للقهوة المرة رائحة تجتذب المارين من أمامها، فلا يجدون أنفسهم إلا وهم يمسّون على الحضور ليرتشفوا فنجاناً لا يشبه ما يرتشفونه في منازلهم.

هو الوقت الذي يقضيه عدد من الرجال في مسامرة تشبه كثيراً أيام "الحكواتي" ولأنها مشرعة الأبواب أمام كل من يقصدها، أطلق عليها اسم "مضافة" أو "المنزول"، والمضافة مشتقة من مصطلح "ضيف" فكل من يرتاد هذا المكان هو ضيف، حتى صاحبها، هو ضيف، في مسائل عدة قد تشهدها سهرات المضافة من حل للخلافات والمنازعات.

في مرات عدة أرتاد إلى هذه المضافة، وكنت من المشاركين في قص الحكايا، وخاصة منها "البدوية" لعلاقتي الوطيدة مع "البدو" في البادية. والشيء اللافت فيها، حالة الإصغاء الذي يلتزم به الحضور، عندما يتحدث أحد ما

مضافة "أبو نادر" مثال يشبه الأيام الخوالي، لكنها حاضرة حتى يومنا هذا. ولنتعرف عليها أكثر، موقع eHama يوم الجمعة 12/9/2008 التقى الوريث الثالث لهذه المضافة، السيد "محمد سليمان الآغا" المعروف "بأبي نادر" أيضاً والذي حدثنا عنها بالقول: «فكرة المضافة قديمة، وجدي "حمدو الآغا" أول من أسسها في بدايات القرن الماضي، ولم تكن بهذا الشكل، كما أنها لم تكن في هذا المكان الذي نحن فيه الآن، المضافة في تلك الفترة، عبارة عن بيت قوامه الجدران الطينية، أما اليوم فهي من الجدران الإسمنتية، والأرضية المغطاة بالبلاط. ورثها أبي المرحوم "سليمان الآغا" والمشهور "بأبي نادر". لم يكن والدي ليسمح لأحد من معارفه الوافدين إلى "سلمية" أن يبيت في مكان غير مضافته، والذين هم كثر من أهل البادية السورية، القاطنين في "الحماد" والذي تبعد ديارهم عن "سلمية" ما يزيد على المئة كيلو متر، في وقت كانت وسائل النقل شبه مفقودة، ولا تتحرك فور غروب الشمس، كان يؤمها من تأخر في السفر إلى دياره، ولم يعثر على مركوب يقله إليها، فكان يقصد "مضافة أبو نادر" والمضافة على وضعها الحالي».

السيد محمد الآغا

ويضيف: «تم تجديدها في العام /1980/ وما زالت حتى يومنا هذا مقصداً للزوار، والباحثين عن مأوى، وإن باتت وسائل النقل أكثر انتشاراً، فهي فرصة، وقد لا تسمح له الفرصة مرة أخرى في زيارتها، والالتقاء بروادها، والوقوع على حكايات جديدة وعبر جديدة يحملها زاداً في سني حياته القادمة، ولينشرها على مسامع خلانه، وأترابه ممن يحبهم، ويسمعونه. بصراحة، يمكنك أن تقول أن المضافة عبارة عن فندق صغير عدد غرفه، غرفة واحدة، واسعة المساحة، وأساسها ليس أسرّة، بل أفرشة مصنوعة من صوف الغنم، ووسائد قوامها "منخول القمح" بعد سلقه وجعله مادة للأكل تسمى "برغل"، مضافتنا لا تصنف بعدد النجوم، بل بعدد القلوب التي تحبها، فلك أن تصنفها كما تحب».

