"إنني على يقين بأن لهذه الدراسة فائدة إذا ما أردنا الوقوف على الأسس الأولى لتطور العمران في هذه المنطقة.
وهي أسس لا ترتبط بزمان ومكان، ومنها الارتباط بين الاستقرار والبيئة والتأثير المتبادل بينهما"... القول للدكتور علي ابو عساف الباحث الأثري والمؤلف في آثار سورية، وخاصة المنطقة الجنوبية، ويضيف: والباحث في آثار حوران السهل (محافظة درعا)، والجبل (محافظة السويداء) يدرك الملامح المشتركة والخصائص المميزة في السهل والجبل، وسيتضح هذا حين أتحدث عن تطور الحركة العمرانية في درعا ثم في السويداء.
تطور الحركة العمرانية في محافظة درعا
سنعرض في هذا الشأن الحركة العمرانية، أسبابها ونتائجها، ويتبع الحركة العمرانية مجموعة خدمات مثل طرق المواصلات وتأمين المياه.....الخ. وذلك ليس وفق أسلوب ابن خلدون العلمي والمنهجي. وإنما وفق أسلوب علمي ومنهجي أيضاً، يعتمد على شكل وتوزع التلال والخرائب الأثرية المنتشرة بالمنطقة، وعلى مشاهداتنا واستقرائنا للبيئة لنتعرف على المكان، وموارد العيش، وباختصار العلاقة بين الإنسان الذي اختار المكان والبيئة المحيطة به. وخاصة الغطاء النباتي، المورد الأهم لرزق الإنسان، الذي تؤثر نشاطاته بالبيئة وهنا نضع المعادلة التالية: أنشطة بشرية= القضاء التدريجي على الغطاء النباتي الطبيعي.
مذ وجدت الخليقة على هذه الأرض، فتش الإنسان عن مسكن يؤويه، فلجأ إلى الكهوف الطبيعية، التي تؤمن له الحماية أولاً، الحماية من الأحوال الجوية ومن الوحوش البرية، وربما أيضاً من بني آدم، فالكل يتسابق إلى هذه الملاجئ.
والمثال الأهم والجيد على الكهوف، هي كهوف درعا المتواجدة على ضفتي وادي الزيدي. وهي تفتقر إلى الدراسة التي تحدد تاريخها وطرق استخدامها. وما كان للإنسان ان يختارها، لولا ان المياه قد توافرت بوادي الزيدي، الذي يقول عنه الجغرافيون والجيولوجيون، إنه كان كثير المياه، على مدار السنة. وهذا هو السبب في ان هذا الموقع مازال مسكونا حتى الآن، وخلال أدوار كثيرة وقديمة. والى جانب توافر المياه، توافر في حوض الزيدي والسهول المجاورة له، غطاء نباتي طبيعي، استغله الإنسان في تأمين غذائه، ولربما أيضاً كانت حيوانات برية مثل الأبقار والأغنام والماعز والغزال تشاركه العيش في هذه البيئة، فيقنصها، ويتغذى بلحومها ويصنع جلودها وعظامها أيضاً.
ويتفق الباحثون، بالاعتماد على ما قدمته دراسة الكهوف وغيرها، أن الاستقرار الطويل بها والتكاثر الطبيعي قد رافقهما، استنفاد للموارد الطبيعية النباتية والحيوانية، وأن هذه الكهوف التي على ضفاف الوديان، أو سفوح الجبال، لا تصلح للتوسع السكني. بدليل أنها هجرت، ولم نعثر على دليل يشير إلى غير ذلك.
وسكان العصور الحجرية بحوران ما كانوا قبائل معتزلة، بل على اتصال وثيق بما حولهم، فالأدوات الصوانية التي اكتشفت في المزيريب وتل شهاب والطيبة هي عينها الأدوات المكتشفة في أرجاء بلاد الشام. ما يدل على اتصال قوي بين مناطق هذه البلاد، تتبادل الأفكار وتتطلع إلى المنجزات التقنية، تتعلم من بعضها، وتستفيد من تجاربها.
