قد لا يكون هناك أشياء كثيرة تميز قلعة العريمة (اريما) عن قلاع مثل: المرقب والحصن ويحمور وباقي القلاع السورية المعروفة، من ناحية التاريخ أو الطراز المعماري أو الغاية والهدف من بنائها،
إلا أن ما يميز هذه القلعة عن سواها هو هذا الغموض الذي يلف هذه القلعة لدرجة ولد معها عدة أساطير وأمور خارجة عن الطبيعة، وما بقي منها من أطلال تحكي عن حضارة الأقدمين.
المهندس ورد الراعي الناشط في مجال ترميم الآثار يقول: لا توجد كتب أو مراجع تحدثت عن قلعة العريمة التي كانت منسية لزمن طويل، وحتى عام 1988حيث قام أهالي القرى المجاورة لها بشق طريق دائري تصعد من خلاله إلى القلعة، غير أنه بالإمكان إسقاط تاريخ برج صافيتا الأثري الذائع الصيت على تاريخ قلعة العريمة، لما للشكل المعماري من تشابه وللقرب من جهة الموقعين الأثريين، حيث تقع قلعة العريمة في سهل عكار فوق جبل تحيط به سلسلة جبال إلا من جهة الغرب والجنوب الغربي، إذ يمر نهر الأبرش الذي يمتد عبر واد رمادي أخضر يصل إلى البحر في سهل مساحته أكثر من 10 آلاف هكتار، وهي إلى الجنوب من منطقة صافيتا قرب ناحية الصفصافة في محافظة طرطوس.
ويبدو أن القلعة كانت حصناً للصليبيين بزعامة (ريم حنا) الذي يتكرر اسمه كثيراً في أساطيرها وهذا الأخير كان يستولى على خيرات الأهالي في الوادي والجبل ويقوم بإذلالهم والاعتداء على حرماتهم، فقامت الانتفاضة الأولى على ريم حنا بزعامة الشيخ راشد ابولي الذي أصبح بطلاً شعبياً يتخذ مثلاً في الشجاعة ولا يزال يزور ضريحه الزائرون قرب قرية (ابولي) جنوب صافيتا إلى الآن. أجبرت هذه الانتفاضة ومن أتى بعد الشيخ راشد من قادة أفذاذ إلى طرد ريم حنا وجنوده عن طريق نفق أسطوري يصل بين القلعة والبحر حيث كانت سفن الأعداء راسية، وفي رواية أخرى هرب عن طريق نفق آخر أسطوري إلى برج صافيتا، وبقيت الانتفاضة مستمرة حتى مجيء نور الدين زنكي أتابك من حلب عام 1771 وبعده حملة الناصر صلاح الدين عام 1188 وبعد ذلك كانت حملة العرب المسلمين بقيادة الظاهر بيبرس عام 1271 الذي حرر المنطقة من براثن الغاصبين.
يتابع المهندس الراعي واصفاً القلعة التي تأخذ قمة الجبل كاملة بأنه يحيط بها سور مهدم، وتتألف من برجين وعدة سراديب وغرف، يقع البرج الأول من جهة الجنوب الغربي من القلعة يصل ارتفاعه حتى الثلاثين متراً، مهدم من جهة الشمال، عريض من الأسفل ويضيق في النهاية، مبني بحجارة ضخمة للغاية وهناك البرج الشمالي وله مواصفات البرج الأول، وهذان البرجان مملوءان من الداخل إذ يصعد إليها فقط من أحد الجدران، وهي مبنية بهدف الرصد والمراقبة فقط، لأن بإمكان من يفق على أحد هذين البرجين أن يميز بالعين المجردة برج صافيتا وقلعة الحصن ويحمور، رغم المسافات البعيدة بينها ناهيك عن إمكانية رؤية مساحات مديدة تصل إلى البحر، عن هذه الأبراج كان يتم تبادل الإشارات من دخان ونار نهاراً وليلاً، ثم هناك بقية أقسام القلعة التي تتوزع بين سراديب واسعة أسقفها نصف دائرية، وأنفاق لا أحد يعرف أين تنتهي، أحدهما يقال بأنه يصل إلى البحر وعن طريقه هرب ريم حنا مع جنوده، ثم هناك سجن القلعة ومكان شنق وتعذيب الثوار والمجاهدين، والجدران هنا عريضة وسميكة ومبنية بطريقة الحجارة المعقودة، وبناء القلعة من الطراز البيزنطي، والمعجزة هنا كيف أوصلت هذه الحجارة الضخمة إلى قمة الجبل في ذلك الزمن، ثم هذه الهندسة المعمارية المعقدة، وأبواب القلعة على شكل أقواس خالية من النوافذ، بل أن هذه النوافذ عبارة عن شقوق- فتحات-في الجدار ضيقة من الخارج واسعة من الداخل، بحيث ترى منها ولا ترى كانت تستخدم لرمي السهام، وهذه الجدران والنوافذ خالية من الرسوم والزخارف والأعمدة كما في بنائها وهي للتحصين والرصد والمراقبة.
أما السيد وهيب الفتى المهتم بجمع الذاكرة الشفاهية في المنطقة فيذكر أن: ما يميز قلعة العريمة كما أسلفنا، فهي الأساطير والخرافات التي نسجها الخيال الشعبي حول أحداث القلعة فإذا كانت الرواية التاريخية تقول بأن ريم حنا هرب عن طريق البحر مع جنوده، فأن الحكاية الشعبية تقول إن الله (مسخه) عجلاً أو ثوراً في قطيع أحد الفلاحين، وهذا ما أكدته في الزمن القديم إحدى الراعيات عندما كانت ترعى القطيع، وهرب منها أحد الثيران فوجدته في كهف صخري في القلعة مملوءاً بالجواهر والكنوز، وعندما رآها شاهدته خرج بسرعة وأغلق الكهف الصخري خلفهما وأخذ قسماً من فستان الراعية من الخلف، إذ كان على الراعية أن تأخذ شيئاً من الجواهر وتقذفها إلى الخارج ليبقى الكنز مفتوحاً، غير أنها لم تفعل؟ ومن الأساطير أيضاً أن ريم حنا قد خطف (سعدة) ابنة المجاهد راشد أبولي بعد أن رآها تملأ جرار الماء من عين مريزة المجاورة ولأن (سعدة) لم تساعد أهلها في تحرير الأرض من الفرنجة وبقيت مع الغازي الغريب فقد (مسخها) الله أو حولها إلى أفعى جزاء بما اقترفته من آثام، وستبقى كذلك تُضيف الأسطورة أجيالاً عديدة ربما سبعة أجيال...؟
ويضيف الفتى: واضح تأثر هذه الأساطير بأساطير بلاد الشام القديمة كأسطورة (قدموس) الذي تحول إلى ثور تفوح منه رائحة المسك وخطف حبيبته وشق عرض البحر، أو كأسطورة (جلجامش) وأساطير (بعل) المتعددة وأدونيس الذي صرعه الخنزير قرب مصاب الأنهار.. الخ، حيث (الآلهة) وسهولة التحول في هذه الأساطير بين الإنسان والحيوان... الخ.
