من المؤكد أن "المكتبة" تعد فترة إقامة "مؤقتة" للكتاب حتى يأتي من يقدر ما بين دفتيه ويقتنيه، لكن حالياً في "حماة" تحولت هذه المكتبات إلى مكان الإقامة النهائي للكتب، فعدد الكتب التي تباع من أي مكتبة شهرياً قد لا يتجاوز عدد أصابع اليدين، وبالتالي أصبحت المكتبة عاجزة عن إعانة صاحبها والذي في كثير من الأحيان ما يضطر إلى إضافة أماكن جانبية للمجلات الترفيهية و"آلة الفوتوكوبي"... والأقراص المدمجة التي تسيء إلى قدسية المكتبة وقد تمتد لتشمل المكتبة بكاملها لتلبية متطلبات الحياة المادية.

موقع eHama زار بعض من مكتبات "حماة" والتقى الأستاذ "طاهر كمال زينو" مدرس لغة عربية وصاحب مكتبة "دار العلم" حيث قال: «الوضع بات مزرياً للغاية، فنسبة القراء منخفضة جداً إلى حد كبير، وأعزو ذلك لجملة من الأسباب منها الوعي في جوانب الحياة المختلفة شبه محدود فقد تحولنا إلى ناس متلقين للمعلومة دون الرجوع إلى مصدر موثوق والذي غالباً ما يكون ضمن كتاب، ودون الرجوع إلى العقل وهذا نراه جلياً من خلال "الانترنت" و"التلفاز".

أنا عانيت جداً من كساد البضاعة وعدم تمكني من دفع ثمنها، لذا قمت بجلب كتب حسب الطلب، وأنا رأيت انجذاب الشباب نحو هذه الحياة التكنولوجية لذا قمت بتحويل جميع ما تحتويه الكتب من معلومات إلى أقراص ليزرية بحيث أن قرصاً وحيداً بإمكانه استيعاب آلاف المجلدات والكتب رغم أن لذة القراءة من الكتاب لا تقارن بقراءتها من شاشة "الكومبيوتر"، وفعلاً بدأت حالي تتحسن تدريجياً، وأصبح لي زبائن وازداد نشاطي في المكتبة

وأيضاً الوعي لدى الأهالي فكثيراً من الأحيان أشاهد بأم عيني بعض الأمهات بجانب أولادهم حين يمرون قرب المكتبة يطلب الطفل بفطرته السليمة قصة أو ما شابه ذلك لكنه يواجه بمعارضة من الأم التي تتغلب عليه وتقنعه بأنها سوف تشتري له كيساً من "الشيبس" عوضاً عن الكتاب، فهل أصبح "الشيبس" أفضل من الكتاب.

الاستاذ طاهر زينز

وأيضاً كان يوجد ضمن المدارس ما يسمى بـ"درس القراءة" لكنه حالياً مهمش للغاية فغالباً ما يتم تجاوزه بحجة أنه يوجد ما هو أهم، ولعل من أبرز الأسباب هو عدم وجود جامعة في "حماة"، فالذي ينشط حركة القراءة في خارج "حماة" هم الطلاب الجامعيون الذين يبحثون عن المعلومة من مراجعها الأجنبية أو العربية.

وأنا ألوم الأساتذة الذين استبدلوا الكتاب المقرر بالملخصات حيث أصبح الطالب يدرس من "النوتة" التي يكتبها الأستاذ دون أي أهمية للكتاب، وأنا لكوني مدرساً للغة العربية طلبت من الطلاب وظيفة شهرية تنطوي على اقتناء كتاب من مكتبة المدرسة حصراً وقراءته وتلخيص ما بين دفتيه واستخلاص العبرة وأن يقوم الطالب بقليل من النقد فيما أعجبه وما لم يعجبه، وأنا قمت بذلك لكي أعلم الطالب أن المعلومة التي يأخذها لها مرجع ولها أناس تعبوا فيها وهدفي كله أن أعلم الطالب فتح كتاب، وإذ بي أفاجأ بمعارضة شديدة من الأهالي بحجة أني كلفت أولادهم عناء مادياً باقتناء كتاب.

المهندس خالد الجاجة

لكني أصريت على موقفي وتسلمت الوظائف الشهرية ووجدت استجابة كبيرة من الطلاب، الذين أصبحوا يحبون العودة للمراجع بأنفسهم ولقوا المتعة في ذلك، وأنا أرى أن استحداث جامعة في المدينة سيرفع من عدد القراء والباحثين إلى أعداد كبيرة، ولابد من تفعيل نشاطات الطالب البحثية وتشجيعه للعودة للكتاب، وتفعيل درس القراءة والمطالعة أيضاً ضمن الحصص المدرسية».

أما المهندس "خالد الجاجة" صاحب مكتبة "الجاجة" التي تتوسط "حماة" فقد عبر عن رأيه بالقول: «برأيي إن "غلاء الكتاب" من الأمور التي تدفع الشخص إلى الإعراض عن شرائه، ونحن الغالبية العظمى من زبائننا من ذوي الدخل المحدود الذين التفتوا إلى أولوية الطعام والشراب حيث تعد القراءة بالنسبة لهم مجرد رفاهية وليست الاكتساب العلوم المختلفة، وأيضاً انجذاب الشباب غير المحدود نحو الانترنت والتلفاز الذي لا ولن تغني عن كتاب مهما طال الزمن، فمن أراد علماً راسخاً لا بد منه أن يتلقاه من "كتاب"، وعدد الكتب التي تباع من مكتبتي لا يذكر فأنا منذ الصباح وحتى المساء إما أبيع كتاباً واحداً أو لا أبيع مطلقاً، فكيف سأدفع ضريبة مكتبتي التي تزيد عن ضريبة محلات أشهر تجار "حماة"، لذا صرت أتجنب جلب المؤلفات الحديثة خوفاً من كسادها كباقي الكتب التي تتواجد على الرفوف ولأن عدد القراء محدود جداً فأنا أعرفهم منذ أن افتتحت هذه المكتبة عام (1985) ونسبة الزيادة فيهم قليلة.

السيد محمد مخللاتي

وبالنسبة لمعارض الكتب فهي لا تسمن ولا تغني من جوع وتحولت إلى عروض للبضاعة الكاسدة فقط، لذا أنا أرى الحل المناسب هو أن تعفى المكاتب من الضرائب لأنها أماكن لنشر الثقافة، وأن يفعل دور الكتاب في جميع نواحي الحياة إما من خلال تنشيط المعارض أو استحداث صالات حديثة للقراءة، وإن تدعم المطابع من قبل الجهات المعنية كي تنخفض أسعار الكتب».

بدوره السيد "محمد مخللاتي" تجاوز هذه المشكلة في مكتبته "علم الهدى" حيث قال:

«أنا عانيت جداً من كساد البضاعة وعدم تمكني من دفع ثمنها، لذا قمت بجلب كتب حسب الطلب، وأنا رأيت انجذاب الشباب نحو هذه الحياة التكنولوجية لذا قمت بتحويل جميع ما تحتويه الكتب من معلومات إلى أقراص ليزرية بحيث أن قرصاً وحيداً بإمكانه استيعاب آلاف المجلدات والكتب رغم أن لذة القراءة من الكتاب لا تقارن بقراءتها من شاشة "الكومبيوتر"، وفعلاً بدأت حالي تتحسن تدريجياً، وأصبح لي زبائن وازداد نشاطي في المكتبة».