اعترضت الصعاب والمحن وألوان الخطوب والظروف، حياة سكان بلاد الشام، وعرفوا كيف يجتازونها ويذللونها. فوفقوا بالقيام بما نسميه الآن الثورة الزراعية التي بدأت على ضفاف الفرات (أبو هريرة- المريبط) وانتشرت إلى كافة مناطق المشرق العربي بالتدريج. ونعني بالثورة الزراعية، هجر الإنسان لحياة الرعي والتنقل وحش الأعشاب والنباتات والصيد، واختياره بدلاً عن ذلك الاستقرار في مكان يؤمن له المياه والحقول، التي ربوا فيها بذور النباتات البرية كالقمح والشعير والعدس والبقول، فحصلوا على محاصيل جيدة من حقول قريبة، عوضاً عن أن يجوبوا الأراضي وراء حشها ونقلها....الخ.
هذه الثورة التي حصلت قبل الألف التاسع قبل الميلاد، لم نفتش عن شواهدها بحوران حتى الآن. ولا نشك أنها امتدت إليها أيضاً، وهنا يجب أن أشير إلى أن الاستقرار لم يشمل جميع فئات السكان، بل بقي القسم الأعظم منهم يفضل حياة البداوة، يرعى الماشية لكنه غيّر وسائل الحصول على المواد الغذائية، فلم يهتم بلقط بذور النباتات البرية، وقصل بعض أنواع الحشائش والأعشاب، وإنما أخذ يحصل على مؤونته من الحبوب من القرى والمدن، لقاء ما يقدمه لهم من المدر أو مشتقاته فانقسم السكان في بلاد الشام إلى فئة الحضر وفئة المدر، وأخذت المبادلات التجارية تتوسع والحرف اليدوية تنشأ وتتقدم.
أكتفي بهذا القدر من العرض وأقول: إن الاستقرار في حوران قد بدأ في الألف الرابع قبل الميلاد والمثال عليه موقع الرصيف قرب الطيبة، وتل شهاب ورجم زيزون. ونستدل من هذه المواقع ان الإنسان قد ألف سكن البيوت على وادي الزيدي وينابيع زيزون والأشعري وتل شهاب، بينما بقيت المناطق الأخرى خالية من السكن. ونرجح ان السبب في ذلك هو ان السكان قد آثروا البقاء على حياة البداوة يرعون قطعان البقر والغنم والماعز.
والواقع ان هذه المواقع كانت صغيرة جداً بالقياس إلى ما نعرفه من مناطق أخرى في بلاد الشام. وربما كانت مساكن شيوخ العشائر يبقون فيها، بينما يرتحل أفراد العشيرة مع قطعانهم. هذا شيء والشيء الآخر أنها لم تعمر طويلاً بل هجرت بعد وقت قصير والى الأبد. والأسباب كثيرة منها الجفاف فقد ثبت وقوعه في بلاد الشام عند مطلع الألف الثالث قبل الميلاد. فنزح السكان إلى حيث الماء والغذاء.
ويمكننا القول إن السكن في حوران في الألف الثالث قبل الميلاد قليل ومتفرق في حين انه كان في العصر الكنعاني- الأموري الذي بدأ عند نهاية الألف الثالث قبل الميلاد، قد ترافق بظهور مدن جديدة أطلالها ظاهرة وذكرت في النصوص وخاصة المصرية التي نعتمد عليها في حديثنا هذا.
توضح ما تسمى نصوص الاحتقار أو اللعنات المصرية جانباً من علاقات وادي النيل وبلاد الشام الجنوبية، ونصوص الاحتقار هذه هي أواني أو دمى طينية ينقش فيها اسم الشخص العدو واسم مدينته ثم تهشم ضمن مناسك دينية خاصة تقام لهذا الغرض، كناية عن القضاء عليه، وهي التي تعود إلى عصر المملكة الوسطى 2133-1786ق.م.
وقد ورد فيها ذكر بصرى وأميرها يامور وقد دلت التنقيبات الأثرية أن هذه المدينة كانت عامرة في هذا العصر. والى جانب مدينة بصرى ذكرت مدينة عشتروت واسم أميرها الذي تشوّه اسمه وبقي منه الحرف الأول ياء والأخير لو. وعشتروت هذه هي تل عشترة إلى الشرق من عدوان، والى الجنوب من الشيخ سعد، وسنأتي على ذكرها فيما بعد.
والى جانب هاتين المدينتين ذكرت قبيلة أو قبائل كوشو مرتين مع أسماء شيوخها، التي مع الأسف قد تشوهت، ونحن ننظر إلى هذا الأمر بجدية واهتمام لأنه دليل مادي على البداوة في بلاد الشام الجنوبية، ومنها حوران بالطبع، وإن كنا لا نستطيع تحديد منازل كوشان بدقة إلا أنها كانت تجوب بلاد الشام الجنوبية. وربما كانت قبيلة كوشان هذه في حوران أيضاً.
