولة بأنها تمثل قاعة اجتماعات هامة تقع في نهاية الخط الدفاعي الرئيسي لمدخل القلعة الخارجية وهو ما يجعلها من أهم النقاط الأثرية كونها مقر تدبير وتخطيط للكثير من العمليات العسكرية التي شهدتها القلعة خلال مراحلها التاريخية».
بدوره يوضح "وائل حفيان" منقب مشارك بأعمال التنقيب قائلاً: «هذه القاعة مزودة بدرج حجري خارجي يؤدي إلى أرضيتها التي كنا نعتقد بعدم وجودها بينما أثبتت الحفريات وجود الأرضية بعد إزالة الطبقات الردمية الكثيفة والتي تعود إلى مطلع القرن التاسع عشر بدليل العثور على نقد مهم لأحد السلاطين العثمانيين يؤرخ في عام 1223 هجري وهو عبارة عن قطعة معدنية من البرونز نقش عليها أنه ضربت بالقسطنطينية، وهذا النقد هو آخر مكتشف نقدي أثري في مجموعة النقود الإسلامية الفريدة».
من جهتها أشارت "ميثم يوسف" منقبة في البعثة قائلة: «بالتوازي مع العثور على التشكيلة النقدية عثرت البعثة أيضاً على مجموعات فريدة ومتكاملة من الفخار التي تنوعت بين جرار كاملة وصحون وكؤوس والتي ما يزال بعضها يحافظ على هيكله سليماً من الكسر أو الخدش وهذه المجموعة تعود في مجملها إلى ثلاثة عصور توالت على حكم القلعة وهي العصر "الأيوبي" و"المملوكي" و"العثماني"».
مضيفاً: «ما يميز هذه الفخاريات هو أن بعضها مستورد من مناطق "دمشق والرقة وحماة" والتي تبرهن على وجود علاقات قوية خلال تلك العصور بين "مصياف" وحضارات هذه الأماكن». وتتابع: «ومن الأشياء التي عثرت عليها البعثة أيضاً هي لقى حديدية ومعدنية وعظمية تشير إلى الحياة اليومية في القلعة خلال مراحل تاريخية مختلفة».
وختم "إبراهيم عباس" رئيس شعبة آثار "مصياف" قائلاً: «لا شك أن قلعة "مصياف" التي تربض على كتلة صخرية عملاقة من أهم المعالم الأثرية في سورية من ناحية التاريخ والحجم والتصميم الداخلي والخارجي الذي يجمع ما بين فن العمارة الرومانية والإسلامية لكون القسم الخارجي من القلعة بني في العصر الروماني خلال القرن الخامس ميلادي، أما الأقسام الداخلية فبنيت في العصر الإسلامي لذا ما يميز القلعة عن غيرها من القلاع هو أنها قلعة داخل قلعة، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي المتحكم بشبكة المواصلات الداخلية ونظراً لهذه المميزات كانت دائماً مجالاً للتنافس والصراع بين الحكام لذا توالت على حكمها عدة حضارات».
ويضيف: «بالرغم من الجهود الكبيرة التي تقوم بها البعثات التنقيبية في الكشف عن خفايا وآثار القلعة إلا أنها ما تزال تزخر بالكثير من الكنوز واللقى الأثرية المكنونة بين طبقاتها الستة والتي ستسهم في حال اكتشافها بتوضيح الكثير من القضايا والأحداث التي شهدها تاريخ القلعة».
