لاشك في أن العلامة الفقيه ابن الجوزي كان من أوائل من قدموا تعريفاً وافياً للظرف والظرفاء، فالظريف هو صبوح الوجه رشيق القد، نظيف الجسم، بليغ اللسان، ولكن الظرف اتخذ في عالمنا المعاصر سمات إضافية أخرى تتصل بخفة الحركة وقوة الذهن وملاحقة الفكاهة والمزاح..

وفي هذين التعريفين عرفت دمشق ظرفاء عديدين، منهم فخري البارودي ونجاة قصاب حسن وحسني تللو وأبو سليمان الجيرودي وسعيد الجزائري وأحمد الجندي وسواهم، وهذا هو موضوع المحاضرة التي حملت عنوان «ظرفاء دمشق» وألقاها الأديب الباحث الأستاذ نصر الدين البحرة في قاعة المحاضرات في المركز الثقافي العربي بالعزيزية.

وقد عرَّف الأديب البحرة الظريف بأنه: الكيّس الحاذق حسن الهيئة، والظرف هو البراعة والكياسة وذكاء القلب، وذهب بعضهم إلى أن الظريف أمين غير خائن، وأضاف بأن القرن العشرين المنصرم عرف عدداً من الظرفاء الدمشقيين قلّ أن يوجد مثلهم في أي مجتمع آخر، ومن رجالات دمشق الذين كانوا يهتمون بالظرف والظرافة "فخري البارودي" الذي كان في طليعتهم، وكانت داره القديمة في حي القنوات ملتقى رجال السياسة والأدب والثقافة والفن يجتمعون فيها يطربون ويسمرون ويصغون إلى النوادر والفكاهات والقصص الضاحكة، وكان للبارودي صفيٌ نديم، هو توأم روحه حسني تللو.

ثم تحدث البحرة عن ضيوف البارودي ومن بينهم الشاعر خليل مردم بك، وذكر قصصاً كثيرة تشير إلى البارودي بالنكتة وأصحابها، ومن الظرفاء أيضاً سعيد الجزائري، وأشار البحرة إلى أنه كان صحفياً ممتازاً، وقد استهل حياته ممثلاً، كما لا يمكن أن ننسى "نجاة قصاب حسن" الذي قال عنه: "إنه كان محامياً ورساماً وخطاطاً وموسيقياً عالماً بالموسيقا وعازفاً على العود، كان يكتب الشعر والزجل ويؤلف الأعمال المسرحية ويتقن اللغة الفرنسية ربما أفضل من بعض أهلها، إضافة إلى إتقانه العربية، وكان ظريفاً لا يشق له غبار ومن سادة النكتة والنادرة، ولهذا وشّى كتابه «حديث دمشقي» بكثير من النكات ينثرها بين الفصل والآخر".

ومن الظرفاء الدمشقيين أيضاً ذكر "غسان الألشي" إذ أورد عن الأستاذ عبد الغني العطري يصف الألشي بأنه يتمتع بذكاء وقاد وبديهة حاضرة وجواب لاذع لصد كل هجوم ساخر أو تحد بنادرة أو طرفة، أيضاً من الظرفاء الدمشقيين الذين ذكرهم البحرة "حبيب كحالة"، وقال عنه: "إن نكاته وطرائفه وخفة ظله كانت تظهر في مجلته التي ظل يصدرها منذ الثلاثينات حتى عام 1965 باسم (المضحك المبكي)"، وختم البحرة محاضرته بالإشارة إلى الظريف الدمشقي "ضياء الحكيم" الذي كان من رواد مقهى البرازيل وكان خياط قمصان بارعا،ً ومن المشاركين البارزين في قفشات المقهى ونوادره.

الأديب الباحث نصر الدين البحرة

eAleppo كان لها في نهاية المحاضرة اللقاء التالي مع الأديب الكبير نصر الدين البحرة الذي قال: "لا شك في أن العرب هم من أقدم الأمم الظريفة الضاحكة، وبرهاننا على ذلك هذا العدد الكبير من الأدباء الظرفاء، وفي مقدمتهم سيد البيان العربي الظريف المثقف الجاحظ، ثم أبو حيان التوحيدي وبديع الزمان الهمذاني والحريري وابن الجوزي، وأولئك الشعراء الظرفاء وفي صدرهم أبو نواس وبشار بن برد وأبو دلامة وابن الحجاج وسواهم الكثير، وها هو ذا الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يقول (روّحوا عن النفوس في الحين بعد الحين، فإن النفوس إذا كلّت عميت) ومن بعده قال ابن الجوزي: (لما كانت النفوس تمل من الجد لم يكن بأس من إطلاقها في مزح ترتاح به)، وعن سبب إلقائه هذه المحاضرة في حلب يقول البحرة: أنا اعتبر مدينة حلب هي مدينتي الثانية، كما أن هناك مناسبة غالية على قلبي، وهي مرور 50 عاماً على زيارتي لحلب للمرة الأولى، وكان ذلك في عام 1958، ففي هذا العام قدمت إلى حلب لأداء خدمة العلم.

والأديب الباحث نصر الدين البحرة من مواليد دمشق عام 1934 تخرج من جامعة دمشق مجازاً في الفلسفة والدراسات الاجتماعية، اشتغل في التعليم الابتدائي والثانوي مدرساً للفلسفة واللغة العربية في دمشق وبيروت، مارس الصحافة إلى جانب التعليم في أواسط الخمسينات، وكان محرراً وأمين تحرير في عدد من الصحف الصادرة في دمشق كصوت العرب والوعي والصرخة والطليعة والرأي العام، نال في عام 1955 الجائزة الأدبية الثانية في مهرجان وارسو الدولي للشباب والطلاب عن قصته (أبو دياب يكره الحرب) وإلى جانب القصة القصيرة كتب الشعر العمودي، وقصيدة النثر والدراسات الأدبية والسينمائية والتاريخية، وله مقالات كثيرة منشورة في الصحف السورية والعربية، يقدم ويعد برامج إذاعية منذ عام 1952، وقدم وشارك في تقديم كثير من برامج التلفزيون العربي السوري، أعارته وزارة التربية عام 1966 للعمل في جريدة الثورة الدمشقية فعمل معلقاً سياسياً ومحرراً رئيسياً، ثم أمين قسم الدراسات، ورأس بعد ذلك قسم الأرشيف فأعاد تنظيمه، وتولى أمانة تحرير الجريدة حتى عام 1969 فأنهيت إعارته، وعاد إلى وزارة التربية للتدريس، انتخب في الدور التشريعي الرابع لمجلس الشعب 1986-1990.