وعن رواد المضافة، وما يحدث فيها يقول السيد "محمد الآغا": «في الغالب هم كبار السن من يأتي إلى المضافة، وهذا تقليد قديم، فيمنع على الأطفال، أو الشباب المراهق من حضور جلسات هذه المضافة، لأن الطبائع تختلف من جيل لآخر، وما يهم الكبار ليس من اهتمام الجيل الأصغر، ومع هذا كان هناك بعض الاستثناءات، لضيف قادم من مكان بعيد، وبرفقته شاب يافع، ولكن هناك ما يحكم تواجده، وهو الحضور والاستماع، ولا يحق له التدخل في أحاديث الأكبر سناً. أما فيما يخص الأحاديث التي تروى في المضافة، فهي متعددة، ولا يمكن أن تحصى، فيمكن لشخص أن يقحم الآخرين من خلال ذكره لحادثة معينة، أو حديث له علاقة بمواقف تحسب لأصحابها، مثل "الكرم"، فعلى سبيل المثال كنا نمضي سهرة كاملة في الحديث عن حيوان "الضبع" وأخرى عن "الصيد" ومرات كثيرة عن "الزواج" فكثير من العجائز المترملين يبحثون عن زوجات، وفي المضافة يجد ضالته في السؤال، عندما يطرح همّه، فتتقاطر عليه الاقتراحات، مع ذكر أسماء لبنات، أو أرامل، أو مطلقات، يمكن لطالب الزواج أن يجدّ في طلبه.

وهناك من الأمور ما يمكن أن تدار في المضافة، فكثيراً ما كان يلجأ شخص ما يجد نفسه مظلوماً، ويعرف بأن من ظلمه يرتاد إلى المضافة، فكان يجدها فرصة ليأخذ حقه في حضور رجال لكلامهم صدى لديه، فتحل الخلافات بشكل يرضي الطرفين، وأحياناً أطرافاً عدة».

وعن أشهر رواد المضافة، يقول "أبو نادر": «كثر هم الأشخاص الذين زاروا المضافة كضيوف لا كرواد دائمين، أذكر منهم ، السيد "عبد الكريم معاط إسماعيل" عضو مجلس الشعب السوري، والسيد "إبراهيم خليل" العضو الآخر في مجلس الشعب، ومن الضيوف الذي هم في ذمة الله، مطرب "سلمية" الشعبي "محمد صادق حديد" والمرحوم "حمدو جاويش" أحد وجهاء مدينة "الثورة" في محافظة "الرقة" وهو في الأصل من قرية "بري الشرقي" التابعة لمدينة "سلمية"، كذلك لا أنسى عازف الربابة ومربي الخيل السيد "نجد زيدان" أبو فراس، والقاطرة البشرية، صاحب الأرقام القياسية في حمل الأثقال، وشد السيارات "وائل القطريب" كما أن كثيراً من حفلات الخطوبة أو لنقل (قراءة الفاتحة) وتحديد "المهر" كانت تتم في المضافة».

وعن الاكسسورات التي تزين جدران المضافة يقول صاحبها: «معظم النحاسيات ورثناها عن جدي "حمدو الآغا" ويصل عمرها في مضافتنا قرابة المئة عام، فهي عبارة عن "دلال قهوة" وكل ما يتعلق بتحضير القهوة المرة من "مطحنة لحب الهال" و"المصب" و"غمغوم" وهو مخصص لتسخين القهوة، كذلك "المنقل" الذي تصف عليه "الدلال" وهناك "مدفأة حطب" و"خناجر وسيوف" ومسدس قديم يسمى في وقتها "طبنجة" كذلك يوجد فيها مساند هي في الأساس توضع على ظهر "الجمل" ولا ننسى الآيات القرآنية التي تزين جدران "المضافة" وهناك "فوانيس" وأعمال يدوية مصنوعة من القش "النقّال" و"الطبوقة" وهناك رأس "غزال" محنط، وجلد حيوان "الغريري" وهو من فصيلة الحيوانات المفترسة، وقد اصطاده أخي الأكبر "نادر"».

وسألنا السيد "أبو صالح" أحد رواد المضافة فقال: «وجود مثل هذه المضافات شيء جميل، ويجعلك مرتبط بالماضي الدافئ، فأحاديث الكبار، وقصص الشهامة والبطولة نسمعها في هذه المضافة. أنا من محبي هذا المكان، وأسعى دائماً للحضور إليها، وخاصة في فصل الشتاء، حيث تطيب الأحاديث، والجو ماطر، ورائحة القهوة المرة تعبق الأنفاس».

السيد "حسن زين" يقول: «في مرات عدة أرتاد إلى هذه المضافة، وكنت من المشاركين في قص الحكايا، وخاصة منها "البدوية" لعلاقتي الوطيدة مع "البدو" في البادية. والشيء اللافت فيها، حالة الإصغاء الذي يلتزم به الحضور، عندما يتحدث أحد ما».