مازالت القصة السورية يوماً تلو الآخر تسبح في فلك أدبي جاد ومتميز، وذلك كان من قبل رواد القصة السوريين والفلسطينيين المقيمين في سورية، ومن هؤلاء القاص "رسلان عودة" أحد الذين يكتبون القصة في فلك أدبي خاص بشخصيته.

موقع "eSyria" بتاريخ 17/8/2009 التقى القاص "رسلان عودة" في حوار شمل بداية ممارسته لكتابة القصة ورأيه بوضع القصة السورية من بين الأدب العربي: «مسألة البدايات صعبة للغاية، فالشخص لا يتحول فجأة إلى كاتب، وبالتالي لا بد أن يمتلك إرثاً قوياً وخبرة طويلة وموهبة متنحاة قليلاً، فمشاغل الحياة يمكن أن تنحيها جانباً ريثما يتم الاستقرار، وربما هذا ما حدث معي.

إن مسألة آلية الإبداع مختلفة تماماً، لا أعتقد أن أحداً لديه الجرأة ليجاوب عليها، فأحياناً أكتب جملة وأقول من هذا المتخلف الذي كتبها، فالإبداع آلية مخفية غير مرئية وغير ملموسة، حتى إنك لا تستطيع أن توثقها لكنها موجودة، وأنا أشكر الله أنه لدي هذه الآلية ولولا ذلك لما كتبت شيئاً له قيمة

فأنا أكتب منذ الصف السادس، كتبت الشعر والخاطرة، والفضل الحقيقي لتجنيسي الكتابة هو للدكتور "ثائر عودة" الناقد الأدبي وابن شقيقي، والسبب الأكبر هو أنه لدي لغة كبيرة جعلتني متمكناً في كتاباتي، كنت أكتب الشعر الغير الموزون لأنني لا أهضم العروض على الإطلاق، حيث أشعر أنني أعبر فيه عن نفسي».

نقاش شيق

وعن دخوله لعالم القصة يقول "عودة": «أما القصة القصيرة بدأت بها عام 1996، فالقصة عالم حقيقي وخفي يجذبني، وكانت البداية من قول أحد أصدقائي (تعال نجنس ما نكتب) بهذا المعنى وجدت نفسي في القصة القصيرة، وكتبت أول قصة باسم "حكاية الواحدة والستون"، ثم بدأت القصص تتوالى ضمن ثمانية أعوام من 1996 إلى 2004، في هذه الفترة أنجزت مجموعة مؤلفة من عشر قصص، هذه القصص العشر هي خلاصة تجربة كان أكثر ما فيها هو الكتابة عن الذات بعيداً عن الآخر، فهذا أمر طبيعي أن يكتب الإنسان في بادىء الأمر عن نفسه قبل أن يكتب عن الآخر، دخلت هذه المجموعة في مسابقة "المزرعة" للإبداع الأدبي والثقافي، وحصلت على الجائزة الأولى من أصل /64/ مجموعة من كافة أنحاء القطر، وجدت في هذا العمل القيمة من خلال نظرة الناس إليه، فأنا من النوع الذي لا يرضى عمَّ يكتب وأعتقد أنها حالة إيجابية».

وعن المحور الذي تدور فيه القصة: «القصة الأولى تتحدث عن شخص لا يملك شيئاً سوى نفسه، إنه عمل قريب من الفنتازيا، فهذا الشخص وبمرور الأيام يكتشف أخيراً أن الناس من حوله في تطور وتقدم، في الوقت الذي هو بحالة ثبات في مكانه، فيخرج إلى الساحات حافياً بانتظار أن يأتي يوم آخر على الأقل لأن يكون موجوداً فيه مع هؤلاء الناس له كيانه، رقمه، ووجوده، فأنا أكتب من خلال عائلتي أخي أمي من خلال نفسي أنا، وربما هذا ما أعطى قصصي قليلاً من الدفء عند القارئ، إنني أتلقى أحياناً الأخبار الآتية بعين القارئ وبعين الناقد، كيف قرؤوا جميعاً هذه القصص، يعني على الأقل استطعنا أن نعطي شيئاً مختلفاً عن الآخرين».

الدوسر

وعمَّ إذا كانت القصة حالة إبداع أم موقف يقول "عودة": «إن مسألة آلية الإبداع مختلفة تماماً، لا أعتقد أن أحداً لديه الجرأة ليجاوب عليها، فأحياناً أكتب جملة وأقول من هذا المتخلف الذي كتبها، فالإبداع آلية مخفية غير مرئية وغير ملموسة، حتى إنك لا تستطيع أن توثقها لكنها موجودة، وأنا أشكر الله أنه لدي هذه الآلية ولولا ذلك لما كتبت شيئاً له قيمة».

