تترد في مجالسنا كثيراً عبارة "العفو عند المقدرة من شيم الكرام"، ولكل منَّا تفسيره الخاص لهذه المقولة، ويعود هذا التفسير لمجمل التجارب الحياتية المعاشة، وفهمٌ يختلف عن فهمٍ آخرَ لمعنى المقدرة، أهي تركُ دينٍ، أم صفحٌ جميلٌ عن إساءة.

وبالتأكيد نجد في هذا التفسير لوحدهِ ضيقَ أفق، فما تفرزه الحياة من قصص تندرج تحت مسمى العفو، يجعلنا أقزاماً في قدرة تحملنا لأمور حصلت مع رجالاتٍ عاشوا على هذه الأرض، شربوا ماءَ فراتِها، وتنسموا عليل صَباها، ولا نستطيع أن نتصور مجرد التصور، وضع أنفسنا بذات الموقف الذي وُضِعوا فيه، فكيف نتصور أن تكون ردة فعلنا مشابهةً أو قريبةً مما قاموا به؟.. عندما وضعوا في موقف تتطلب صبراً وإيماناً، وقدرةً على العفو تناقلتها الأجيال في هذه المحافظة، حتى ذهبت مثلا...

شاءت الأقدار أن يمتحن الله الشيخ "محمد صادق الفواز" بولده "خليل" البالغ من العمر /20/ عاماً، والذي ذهب لإيصال ضيوف جاؤوا لزيارة والده، فوقع حادث أودى بحياته، وكعادة العرب أرسل المتسبب بالحادث وجاهة لدفع الدية، ممثلةً بالشيخ "عبد المجيد بن الشيخ عيسى" شيخ الطريقة الرفاعية بالمنطقة الشرقية، فقدموا مجلس الشيخ ظهراً، وطرحوا عليه الموضوع، فرحَّب بهم وأكرمهم وكان قد انتهى من دفن ولده والصلاة عليه، فناوله الشيخ "عبد المجيد" ظرفاً ورقياً به مبلغ وقدره /20000/ ليرة سورية، وهو ما يعرف عند العرب باسم "الديَّة"، فما كان من الشيخ "محمد صادق الفواز"، إلا أن ناوله للشيخ "عبد المجيد" قائلاً له: (هذا ثمن غدائكم، وأهلاً وسهلاً بكم)، ففهم الجميع ما يعنيه، ورحلوا وهم يعجبون من أخلاق الرجل، وشدة سماحة نفسه، وصبره على قضاء الله

ومن هؤلاء نذكر الشيخ "محمد صادق الفواز"، شيخ عشيرة "البياطرة" في ستينيات القرن الماضي، والذي تسجل لنا الذاكرة الرقية الحية، قصصاً ما زال أهل "الرقة" يتندرون بروايتها، ومن هذه القصص حادثة مقتل ولديه "حسان"، و"خليل" في حادثي سير منفصلين مكاناً وزماناً، فسجل بصبره وتجمله موقفاً يدل على إيمان بقضاء الله وقدره، وعفا عندما كان قادراً على الانتقام.

الشيخ محمد صادق الفواز

موقع eRaqqa التقى بتاريخ (5/7/2009)م، الشاعر الأستاذ "نجم الدرويش"، الذي حدثنا عن إحدى هاتين القصتين، اللتان تبرزان مدى نبل هذا الرجل، فقال: «في ستينيات القرن الماضي اعتاد الشيخ "محمد صادق الفواز" على التواجد في مضافته، وحوله أقاربه وأبناء عشيرته، وكل من يحب مجلسه من أهل "الرقة"، وكان الشيخ يحب أبناءه حباً جمَّاً، وكان للصغير آنذاك "حسان" لجَّةً في قلبه، وكان يبلغ من العمر /11/ سنة.