وتمضي الوثائق المصرية في ذكر المدن في حوران وخاصة تلك التي تعود إلى عهود ملوك السلالة الثامنة عشر المصرية 1552-1306ق.م. والوثائق على نوعين، النوع الأول قوائم بأسماء المدن التي هاجمها أو مرّ بها الجيش المصري أثناء غزوه لبلاد الشام، وطرد الميتانيين منها.
ونذكر المواقع التالية:
آقيدو: قطوة الحالية التابعة لناحية غباغب
شمن: ونرجح أنها تل السمن أو تل السن على وادي الهرير. وقد عرف هذا الاسم بالإشارة التي تدل على الطرق، وربما كان على الطريق المار بجانب هذا الوادي الكبير.
بيآراتو: وهي خربة بواريت إلى الشمال من الصنمين
مقت/مقاتا: وهي على الأرحج تل قسوة شمالي محجة
زيري باشاني: ربما كانت تل الشيخ حمد أو ازرع/زرع
- درعا: موقع درعا الحالي
- عشتروت: تل عشترة
- قانو: القنية
- شيشخيمي: ربما هي الدلي
نصيبا: ربما هي نصيب إلى الغرب من الطيبة
توبيا: وهي قرية الطيبة الحالية
والواقع أن المصريين حين ذكروا هذه الأسماء، لم يتحدثوا عن مقاومة فيها. ونحن لا نعجب من ذلك فقد كانت بلاد الشام الجنوبية على علاقات ممتازة مع وادي النيل، تثبته رسائل العمارنة المتبادلة مع امنوفس الثالث 1403-1364ق.م. والرابع اخناتون 1364-1347ق.م. فأمير عشتروت والدبة أرسلوا رسائل تضامن وتأييد لهذين الملكين وقد أعلنوا ولاءهم لهما.
وما يعنينا في هذا كلّه، ومن دون إضافة أسماء تلال عين عفا جوار دير البخت وتلي شهاب والاشعري، أن الاستيطان في حوران قد تضاعف عمّا كان عليه الحال في الألف الثالث ق.م. وتشكلت امارات نعرف منها إدرعات وعشترة ،وهي مقرّات تحيط بها الخرب الصغيرة، وتتوضع قرب ينابيع المياه أو على ضفاف الوديان، تصل بينها الطرق التجارية.
ان هذه التلال مدن تحيط بها الأسوار، ولها بوابة أو بوابات للدخول والخروج وإذا ألقينا نظرة على تل عشترة، نجد ان له بوابة خارجية تتألف من حجرتين تجانبان الممر، يليهما الربدوم بالكنعانية ويساوي الربض بالعربية وهو السوق التجاري الذي تجري فيه المبدلات التجارية. ثم تأتي البوابة الداخلية التي نعبر منها إلى البيوت الداخلية. وهذه كلها في الطرف الغربي للمدينة، بينما نجد بوابة في الطرف الشمالي أطلقنا عليها اسم بوابة النبع، لأنها تنفتح نحو الشمال حيث ينبع الماء الغزير.
وأول ما نلحظه على هذه التلال أنها أطلال مدن أنشئت وفق مخطط محدد لا يراعي التوسع العمراني إلا ضمن السور فلا تجد حولها أحياء نشأت عن توسع المدينة خارج السور، كما هو الحال في كثير من المدن في بلاد الشام الشمالية والجزيرة. صحيح أننا لم نكشف على هذه المدن، فلم يجر تنقيب سوى بتل عشترة. الذي نلاحظ فيه عمقة تمتد من البوابة الغربية نحو الشرق ينوف فوقها طرفا التل الجنوبي والشمالي وينحدر بميل خفيف من طرف التل الشرقي نحو الغرب .ونرجح أنها هي الشارع الرئيسي الذي تنتظم على جانبيه المساكن.
لاشك ان هذه المدن قد تعرضت للغزو أكثر من مرة، وكان آخرها الغزوات الآشورية ابان القرن التاسع والثامن قبل الميلاد حيث دمرت وهجر أهلها وفق ما دونه الآشوريون بالكلمة والصورة عن احتلال عشترة وتهجير سكانها. وحقيقةً ان تجلات فلصر قد جعل من حوران ولاية مركزها اذريعات ويعني ان هذه البلاد كانت عامرة، فيها الحضر والبدو، واستحقت ان تكون لها إدارة خاصة بها.
