إنه الفرات.. حكاية العشق الكبير التي ستنتاب كل من يمر به, ليس لشيء..فقط لأنه الفرات. حكاية الأمواج التي تتحول حينا إلى شعر من نوع خاص, وحين آخر إلى موسيقى تتلاقى بها الصوفية والوجدانية مع الروح في ترابط غريب..

لنحاور "الفرات" شعراً عبر شاعر "جرابلس". . شاعر "الفرات" "إبراهيم دلال" الذي التقاه موقع eSyria في يوم الثلاثاء (19/8/2008)م ليدور معه الحواري التالي:

انظر إلى "العراق" وأعد كتابة قصيدتك (مطر)، فلقد تنبأتَ لها (الشوفان والحجر)، وأعد كتابة قصيدتك (شناشيل ابنة جلبي) اكتبها الآن والعراق يرزح تحت الاحتلال والاستعمار..

* أنت القائل:

وشربنا من ماء الفرات وللهوى....... سـحر كمثل عـرائس الـداماء

فإذا تنــهدت الـرمـــال وداعبت....... مـن عشقــها الآمـال كـالأنداء

تربطك علاقة خاصة بـ "نهر الفرات" ربما تتجاوز العشق, ولا يقل عنها أبداً حبك لـ جرابلس" ماذا تحدثنا عنهما؟

** العلاقة التي تربطني بـ "جرابلس" هي نفسها بـ "الفرات" هي علاقة أبوية، أخوية، صوفية، هو الأب وأنا الابن، هو الأم وأنا الابن، هو الأخ والصديق والعشيق..

كتبتُ في "الفرات" ما يقارب الألف قصيدة، والذكريات التي تجمعني به هي ذكريات الطفولة والشباب والكهولة، لم تفارق "جرابلس" مخيلتي أبداً، فكانت حاضرةً حتى عندما أكون بعيداً عنها، أذكر في شبابي كنا نفترش رمال "الفرات" بعد مجهودٍ شاق في عمل الأرض فيأخذنا النوم على ضفافه وتجمعنا الأحلام به، لنستيقظ صباحاً على همسات أمواجه.. ومما قلت فيه:

يا نهــر عـدت إليك بعـــد قطيعــة....... صــب يـتـيـــم الأم والآبـــــاء

ظمــآن يعشـــق ضـفـتـيـك كــأنـه....... في الرمل مدفوناً وتحت المـاء

أفأنـت تذكــرنـي وتـذكـر لوعتــي....... وتـشـردي فـي الليـلة الظلمـاء

وعن "جرابلس":

يا كركميش رؤاك في محاجــرنا....... وجانحيك الهوا والحب والغيـد

عشقت في سحرك الوضاء غالية....... من طيبها قبلتـي الغـراء تغريـد

  • درست سنواتك الأولى في جامعة "حلب"، ومن ثم في "دمشق" هل ثمة ذكرى معينة لازالت ببالك حتى الآن؟
  • ** «ذكرياتي في "حلب" تبدأ من الثانوية العامة والتي درستها في ثانوية "الشهباء" ومن ثم تابع دراستي في قسم الأدب العربي بـ "جامعة حلب" وكما تعلم للشباب في كل يوم ذكرى وحكاية، أذكر لك أبياتاً قلتها في "حلب" وأنا جالس في مقهى شعبي قديم، والفصل شتاء، فالجو شديد البرودة، فانتابني الحزن وأنا أنظر إلى الشوارع وهي خالية من الناس، والأمطار تهطل بغزارة، أحسست حينها بالغربة فقلت:

    أزورك هذا الشتاء وللناس في ربيعنا مشورة

    أشكو صحابي.. رفاقي، وحتى أبي

    وكل الربا حولنا مقمرة

    لماذا أغني ولا تسمعين

    لماذا أغني ولا تبحثين عن الفقر في كل كوخ حزين.