وبالعودة إلى الحديث عن نمط القصة التي يكتبها "عودة" يقول": «قصصي هي من حياتنا اليومية والواقعية، فنحن كفلسطينيين ننام وبجنبنا ومعنا ذكريات لها ماض جريح دفنت بأعماقنا، فأنا أذكر أني درّست في قرية على الحدود السورية التركية حينما كنا في مطلع عمرنا، فتضاربنا يوماً أنا والأساتذة بالحجارة، وقتها رفعت حجرة لأضربها على زميلي واكتشفت أنه يقف تماماً على الحدود السورية التركية، قلت لنفسي حينذاك لو ضربتها فسوف تذهب إلى الطرف التركي، وبالفعل لم أستطع أن أفرط بهذا الحجر خوفاً من ذهابها إلى أراضي غريبة، ربما هذه القصة تركت طابعاً مهماً في حياتي وهو من النظريات التي دفنتها بين دفاتري واسترجعها في كل وقت لأبدع أكثر وأتعمق أكثر في جوف تلك الأمومة الجميلة».

"رسلان" الكاتب يعتبر في كثير من الأوقات نفسه قارئاً لقصصه، وعن ذلك يقول: «كقارئ أعتز بقصة "ناقص ليرة" وأعتز بجميع أعمالي، والآن كتبت تسع قصص جديدة لمجموعة أخرى، فبقدر المستطاع يجب ألا تكرر نفسك في الأعمال الأدبية، حيث كنت الأول على ثلاث درجات والآن يجب أن أكون الأول على تسع درجات وهذه شهادة الآخرين لي، إنني لا أكتب بلجهة ما ووحيدة، بل أنتمي إلى الإنسان الحرّ وللأرض المغتصبة في أي مكان من العالم وأعتبر نفسي في كل الأوقات قارئاً متعدد الأوجه في قراءة قصصي للوصول بذلك إلى الأفضل».

أما عن النقد الأدبي فيكمل "عودة": «نحن كأدباء، شعراء ونقاد لنا لقاءات أسبوعية مع مجموعة من الأشخاص المنتجة السوية، حيث إنني أكتب النص وأضعه على الطاولة في متناول الجميع، أضعه أمامهم للتصويب والتصحيح وأحياناً للتنقيح، إنني مقتنع فيهم ولدي إحساس بأن هؤلاء لديهم القدرة على التقييم، فهؤلاء القرّاء المختصون نطلق عليهم تسمية "ورشة أدب" نقوم من خلالهم بتحليل النصوص وتقييمها، وأنا أمتن هنا لكل شخص نصحني بأن أضع كذا وأمسح كذا، لأنني جعلته يشاركني في كتابة النص لعل وعسى أن نصل إلى الأفضل».

عن مرتبة القصة القصيرة في سورية يحدثنا "عودة": «القصة القصيرة حالياً أخذت دوراً محموماً جداً في الأدب، وهنا أستطيع أن أقول إن الرواية هي الأم الكبرى لكل هذه النصوص لكنها تحتاج إلى قراءة مختلفة كلياً، فأنت تستطيع أن تقرأ القصة الأولى وتضع الكتاب وتذهب للعشاء، أما الرواية فإذا قرأت مئة صفحة وتركتها قليلاً ورجعت ستنساها، القصة القصيرة أكثر تناولاً بين أيدي القرّاء الشباب، فالشعر لعبة قائمة على اللغة وعلى التكتيك اللغوي والصوري أما القصة القصيرة فيها حبكة ولغة عالية لغة محببة، وبرأيي كإحصاء أولي يمكن للقصة القصيرة أن تحتل المرتبة الأولى لأنها استطاعت أن تجمع ماهو موجود في الرواية والشعر معاً، وسبب عدم وصول الأعمال الأدبية إلى شريحة واسعة من الناس هو قلة القراءة وفقر الجيب فقط».

ينهي الأستاذ والقاص "رسلان عودة" حديثه معنا بابتسامة خفيفة مملوءة بالحب والإبداع: «أنا تأثرت كثيراً بـ"غابرييل غاركسيا" و"جبران خليل جبران"، فعندما يكون لدي مشكلة ما كنت ألجأ إلى كتب "جبران" هذا الشخص الذي تعلمت منه الكثير، وفيما بعد اكتشفت أن الأفلام السينمائية لروايات هكذا أشخاص هو الأقرب لتفهم أدبهم، ولكن يبقى الكتاب والقراءة هو شيء له قيمته المعنوية الكبيرة، نعم لقد قرأت وكتبت كثيراً إلى أن توصلت إلى حمل ذخيرة أدبية كبيرة في مخيلتي، وسأقرأ وأكتب وأحذف ما كتبت فهذا هو عالمي القصصي الذي أعيش فيه وأتنفس من خلاله».

ومن الجدير بالذكر أن القاص "رسلان مرزوق عودة" فلسطيني من مواليد دمشق 1951، عمل معلماً وضابطاً في القوى الجوية، وحصل على الماجستير في العلوم العسكرية، وهو عضو في اتحاد الكتّاب والصحفيين الفلسطينيين، وأمين سرّ جمعية القصة في الاتحاد، وصدر له مجموعة قصصية بعنوان "الدوسر" نالت الجائزة الأولى في مسابقة "المزرعة" للإبداع عام 2005، وقد حصل على عدد من الجوائز وشهادات تقدير من مراكز محلية وعربية، ولديه مجموعة قصصية بعنوان "أحرف العلة وعلل أخرى" قيد الطبع.