عندما تكون رجلاً وترى امرأةً تعمل لتبني جيلاً كاملاً، تعمل بشكل نستصعبه نحن الرجال، تشعر وقتها أنه يجب أن تكن الكثير من الاحترام والتقدير لامرأة بدأت ترتسم على وجهها تجاعيد الوقار بريشة الزمن الذي حملها على أن تكون رجلاً وامرأةً في الوقت ذاته ......! رجل يعمل خارج المنزل ليؤمن متطلبات أسرة مملوءة بالأطفال، وامرأة داخل منزل لا يخلو من الواجبات اليومية المتراكمة.

eLatakia التقى بامرأة تركت بصمة على جدار الزمن، هي السيدة "سهيل عزيز" تلك المرأة التي تجاوزت ال 70 عاماً تعمل في دكان صغيرة في حيّ شعبي يسمى "شارع غسان حرفوش" تظهر عليه ملامح الظلمة ليلاً ونهاراً، وبين ذرات الظلام تجلس "سهيل" لتعمل وتسد فراغ زوجها؛ والذي أخذه الموت باكراً من بين يديها فتقول: «أنا من مواليد 1939 وأعمل في هذه الدكان منذ 40عاماً، وقبل ذلك كنت أخرج من المنزل إلى العمل، وعندما أعود كنت أمام واجبات كثيرة في منزل يحوي أطفالاً، كنت أتركهم لوحدهم حيث كان الكبير فيهم بعمر خمس السنوات، وذلك حتى كبروا وأصبحوا يستطيعون الاعتماد على أنفسهم».

بدأت العمل وكان عمري وقتها 28 عاماً ولدي 6 أطفال، الكبير منهم بعمر خمس السنوات، ولم أكن أعمل قبل ذلك، ولكن عندما وجدت نفسي مسؤولة وبمفردي عن عائلة كاملة اضطررت للعمل

وطبعاً لم تكن الحال أفضل عندما كان زوجها على قيد الحياة حيث تقول "سهيل" عن ذلك: «عندما كان زوجي على قيد الحياة كنت أعمل حتى نؤمن الحياة الكريمة لنا ولأطفالنا، حيث كان راتب زوجي وقتها 300 ليرة سورية، وكنت وقتها أعمل في صناعة الأكياس الصغيرة، حيث آتي بأكياس (الخيش) الكبيرة، وأصنع منها أكياس (الكيلو والكيليين)، لأبيعها بعد ذلك، كنا نريد تأمين حياة مريحة، وإن لم تكن لنا فلأولادنا، ولكن حتى لو كانت الحياة أصعب في ذلك الوقت ولكنها تبقى أفضل مع رجل (يحمي البيت)».

السيدة "صبرية" في محلها

وبعد أن كبر الأطفال وأصبحوا شباباً مالذي حلّ بـ "سهيل" فتقول: «واليوم زوجت ابنتي وأولادي الشباب الثلاثة والذين يسكنون معي في نفس المنزل، ومع راتب زوجي المتوفي والذي لا يتجاوز 1050 ليرة أجد أنه من واجبي العمل في (الدكان) كما كنت سابقاً».

ومن "سهيل" ننتقل إلى جارتها "صبرية" والتي تجلس في محل لبيع الآراكيل يبعد أمتاراً قليلة عن محل "سهيل"، هذه المرأة أرادت - أن تروي قصة حياتها لنا أيضاً.

تبلغ السيدة "صبرية" من العمر 60 عاماً، وتختلف عن السيدة "سهيل" بأن الموت لم يتدخل ليسرق منها زوجها، وإنما –كما تقول هي- نقص الإحساس بالمسؤولية لرجل ترك امرأة مع ستة أولاد فتقول: «بدأت العمل وكان عمري وقتها 28 عاماً ولدي 6 أطفال، الكبير منهم بعمر خمس السنوات، ولم أكن أعمل قبل ذلك، ولكن عندما وجدت نفسي مسؤولة وبمفردي عن عائلة كاملة اضطررت للعمل».

وعن طبيعة الأعمال التي مارستها "صبرية" خلال مشوار حياتها الطويل تضيف: «عملت في لبنان، ثم تاجرت بالغزل والنسيج، كنت أعمل 12 ساعة في اليوم، ثم عملت في هذا المحل لبيع (الآراكيل) ومستلزماتها، وأجلس فيه أغلب الأحيان لأن زوجة ابني عندها أطفال ولا تستطيع العمل في المحل طوال الوقت، فأضطر للجلوس هنا في معظم الأوقات».

وبعد تلك التضحيات والتي عمرها يقارب من الـ 40 عاماً تحدثنا "صبرية" عن أولادها والذين أصبحوا شباباً فتقول: «لدي 6 أولاد، 3 بنات، واحدة منهم خريجة أدب إنكليزي، والثانية درست الأدب الفرنسي ولم تكمل، أما الثالثة فهي خريجة معهد تجاري، والصبيان جميعهم وصلوا إلى المرحلة الجامعية ولكنهم لم يكملوا».

إذاً بعد كل هذا لابد أن نسأل السيدة "صبرية" عن رأيها بعمل المرأة بعد تجربتها، وهل توافق على عمل بناتها اليوم؟ لتقول «أنا برأيي أنه على المرأة اليوم أن تعمل، لأن وقت الفراغ كبير، ويجب أن نستغله في أشياء مفيدة، ولكن هناك فرق بين العمل جنباً إلى جنب مع رجل يقدر ويحترم جهودك، وبين العمل تحت ضغط الظروف والحياة».