تعتبر الولادة من المناسبات السعيدة للأسر, حيث كانت لها طقوسها الخاصة التي ترافقها في الريف حتى وقت ليس ببعيد. فكانت تقوم بها امرأة كبيرة في السن تسمى" الداية" وتكون عادةً من نفس القرية, بمعنى أنه كان لكل قرية دايتها الخاصة.
وللتعرّف على الطقوس والتقاليد التي كانت متّبعة في عملية الولادة في ريفنا الجميل, التقينا بالداية (أم قازقلي) وهي امرأة تجاوزت الخامسة والتسعين من عمرها, قضت أكثر من نصف قرن وهي تولّّد النساء في قريتها القرى المجاورة أثناء غياب دايتهم بسبب مرضها أو انشغالها بولادة أخرى, قبل أن تتقاعد كلياً عن العمل نتيجة التطور الطبي الكبير في البلد, هذا التطور الذي أفرز عدداً كبيراً من الطبيبات والأطباء المتخصصين في الأمراض النسائية في المنطقة.
بدايةً سألتها ممّن اكتسبت مهنتها فقالت:"كانت أمي دايةً في زمانها, وكنت أرافقها منذ أن كنت طفلة إلى البيوت, كنت ألعب مع الأطفال في باحات المنازل حتى تنتهي من عملها, دون أن أعرف ماذا كان يجري في الداخل وحينما كبرت أخبرتني بعملها ومنذ ذلك الوقت رحت أدخل معها إلى الداخل لأساعدها في عمليات الولادة, فتعلمت المهنة وأتقنتها مع مرور الزمن".
وأضافت أم قازقلي:"كل أفراد هذه القرية ذكوراً وإناثاً رأوا النور على يديّ, في يومٍ كانت للداية قيمة اجتماعية وطبية كبيرة, كان عملي متعباً وشاقاً ودون أي مقابل, إلاّ في حالات معينة كأن يكون المولود البكر ذكراً فقد كان الزوج يبعث إليّ كميات من القمح أو الشعير أو قطعة قماشية ثمينة, فالريفيون عموماً كانوا يفضّلون الذكور على الإناث لاعتبارات خاصّة تتعلق بالعمل الزراعي الذي كان يحتاج رجالاً للقيام به." وعن التواصل بين المرأة والداية قديما تابعت: "كان على المرأة الحامل أن تراجعني بين الفترة والأخرى للاطمئنان على صحة جنينها وجنسه, فقد كانت لنا طرقنا الخاصة لمعرفة ذلك."
وعند سؤالي عن العادات التي كانت تُتّبع خلال عملية الولادة وبعدها في تلك الفترة,أجابت: "أثناء الولادة كان على الزوج مغادرة المنزل, فوجوده كان من الأمور المعيبة, وبعد أن تضع المرأة مولودها يرجع الزوج للاطمئنان ما إذا كان المولود ذكراً, ففي تلك الحالة كان أصدقاؤه يشدونه على أذنيه ومن ثم كانوا يأتون إلى منزله ليأخذوا ما كان يملك من دجاجات احتفالاً بهذه المناسبة السعيدة. أيضا كي أحمي المرأة أثناء فترة النفاس من الجن وشروره الذي يستغل ضعفها للدخول إلى جسدها فيسبب لها المرض والموت, كنت أمنعها من شرب الماء لمدة يوم أو يومين, وللحماية التامة من تلك الشرور كان يجب غرز إبرة خاصة في لباسها ومخدتها, وتغطّيتها بأغطية سميكة وثقيلة سواءً أكانت الولادة في الصيف أم في الشتاء, إضافةً إلى ترك الضوء شاغلاً في غرفتها حتى الصباح كي لا يستغل الأشرار العتمة للدخول و إلحاق الأذية بها وبطفلها.
المشيمة كانت تلقى في مياه جارية أو تُدفن عميقاً في التراب كي لا تأكلها الحيوانات, أما سرّة الوليد فكانت تلقى في منزل أحد الأشخاص المشهورين أو صاحب مهنة كي يكتسب صفاته ومهاراته".
وأضافت أم قازقلي:"كان الرضيع يُلف جيداً من قدميه إلى رأسه بقطعة من القماش الأبيض المزيّن برسومات الورود والطيور, وداخل القماش كانت توضع سكينة وقطعة خبز كي يكتسب صفات الكرم والشجاعة, وعلى صدره كانت تُعلّق خرزات زرقاء أو قطع من حجر الصوان أو عودين متصالبين لحمايته من مرض الإصابة بالعين الذي كان منتشراً بكثرة.
وكان الطفل يمضي طفولته في سرير خشبي قابل للتأرجح وكان يُنقش على سرير البنات اسم طفل صغير كابن عمها مثلاً أملاً في زواجهما مستقبلاً".
وسألتها عن عمليات طهور الأطفال؟ ضحكت قليلاً ثم أجابت: "لقد كانت عمليات طهور الأطفال تتم بشكل جماعي في القرية من قبل المطهرين الذين كانوا يزورونها بين الفترة والأخرى وكانت عادة تجري في بداية فصل الربيع, والعرف الذي كان متبعاً هو أن من يحضن الطفل أثناء طهوره تنشأ بين عائلته وعائلة الطفل علاقة خاصة لا يجوز بعدها الزواج بينهما, وكان طهور الطفل الوحيد أو البكر يأخذ شكلاً احتفالياً يشبه عرسا حقيقيا يشارك فيه كل أبناء القرية وأحياناً القرى المجاورة".
وعن رأيها بالطب النسائي الحديث قالت: "لقد خفّف من آلام النساء كثيراً, كانت هناك الكثير من الأمراض النسائية التي تؤدي في أغلب الأحيان إلى الوفاة وهي اليوم تعالج بكل سهولة ويسر ودون مشاكل تذكر, لقد كنت أقوم بواجبي رغم كل شيء فلم يكن هناك أطباء ومشافي مثل هذه الأيام".
أم قازقلي وغيرها من الدايات كن في يوم من الأيام يقمن بعمل إنساني يعد حاجة للكثيرين, وبطرق بدائية وشاقة, يمددن الوطن برجاله ونسائه, بالطاقات التي تبني البلد وتحميه من كل أذىً ومكروه, وبالواقفين اليوم على الحدود, وبكل فردٍ ساهم بجزءٍ من الانجازات التي تحققت في ربوعه.فإليهن كل التبجيل والاحترام...
