لعبت "الدواوين" في الماضي دور هام في حل المشاكل والنزاعات والخلافات التي كانت تنشأ في المجتمع، سواء بين الأقارب أو الجيران أو حتى بين أبناء المدينة والمدن الأخرى.

وتعتبر "الدواوين" من الإرث "الفراتي"، حيث كان يوجد في "دير الزور" خلال فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي أكثر من عشرين ديوانا، بعضها انقرض والبعض الآخر لايزال موجودا يخلد إرث الأجداد، ومن هذه الدواوين ديوان آل "فتيح"...

ولا يقتصر دور هذا الديوان أو الدواوين الأخرى على حل المشكلات الكبيرة من قتل أو ثأر، بل تتدخل حتى في الأمور العامة والمشورة وحل المشاكل العائلية و الخلافات الزوجية، إضافة إلى تقديم الدعم المالي في حالات معينة، وقد جرت العادة أن يجتمع في ديوانا مساء كل جمعة الأقارب والجيران والأصدقاء، ويكون هناك مجالا لطرح العديد من القضايا الهامة التي تتناول حديث الساعة، وحل بعض المشاكل والنزاعات، ولاتخلو هذه الجلسات من سرد الحكايات القديمة والتذكير ببعض الأحداث التي شهدت المحافظة

وللاطلاع على الدور الذي يؤديه هذا الديوان في الوقت الحاضر التقى eDeir-alzor بتاريخ 14 أب 2009 الأستاذ المحامي "عبد الفتاح فتيح" الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب والذي يشرف على ديوان والده حيث قال:

تحضير القهوة

«يعتبر هذا الديوان امتدادا لديوان والدي المرحوم "محمد نوري الفتيح" (عضو الكتلة الوطنية وشيخ نواب البرلمان "السوري")، وقد سعيت للمحافظة على هذا "ديوان" بهدف إحياء تراث الآباء والأجداد وحل المسائل الاجتماعية بطرق ودية وعدم اللجوء للقضاء إلا بعد تقطع السبل.

وقد ساهم هذا "الديوان" على مر الزمن بحل العديد من النزاعات والخلافات التي شهدتها المحافظة، ومن القضايا التي تم معالجتها، مشكلة عشائرية كبيرة جدا كادت أن توقع بين عشرتي "شمر" و"العكيدات" على واقعة رعي في العام 1950، ومن الشخصيات التي شاركت بحل هذه المشكلة حينها الشيخ "إدهام الهادي" والشيخ "عبود الجدعان الهفل"، وحادثة أخرى كان للديوان الفضل في حلها أيضا، هي مذبحة عشائرية بين الشرقيين والوسطيين (تقسيمات قديمة ضمن المدينة) في الساحة العامة للمدينة، أصيب على إثرها المرحوم "عبد المجيد حيزة" برصاصة برأسه وكان المصلحين فيها ("محمد الفتيح" و"حسن الأحمد بيك" و"صالح دهمش" و"عارف العطيه" و"عبد الله الهنداوي" و"محمد العاروض" و"خضر التبن" و"حسن الشيخ") وجميعهم من الشخصيات المرموقة في المدينة.

دلال القهوة

كما كان لهذا الديوان دور أساسي في حل المشكلة حديثة نشبت بين آل "الجوزة" وآل "خويلدي" على أثر مقتل أحد أفراد آل "خويلدي"، ومشكلة أخرى وقعت بين بيت "هنداوي" و"دهموش السلامة"».

ويضيف "الفتيح" قائلا:

«ولا يقتصر دور هذا الديوان أو الدواوين الأخرى على حل المشكلات الكبيرة من قتل أو ثأر، بل تتدخل حتى في الأمور العامة والمشورة وحل المشاكل العائلية و الخلافات الزوجية، إضافة إلى تقديم الدعم المالي في حالات معينة، وقد جرت العادة أن يجتمع في ديوانا مساء كل جمعة الأقارب والجيران والأصدقاء، ويكون هناك مجالا لطرح العديد من القضايا الهامة التي تتناول حديث الساعة، وحل بعض المشاكل والنزاعات، ولاتخلو هذه الجلسات من سرد الحكايات القديمة والتذكير ببعض الأحداث التي شهدت المحافظة».

من إحدى اللقاءات

أما العادات التي كانت متبعة في السابق في هذه الدواوين فيحدثنا عنها الباحث الاجتماعي "زبير سلطان" والذي قال:

«بداية لابد من تعريف "الديوان" وهو مكان واسع أعد خصيصا لهذه المناسبات، وقد كان أثاثه في السابق يقتصر على البسط والسجاد والأرائك، كما تتوفر فيه كل مستلزمات المنامة من فرش ومخدات ولحف..الخ.

ويرتاده مساء الأقارب و الأصدقاء، ويكون مجالا لطرح العديد من القضايا الهامة التي تتناول حديث الساعة، وحل المشاكل والخلافات عن طريق رجل يسمى (العرفه) ويكون حكمه في القضية القول الفصل دون رفض من أي جهة، وهكذا تقتضي العادات والتقاليد في حل الأمور، ثم يقدم الطعام بشكل طبيعي في الوقت المحدد له، إضافة إلى ارتشاف القهوة العربية بواسطة الدلال، ويدور الحديث في هذه "الدواوين" وفق نوعية المتطلبات ونوعية الموجودين، سواء كانوا تجارا أو مزارعين أو سمكين(أي صيادة) أو حجارة وبنائين، يستعرض من خلال تواجد هؤلاء الفئات من الناس مشاكلهم والصعوبات التي تعترضهم ووضع الحلول الناجحة لها، وخاصة مساعدة الفقراء، ويتناول الحاضرون القهوة المرة، وكثيرا ما يدخن هؤلاء النرجيلة أو لفافات التبغ بالإضافة إلى ارتشاف الشاي من "السماور" (إناء خاص) تحديدا،

ولا تخلو هذه "الدواوين" من وجود أناس يسردون الحكايات القديمة الشيقة فيشدوا الحاضرين الذين يستمتعون بها، ويصغون إليها بشغف، بالإضافة إلى شعراء الربابة الذين يأمون هذه "الدواوين" بين الحين والآخر يمدحون وجهاء المدينة لما حصلوا منهم على العطايا والهبات».