ربما كان لمدينة "سلمية" قصب السبق في دخول التقنيات حديثة عبر "الأرمن" الذين قطنوها مع بدايات القرن العشرين في العام 1910، ولعل الطواحين التي انتشرت مع بداية القرن كانت مؤشراً على أهمية هذه المدينة، ومدى حاجتها لمثل هذه التقنيات الحديثة آنذاك تعويضاً عن "الجاروشة" ومن بين هذه الطواحين كانت "طاحونة أصلان" والتي يعرفها كل أهالي هذه المدينة منذ زمن بعيد.

موقع eSyria زار "طاحونة أصلان" يوم الخميس 2 تموز 2009 والتقى السيد "عبد الله سليم أصلان" صاحب الطاحونة، لنتعرف أكثر على تاريخها الطويل،

قتلني.. وما قتلني... قتلني الخراشي.. واشهد يا جرّاشي... مين العايل فينا

ليعطينا لمحة عن بداية عمل هذه الطاحونة ومن كان صاحبها فيقول: «بناها رجل أرمني وهي تدور على محرك ديزل، وقد تعاقب عليها عدد كبير من المالكين، حتى اشتراها جدي "حمدو سليم خديجة" ومعه شريك من منطقة "القدموس" اسمه "سليم مصطفى" في ستينيات القرن العشرين، وعمل فيها شاب اسمه "محمود عسكر" من قبل الشريك "سليم مصطفى" كان والدي يومها مزارعاً في منطقة "تل عرق" يحب الأرض أكثر من العمل في الطاحونة، كما أنه كان ميكانيكياً يصلح المضخات المائية».

رائحة الطحين التي لا تنسى

ولما خفت المياه السطحية في أراضي "سلمية" الشرقية منطقة "الشيخ علي" هجر معظم الأهالي قراهم باتجاه المدينة بحثاً عن مصادر رزق جديدة، وكان "سليم حمدو خديجة" واحداً منهم، والذي عاد ليعمل في طاحونة والده، ويتابع قائلاً: «كانت الطاحونة تلفظ أنفاسها الأخيرة، فكان الشريك "سليم مصطفى" مستاءً مما يجري في طاحونته وهو لم ينتفع من دخلها، رغم أنه أعطى ما قيمته 1/4 من أسهمه في الطاحونة لـ"محمود عسكر" حباً به، وتمسكاً لأنه كان نشيطاً، وقلما تجد رجلاً بمواصفاته، ولكن عدم وجود الوارد المالي له دعاه لبيع حصته في الطاحونة، واشتراها والدي بـ/110 آلاف ليرة سورية/ في نهاية الستينيات من القرن العشرين كما ذكرت سابقاً».

وبعيداً عن لغة البيع والشراء، كيف يتم العمل في هذه الطاحونة، ويجيب عن هذا السؤال، الشاب "سليم عبد الله أصلان" وهو من مواليد 1977 فيقول: «في أيام الذروة كان إنتاج الطاحونة ما بين /6- 7 طن/ من القمح مخصص للعائلات، ولم نكن لنستريح إلا في وقت تبديل الزيت للمحرك، وكان التبديل بشكل يومي بسبب تناثر الغبار الذي يعلق على المسننات مما يضطرنا لتنظيفها وتزييتها يومياً».

الجرّاش "دريد عبد الله أصلان"

وعن طبيعة العمل في الطاحونة يقول: «قديماً وكما كان يحدثنا جدي، فقد كانت تعمل على مدار الساعة، عبر ثلاث وارديات، وكانت أجرة الكيلو الواحد من الطحين بـ"قروش" فتصل "غلة الجارور" أي الصندوق إلى /25 ليرة سورية/ مع نهاية السبعينيات من القرن العشرين، اليوم سعر طحن الكيلو الواحد /130 قرش سوري/ أما في بعض المطاحن فأجر الكيلو الواحد /ليرتين/،

نحن ما زلنا نحافظ على السعر الأقل، لأن ريفنا فقير، والحالة صعبة للغاية».

طاحونة "أصلان" أسست 1910

وعن ميكانيكية الطاحونة يتحدث قائلاً: «كما قلنا هي من صناعة الأرمن، فكانت "البطيقات" أي/الركب التي تمسك بالإكس/ مركبة على "برامق" من خشب أي /مسننات من خشب/، وهي تدور على محرك ديزل.. كما أن "القشاطات" مصنوعة من القطن، وهي عريضة، كما ويوجد فيها اشكمان، وتستخدم كمنبه يصدر صوتاً قوياً إيذاناً ببدء عمل الطاحونة».

ويضيف: «يتبع لهذه الصالة الكبيرة، حمام يغتسل فيه الزبائن القادمون من القرى المجاورة، بسبب تلوثهم بالغبار الناجم عن الطحين الأبيض، وهناك أحواض خارج الطاحونة مخصصة للأهالي في موسم "البرغل" حيث يمكن استخدام الأحواض "لنقع" القمح المسلوق والمجفف حد القساوة، وهذا ما كان يعطي الروح والحياة لهذه الطاحونة، لقد تبدل الحال في هذه الأيام، ونادراً ما تجد شخصاً يقصدنا لـ" جرش البرغل" فقد تكفلت بها شركات خاصة، وأناس آخرون في مناطق بعيدة عنا».

من هو "الجرّاش" سألنا السيد "عبد الله سليم أصلان" فقال: «عادة ما يطلق اسم الجرّاش على صاحب الطاحونة، وكان قديماً يرتدي زياً سميكاً معظمه من "اللباد" إضافة إلى "قطشية" وتعرف باللهجة السلمونية بـ "كتشية" + بنطال من نوع "خاكي" ولا بد أن يحمل بيده سكيناً لقطع الخيطان التي تغلق بها الأكياس، واسمها "قرباطية" لأن "القرباط" هم من يصنعها، ولها شهرة بحدتها وقوتها، ومما يتواجد مع "الجرّاشي" سلسلة للمفاتيح، والسكاكين».

ويذكر لنا أغنية كانت تردد كثيراً في الطاحونة، خاصة في فترات الازدحام، ويروي لنا قصة بدوي تعرض للضرب من قبل بدوي آخر من "الخراشية" فكان البدوي الذي تعرض للضرب يصرخ ويقول: «قتلني.. وما قتلني... قتلني الخراشي.. واشهد يا جرّاشي... مين العايل فينا».

وهنا يكون "الجرّاش" شاهداً على هذه المشكلة وهو الوحيد القادر على لجم، ومنع أية حادثة تقع بين "الطحّانة".

في النهاية يجدر الذكر أن هذه الطاحونة وكما قال صاحبها الحالي "عبد الله سليم أصلان" كانت تعيل أربع عائلات، ويقود العمل فيها خمسة أشخاص هم "القبنجي" أي رجل القبّان، ويعرف في مناطق أخرى بـ "الوزان"، كذلك "الجرّاشي" وهو غالباً ما يكون صاحباً للطاحونة، إضافة لـلحمالين أي "العتالة"، ويصل عددهم من ثلاثة لأربعة في أوقات الذروة، وحالياً يعمل بها اثنان هما "سليم عبد الله أصلان" و شقيقه "دريد".