وإذا القينا نظرة على مصور توزع التلال الأثرية في حوران، نجد أنها تتجمع إلى الشمال من وادي الزيدي ونهر اليرموك غربي طريق عام دمشق شيخ مسكين درعا ثم على الطرف الغربي للجاه.
وإذا تساءلنا عن السبب، نرى انه يكمن بالدرجة الأولى، في ان هذه المنطقة تحوي الينابيع القوية التي تزود المدن بالمياه، ووديانها أيضا واسعة وكبيرة ومنبسطة تنخفض عن الجزء الشرقي، وسميت باشان أو النقرة لخصوبة أرضها، وجودة مراعيها وقد عرفت أيضا بجودة أبقارها وأغنامها.
بعد سقوط المملكة الآشورية وقيام المملكة الكلدانية الآرامية في بابل وإبان العصر الفارسي شحت الأخبار عن حوران، ثم عادت في العصر النبطي حيث شهدت البلاد حركة عمرانية واسعة شملت معظم أجزاء البلاد ونلاحظ ان معظم المدن القديمة قد هجرت وقامت مستوطنات جديدة أهم ما يميزها المطوخ والبرك، وهنا نستطيع القول ان تقانه العمران قد سمت واستطاع الإنسان تأمين المياه بوساطة البرك والمطوخ التي كانت بدورها مقالع اخذ منها الحجارة ثم استغلها لجمع الماء واستخدامه في حياته اليومية.
وفي رأيي ان التعايش مع البيئة والتكيف معها واستغلالها على نحو مفيد لا يشوهها ولا يضر بها. وقد سما وارتقى هذا التعايش في العصر النبطي ومن الدلائل عليها ان معظم المستوطنات النبطية قد قامت فوق بقع من الأرض لا تصلح للزراعة. وتتمثل في معظم قرى جبل حوران وبعض قرى سهل حوران.
استغلت مياه الأمطار، التي كانت تتجمع في الوديان والسيول بجرها في اقنية بسيطة وعادية ونافعة إلى القرى وفيها تجمع بالمطوخ والبرك، وتشكل هذه الطريقة لجمع المياه صنوا لحفر الآبار في مناطق بلاد الشام الأخرى. وهي أنجع لأنها تتجنب استغلال المياه الجوفية التي كانت تغذي الينابيع. إذاً مع حل مشكلة المياه ازداد التوسع العمراني فنشأت قرى جديدة عديدة تعتمد الزراعة في توفير أسباب المعيشة.
ونشير هنا إلى ان القرى في العصر النبطي ومن ثم العصر الغساني قد بقيت ذات مساحات صغيرة إذا ما قيست بالتجمعات السكانية في العصر الحديث ولهذه الظاهرة في رأينا أكثر من سبب، ومن الأسباب ان حياة البداوة في المنطقة كانت هي الغالبة وربما تجنب البدو الاستقرار والاستيطان. وإذا كان الأمر كذلك وجبت زيادة رقعة الاستيطان لتتناسب مع زيادة السكان، فلا شك ان السكان كانوا يتكاثرون، وقياساً على ما هو متبقي من مبان قديمة في القرى نخمن ان عدد السكان الحضر هو قليل، وان التكاثر محدود. وربما لعبت الحروب وعدم توافر الأمن والجوائح والكوارث الطبيعية دوراً في هجرة السكان أو نزوحهم إلى أماكن أخرى يشعرون فيها بالأمن والاستقرار وتوفر لهم حياة لائقة.
والمطلع على أحوال البلاد المختلفة والمتنوعة، يعرف ان إقامة الإنسان في مكان ثابت قد ترافق في استغلال جائر لموارد البيئة وان الإنسان في العصور القديمة، قد اجتهد في توفير موارد رزق أخرى مثل الحرف اليدوية والتجارة وتربية الحيوان، إلا أنه وبسبب التقانة المحدودة، لم تكن هذه الوسائل كافية لتجعله يحد من توسع الرقعة الزراعية على حساب الغطاء النباتي الطبيعي الذي قضي عليه مع الزمن، وكان له تأثير قوي وفعال في حدوث الجفاف، الآفة التي لم يكن في مقدور الإنسان القديم تجاوز مخاطرها لعدم توافر التقانة لتوفير المياه مثلاً.