فوجئ الشيخ برجل يقتحم عليه مجلسه، وقد نشف الدم في عروقه، وفور وصوله مكان جلوس الشيخ بوسط المجلس، ألقى بنفسه وراء ظهره، وصرخ طالباً الأمان من الشيخ، فقال له الشيخ: (وصلت ولو كان ذلك على روحي)، فما هي إلا هنيهة حتى دخلت مجموعة من الشباب مضافة الشيخ، وقد بان الشر في عيونهم، وعندما رأوا الرجل الذي يطاردونه خلف شيخهم، أُسقط في يدهم وقالوا له: (ياشيخ إنَّ من أجرته ومنحته الأمانَ قد قتل "حسانَ" دهساً بسيارته)، ولم يكن الرجل المسكين حتى تلك اللحظة يعرف أن من استجار به، هو والد الطفل الذي دهسه، فما اهتز الشيخ، بل قال لهم: (وصله "حسان")».

الشاعر نجم الدرويش

ويتابع الشاعر "الدرويش" سرده لنا تلك القصة المؤثرة، والتي تبين معادن الرجال بمواطن الشدة في ذلك الوقت، قائلاً: «قام الشيخ من مجلسه، وقام على إثره الناس المجتمعين، فلَّف الرجل بعباءته من اليمين، وقاده خارجاً بين صفوف الرجال، وقام بنفسه بتخليصه من إجراءات الشرطة، بعد أن أسقط حقه الشخصي، واستخدم نفوذه للإفراج عنه، وذهب معه حيث سيارته التي دهست فلذة كبده، ويشهد كل من حضر هذه الواقعة أن الشيخ عندما رأى جثة ولده تحت عجلات السيارة، وضع عباءته على عينه، وركب السيارة، ورجا السائق أن يعود للخلف قليلاً، حتى لا يدوس الجثة مرةً أخرى، ففعل السائق المذهول ما أمره الشيخ، وسار قاصداً مدينة "حلب"، والشيخ يرافقه ليخرجه حدود "الرقة"، وسيارة أخرى من أقارب الشيخ تتبعهم، وسأل السائق وهو في السيارة عن سبب مجيئه "الرقة"، حيث أجابه الآخر أنه جاء بعمل، حيث ينقل بضاعةً ما، ولكنَّ الله شاء هذه المرة أن يقع هذا الحادث، وعندما علم الشيخ أنَّ أجرة الرجل في هذا اليوم /40/ ليرة سورية، مدَّ يده على جيبه، وناوله /100/ ليرة سورية، كل /50/ منها على حدا، ورجاه أن لا يعود إلى "الرقة" مرةً أخرى، خشية أن يتأذى ممن لا يستطيعون ضبط أنفسهم، فأنزله عند ما يعرف لأهل "الرقة" بـ"المقص"، ورجع مع قومه ليتم مراسم دفن طفله الذي احتسبه لله».

ونختتم حديثنا عن بعض صور العفو عند جيل من رجالات أهل "الرقة" بحديث الشيخ "إسماعيل محمد صادق الفواز"، الذي يروي لنا ما فعله والده "الشيخ "محمد صادق"، بعد أن توفي ولده "خليل"، فيقول: «شاءت الأقدار أن يمتحن الله الشيخ "محمد صادق الفواز" بولده "خليل" البالغ من العمر /20/ عاماً، والذي ذهب لإيصال ضيوف جاؤوا لزيارة والده، فوقع حادث أودى بحياته، وكعادة العرب أرسل المتسبب بالحادث وجاهة لدفع الدية، ممثلةً بالشيخ "عبد المجيد بن الشيخ عيسى" شيخ الطريقة الرفاعية بالمنطقة الشرقية، فقدموا مجلس الشيخ ظهراً، وطرحوا عليه الموضوع، فرحَّب بهم وأكرمهم وكان قد انتهى من دفن ولده والصلاة عليه، فناوله الشيخ "عبد المجيد" ظرفاً ورقياً به مبلغ وقدره /20000/ ليرة سورية، وهو ما يعرف عند العرب باسم "الديَّة"، فما كان من الشيخ "محمد صادق الفواز"، إلا أن ناوله للشيخ "عبد المجيد" قائلاً له: (هذا ثمن غدائكم، وأهلاً وسهلاً بكم)، ففهم الجميع ما يعنيه، ورحلوا وهم يعجبون من أخلاق الرجل، وشدة سماحة نفسه، وصبره على قضاء الله».

الشيخ اسماعيل محمد صادق الفواز