    أما "دمشق" فهي كما قلت فيها:

    والشام في مهجتي، قلبي وأوردتي/ وقائد في رؤى الشام بشارُ

    ذكرياتي في الشام لا تنسى ففيها التقيت "بدوي الجبل"، وذلك في عام (1973)م كنت جالسا في "مقهى الشام" وإذ بي أرى "بدوي الجبل" يجلس على طاولةٍ يرشف القهوة، فكتبت بيتاً من الشعر وأرسلته إليه قلت فيه: (أراك مفكراً أراك مضنى/ كأنما الإلهام تستوحيه شعرا)، وسأل عامل المقهى عني فتعرف عليّ وطلبني للجلوس معه وخلال الحديث الذي دار بيننا لأكثر من ساعتين طلب مني أن أسمعه من شعري فشجعني حينها وقال: «إنك شاعر..»، وأوصاني أن أقرأ للأقدمين..

  • التقيت الشاعر الكبير "عمر أبو ريشة" فما الذي دار بينكما؟
  • ** لـ"عمر أبو ريشة" مكانة خاصة في قلبي التقيت به وقلت له:

    لا تطل دفق وريدي حين ذبحي/ لم يعد يسطيع نزف الدم جرحي

    يــا أبــا ريشـــة أيـن المـلتـقـى/ ودمائــي لم تـزل تشتـــم جرحـي

    ما تحدثنا به أنا و"أبو ريشة" هو عن الأصالة في الشعر وعن الشعراء المجيدين، وكان دائماً ينصحني بأن أقرأ لـ "المتنبي" و "البحتري"..

  • بمن تمنيت أن تلتقي من الشعراء، ولم يكن ذلك، ولو كنت التقيته فماذا كنت ستقول له؟
  • ** تمنيت أن التقي "السياب" لكنه مات قبل أن تنضج عندي الفكرة الشعرية، تمنيت ذلك لأني تأثرت حديثاً بـ "السياب" لمعاناته الصادقة مع الأدب والشعر، ولأنه عانى من الحياة الكثير..، لو أني التقيت "السياب" لقلت له: «انظر إلى "العراق" وأعد كتابة قصيدتك (مطر)، فلقد تنبأتَ لها (الشوفان والحجر)، وأعد كتابة قصيدتك (شناشيل ابنة جلبي) اكتبها الآن والعراق يرزح تحت الاحتلال والاستعمار..».

  • هل صحيح أن حصة المرأة في شعرك قليلة؟
  • ** في البداية كانت تشمل حيزاً كبيراً في شعري، لكنها فيما بعد باتت تذكر في أبيات قلائل في كل قصيدة أكتبها، فالمرأة هي سبب فشلي في الحياة لأنني لم أجد تلك التي تفهمني.. ويقال «وراء كل رجل عظيم امرأة» ولكن لم يقال وراء كل فاشل امرأة..!!

  • كتبت للمقاومة الكثير، ما الذي يربط "أبو قحطان" بالمقاومة، وكيف هي بعيون شعرك؟
  • ** تشغلني المقاومة كما "الفرات"، المقاومة هي نصر وشموخ وفخر العرب، هي التي جعلت العدو يسحب أذيال الخزي والعار وأنا القائل فيها:

    وللضحايا في الجنوب بطولـة/ منـها الفــدى للثــائرين ســـلام

    جثمانهم ضم الثرى وعروقهـم/ نبتـت وكـانت للــدنا الأعـــلام

    عهد الوفــاء إذ بكـل قذيفـــــة/ مركـابة تهــوي عليها ســــلام

    والحرب في قتل الذراري قوة/ والحرب في دفع الردى إجرام

    * كلمة أخيرة...

    **الشعر أن لم يكن نابعاً من الجذور والبيئة والمعاناة لن يكون شعراً، وإنما الصدق في الشعر نابع من العفوية النابعة من الذات..

    أنصح الشعراء بالرجوع إلى جزالة الشعر وقوة الشعر، والدراسة الجيدة للأدب بشمل كامل وعدم الخوف من الوزان والقوافي..»

    بقي أن نذكر أن الشاعر "إبراهيم دلال" من مواليد "جرابلس" (1950)م، خريج "جامعة دمشق" كلية لآداب- قسم اللغة العربية عام (1985)م. وحالياً يتم التحضير لطبع قصائده..